نذر الحرب تعود إلى اليمن.. الحوثيون يعلنون النفير والحكومة ترفع الجاهزية

الحوثيون يسعون من خلال التصعيد العسكري إلى تعزيز أوراقهم التفاوضية
عاد شبح الحرب الشاملة ليخيم مجدداً على المشهد اليمني، عقب موجة تصعيد عسكري متزامنة شهدتها عدة جبهات خلال الساعات الماضية بين جماعة الحوثي والقوات الحكومية، في تطور يهدد الهدنة الهشة التي حافظت على قدر من التهدئة منذ أكثر من أربع سنوات.
ومع تبادل القصف المدفعي وإعلانات التعبئة والنفير ورفع الجاهزية العسكرية، تتراجع آمال التسوية السياسية لصالح مؤشرات تنذر بانزلاق البلاد إلى جولة جديدة من الصراع، في وقت لا تزال فيه الملفات الجوهرية العالقة بين الأطراف المتنازعة دون حلول حقيقية.
فقد اندلعت مواجهات عنيفة استخدمت فيها الأسلحة المتوسطة والثقيلة بين الجانبين في أكثر من محور، وسط اتهامات متبادلة بالتصعيد ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض.
واندلعت اشتباكات بين قوات الجيش ومسلحي جماعة الحوثي في منطقتي الفاخر وبتار بمحافظة الضالع جنوبