قصت شعرها وأطلقت النكف.. هل تفجر ابنة صدام حسين صراعًا بين الحوثيين والقبائل اليمنية؟

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

برز في اليمن صراع مكتوم ومتصاعد بين منطق "الغلبة العسكرية" الذي تفرضه جماعة الحوثي، ومنطق "العرف والكرامة" القبلي، مع تفجر قضية امرأة تقول إنها الابنة الشرعية للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، واستنجادها برموز قبلية بارزة، في تطور يفتح الباب أمام احتمال مواجهة مباشرة بين الجماعة والقبائل.

وتروي المرأة، التي تقدم نفسها باسم "ميرا صدام حسين"، أنها الابنة الشرعية وغير المعلنة للرئيس العراقي الراحل، وأنها لجأت إلى اليمن بموجب ترتيبات خاصة عقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003. وتؤكد أنها كانت تمتلك وثائق عراقية رسمية تثبت هويتها، إلى جانب عقارات وسيارات وأموال مُنحت لها بصفتها الاعتبارية.

وتتهم قيادات حوثية بارزة، وفي مقدمتها القيادي فارس مناع، بمداهمة منزلها في صنعاء، والاستيلاء على وثائقها الثبوتية وجميع ممتلكاتها، واحتجازها لفترة طويلة، بهدف حرمانها من حقوقها القانونية.

ميرا تستجير

بدأت القضية تأخذ منحى أكثر خطورة عندما ظهرت المرأة في مقاطع مصورة، بلهجة عراقية، وهي تقص خصلات من شعرها، في مشهد يُعد، وفق الأعراف القبلية اليمنية والعربية القديمة، أعلى درجات الاستجارة وطلب النصرة، ونداءً لا يجوز تجاهله، إذ يُنظر إلى عدم الاستجابة له بوصفه عاراً قبلياً.

واستجاب لندائها الشيخ القبلي حمد بن فدغم الحزمي، أحد أبرز مشايخ قبائل دهم بمحافظة الجوف، معلناً تبني قضيتها، ومطالباً بإنصافها وإعادة حقوقها، قبل أن ترد جماعة الحوثي باعتقاله مع المرأة في نقطة أمنية شمال صنعاء، الأمر الذي فجّر موجة غضب واسعة في الأوساط القبلية.

ودفع ذلك قبائل دهم إلى إعلان النفير العام، ونصب "مطارح الكرامة" في منطقة الريان بمحافظة الجوف، مهددة بالتصعيد العسكري إذا لم يُفرج عن الشيخ الحزمي والمرأة المحتجزة.

وتأتي هذه الأزمة في ظل تراجع الثقة الشعبية والقبلية بالمؤسسات القضائية والأمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

ويرى مراقبون أن الجماعة تستخدم منظومة "الحارس القضائي" والقضاء الخاضع لسيطرتها لمصادرة ممتلكات المعارضين والخصوم وحتى بعض اللاجئين، ما يدفع كثيرين إلى تجاوز المحاكم الرسمية واللجوء إلى الأعراف القبلية ونظام "النكف" لاسترداد الحقوق التي يرون أنها باتت مهددة بالنفوذ العسكري.

ويعد "النكف" من أعرق الأعراف القبلية في اليمن، ويعني إعلان حالة الاستنفار والتعبئة العامة بين القبائل لمواجهة اعتداء يمس الكرامة أو الأرض أو العرض أو الحقوق، ويُنظر إليه بصفته واجباً اجتماعياً وأخلاقياً لا يجوز التخلف عنه.

ويبدأ "النكف" بإرسال إشارات أو رسائل استغاثة، مثل إطلاق النار، أو قص خصلات الشعر في حالات الاستجارة، أو إرسال وفود إلى القبائل الحليفة، فيما يعد تلبية النداء واجباً مقدساً على كل رجل قادر على حمل السلاح.

ويلحق العار الاجتماعي بمن يتخلف عن تلبية هذا النداء، وبقبيلته أيضاً. ورغم طبيعته القتالية، فإن الهدف الأساسي لـ"النكف" غالباً ما يكون ممارسة ضغط قبلي لإجبار الخصم على الاحتكام إلى الأعراف، وتقديم "العدول" أو الضمانات اللازمة لإنهاء النزاع قبل تطوره إلى مواجهة مسلحة.

ويعد صدام حسين عبد المجيد التكريتي رئيس الجمهورية العراقية الأسبق، وقد حكم العراق لأكثر من عقدين بين عامي 1979 و2003. واشتهر بسياساته القومية، وقاد العراق خلال حروب إقليمية كبرى، قبل أن يسقط نظامه إثر الغزو الأمريكي عام 2003، ويُعتقل ثم يُعدم في ديسمبر/كانون الأول 2006.

أما ميرا صدام حسين، فتقول إنها تبلغ من العمر نحو 34 عاماً، وإنها الابنة غير المعلنة للرئيس العراقي الراحل من زواج غير مشهر، وإن والدها هرّبها سراً من العراق عقب مقتل والدتها أثناء العمليات العسكرية الأميركية.

ووفق روايتها، فقد أوفدها صدام حسين إلى اليمن برفقة ضباط عراقيين، حاملين رسالة توصية إلى الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح، الذي استقبلها، ووفّر لها الحماية، ومنحها هوية مستعارة وممتلكات عقارية، حفاظاً على سلامتها وإخفاء هويتها الحقيقية.

رواية الحوثيين

في المقابل، نفت جماعة الحوثي الرواية بالكامل، ووصفتها بأنها "عملية احتيال وتشويه سياسي".

وقالت وزارة الداخلية التابعة للجماعة: إن المرأة مواطنة يمنية تدعى سمية أحمد محمد الزبيري، وتنتمي إلى أسرة الزبيري في قبيلة أرحب.

وأضافت أن المرأة متورطة في قضايا تزوير وانتحال شخصية بهدف الاستيلاء على عقارات بطرق غير قانونية، مشيرة إلى أن المحكمة في صنعاء استندت إلى فحوص مخبرية ووثائق محلية تثبت نسبها اليمني، وهو ما عدته أساساً قانونياً لمصادرة الوثائق العراقية التي كانت بحوزتها وإغلاق القضية.

كما دعا القيادي الحوثي فارس الحباري إلى حشد قبلي في أرحب لتأكيد رواية الجماعة، والقول إن المرأة المعروفة إعلامياً باسم "ميرا صدام حسين" ليست سوى "سمية الزبيري".

أرحب تنفي

غير أن هذه الدعوة أثارت خلافاً واسعاً داخل قبيلة أرحب، خصوصاً بعد رفض الشيخ عبد الواحد الجرادي، أحد أبرز مشايخ القبيلة، للرواية الحوثية، وهو ما تطور، وفق مصادر قبلية، إلى اختطافه مع عدد من أبناء القبيلة على يد عناصر الجماعة.

وفي وقت لاحق، أصدر مشايخ ووجهاء قبيلة أرحب بياناً نفوا فيه بشكل قاطع صحة ما روج له الحباري والقيادي الموالي للحوثيين شمسان محسن أبو نشطان.

ورأى البيان أن محاولة نسبة "ميرا صدام حسين" إلى آل الزبيري وقبيلة أرحب تأتي في إطار حملة للإساءة إلى القبيلة، والتغطية على ما وصفه بعمليات نهب تنفذها جماعة الحوثي.

وأدان البيان التصريحات التي وصفها بـ"المخزية والمسيئة"، مؤكداً أن نسبة امرأة إلى غير أهلها تُعد جريمة قذف يعاقب عليها الشرع والعرف.

وشدد على أن فارس الحباري وشمسان أبو نشطان لا يمثلان قبيلة أرحب، وإنما ينفذان توجيهات قيادة جماعة الحوثي.

وأضاف أن القبيلة تؤكد ما خلص إليه اجتماع مشايخ ووجهاء آل الزبيري في جامعة أرحب، والذي انتهى إلى نفي وجود أي صلة نسب بين "ميرا صدام حسين" وآل الزبيري أو قبيلة أرحب.

وأكد البيان وقوف القبيلة إلى جانب كل مظلوم، وتمسكها بالأعراف القبلية، معلناً دعمها لما وصفه بحق "ميرا" في استعادة حقوقها، ورفضها محاولات جماعة الحوثي إلصاق العار بالقبيلة أو الزج بها في صراعات مع قبائل يمنية أخرى.

كما أعلنت قبيلة أرحب تضامنها مع قبائل دهم والجوف، وحيّت موقف الشيخ حمد بن فدغم الحزمي بإقامة "مطارح الكرامة" للمطالبة بالإفراج عن ميرا صدام حسين، مقدرة أن ما قام به ينسجم مع الأعراف القبلية الراسخة في نصرة المستجير.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه منطقة الريان بمحافظة الجوف، التي أعلنها الشيخ الحزمي مطرحاً قبلياً، توافد أعداد متزايدة من المسلحين القبليين استجابة لدعوته، للمطالبة بالإفراج عن ميرا صدام حسين، التي يؤكد أنها لا تزال محتجزة لدى جماعة الحوثي بعد مصادرة ممتلكاتها في صنعاء على يد القيادي الحوثي فارس مناع.

يمكنك إضافة محور معلوماتي مهم يربط القضية بالسياق الأوسع لعلاقة الحوثيين بالقبائل، لأنه يمنح التقرير بعداً تفسيرياً ويبين لماذا تحولت قضية فردية إلى أزمة قبلية واسعة.

تحالف الضرورة وصراع النفوذ

ورغم أن جماعة الحوثي اعتمدت منذ سيطرتها على صنعاء عام 2014 على تحالفات قبلية لتوسيع نفوذها وتثبيت سلطتها، فإن العلاقة بينها وبين القبائل شهدت خلال السنوات الأخيرة توترات متزايدة، نتيجة سعي الجماعة إلى تقليص استقلال المشايخ التقليديين وإحلال قيادات موالية لها محلهم.

واتهمت قبائل يمنية الجماعة مراراً بتهميش الأعراف القبلية، والتدخل في شؤون القبائل، واستخدام الأجهزة الأمنية والقضائية لفرض قراراتها بالقوة، إضافة إلى مصادرة أراضٍ وممتلكات، وفرض جبايات، وتجنيد أبناء القبائل في جبهات القتال.

ويرى باحثون في الشأن اليمني أن القبيلة لا تزال تمثل أحد أهم مراكز القوة الاجتماعية والعسكرية في شمال اليمن، وأن أي صدام مباشر بين الحوثيين والقبائل يحمل مخاطر كبيرة على تماسك مناطق سيطرة الجماعة، خاصة إذا انتقلت الخلافات من نزاعات محلية محدودة إلى حالة "نكف" قبلي واسع تتجاوز حدود القبيلة الواحدة.

كما يؤكد مراقبون أن جماعة الحوثي نجحت خلال السنوات الماضية في احتواء كثير من الخلافات القبلية عبر الوساطات أو استخدام النفوذ العسكري، إلا أن القضايا المرتبطة بـ"الكرامة القبلية" أو الاعتداء على المستجير أو المرأة تعد من أكثر الملفات حساسية، إذ يصعب احتواؤها سياسياً، لما تمثله من رمزية كبيرة في منظومة الأعراف القبلية اليمنية.

ويشير هؤلاء إلى أن قضية "ميرا صدام حسين"، بصرف النظر عن حقيقة هويتها، تحولت من نزاع على الملكية أو الهوية إلى اختبار لطبيعة العلاقة بين سلطة الأمر الواقع التي تمثلها جماعة الحوثي وبين المنظومة القبلية التقليدية، وهو ما يفسر سرعة اتساع دائرة التضامن القبلي معها، وتحول القضية إلى شأن يتجاوز أبعادها الشخصية نحو صراع يتعلق بمكانة العرف القبلي وحدود نفوذ الجماعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

الإطار القانوني

تُظهر هذه القضية، في حال صحت تفاصيلها أو حتى في سياق الجدل المثار حولها، إشكالية أوسع تتعلق بضعف منظومة العدالة في مناطق النزاع داخل اليمن، حيث تتداخل السلطات الأمنية والقضائية مع النفوذ السياسي والعسكري لجماعة الحوثي، ما يثير انتقادات متكررة من منظمات حقوقية محلية ودولية.

ويرى قانونيون يمنيون أن تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات القضائية الرسمية في مناطق سيطرة الجماعة دفع كثيراً من الأطراف المتنازعة إلى اللجوء إلى الأعراف القبلية كبديل عن القضاء، وهو ما يعكس ازدواجية في مسارات حل النزاعات بين “القانون الرسمي” و”التحكيم العرفي”.

كما يشير خبراء في القانون الدولي إلى أن النزاعات المتعلقة بالمصادرة أو الانتهاكات الحقوقية في سياقات الصراع المسلح غالباً ما ترتبط بغياب آليات محايدة للتحقيق والفصل في القضايا، الأمر الذي يفتح المجال أمام تضارب الروايات وتسييس الإجراءات القضائية.

ويضيف هؤلاء أن مثل هذه القضايا، عندما تتحول إلى مواجهة بين أطراف قبلية وسلطة أمر واقع، تصبح أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل غياب رقابة قضائية مستقلة أو آليات استئناف فعالة، ما يعمّق مناخ عدم اليقين القانوني ويزيد من احتمالات التصعيد الاجتماعي.

شرارة انتفاضة قبلية

وحذر ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي من أن قضية ميرا صدام حسين "سمية الزبيري حسب رواية الحوثي" قد تكون شرارة تفتح الباب أمام مواجهة مسلحة مباشرة بين المليشيا والقبائل اليمنية، خاصة قبائل أرحب ودهم والمطارح في الجوف.

وتوقعوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس"، "فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #ميرا_صدام_حسين، #قبيلة_أرحب، #الحوثي، #صنعاء، أن قضية ميرا قد تفجر انتفاضة قبلية مسلحة واسعة تنهي النفوذ الحوثي في مناطق الأطراف.

موقف شجاع

وأثنى ناشطون على استجابة الشيخ حمد بن فدغم الحزمي (أحد مشايخ قبائل دهم) لاستغاثة ميرا صدام حسين، عادين موقفه موقفاً شجاعاً يعكس الكرامة القبلية والدفاع عن المظلومين ضد ممارسات الحوثيين، ومدحوه لإعلانه النكف القبلي وإقامة "مطارح الكرامة" في الريان بالجوف.

وأشاروا إلى توافد قبائل من مناطق مختلفة، وأبرزوا دعمهم لميرا رغم الشكوك حول هويتها، مع دعوات للثبات والالتفاف حول الحزمي.

ومطارح الريان (أو ما أُطلق عليها مطارح الكرامة) هي احتشاد وتجمع قبلي مسلح واسع تشهده منطقة الريان بمحافظة الجوف (الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية الشرعية). 

وانطلق هذا الاحتشاد في أواخر شهر يونيو/حزيران 2026 تلبية لدعوة "النكف القبلي" التي أطلقها الشيخ حمد بن راشد بن فدغم الحزمي، نصرةً لـ "ميرا صدام حسين".

غطرسة الحوثي

وصب ناشطون جام غضبهم على مليشيا الحوثي عادين قضية ميرا صدام حسين كاشفة لزيف "دولة النظام والقانون" التي يدعي الحوثيون إقامتها في صنعاء، مؤكدين أن السطو على أملاك امرأة لاجئة هو سلوك عصابات يفتقر لأدنى قيم المروءة والشرف العربي.

ووصفوا السلوك بأنه "سطو عصابات" يفتقر إلى أبسط قيم المروءة والشرف العربي، خاصة أن الضحية امرأة لاجئة أو نازحة، وأن الفيلا التي كانت تقيم بها واستولى عليها الحوثي كانت منحة سابقة. 

كما شنوا هجوماً لاذعاً على القيادي الحوثي فارس مناع، عادّين إياه نموذجاً حياً لـ "هوامير العقارات" التابعين للجماعة، والذين يستغلون نفوذهم العسكري لمصادرة الفلل والأراضي الثمينة في العاصمة تحت غطاء قضاء خاضع للمليشيا، مما يكشف عن طبيعة السيطرة الحوثية كحكم ميليشياوي يعتمد على النهب والترهيب بدلاً من العدالة. 

اعتقالات وملاحقات

وأشاد ناشطون بموقف قبيلة أرحب (خاصة الزبيرات) التي نفت أي صلة بـ"ميرا صدام حسين" بها وأعلنت تضامنها معها ووقوفها إلى جانبها، وعدته موقفاً شرفياً يحمي الأعراف القبلية ويرفض توظيف الأنساب سياسياً أو إعلامياً من قبل الحوثيين. 

وعبر منشوراتهم على حساباتهم الشخصية ومشاركتهم في وسم #قبائل_ارحب_تفضح_الحوثي استنكروا بشدة اعتقال/اختطاف الحوثيين للشيخ عبدالواحد الجرادي (ومشايخ آخرين) بعد تصريحه الذي يدعم نفي الانتماء، ورأوا فيه انتقاماً ومحاولة لفرض رواية كاذبة بالقوة، مع الإشارة إلى اشتباكات وقعت على إثر ذلك. 

وسلطوا الضوء على الضغوط التي تعرضت لها قبيلة الزبيري للاعتراف بأن ميرا صدام حسين ابنتهم وتنتمي لهم، مستنكرين محاولات الحوثي فرض روايات مفبركة بالقوة والضغط واقتحام مناطق أرحب بعد نفي الشيخ الجرادي أن ميرا من الزبيرات ما أدى لاعتقاله وآخرين على يد الحوثي.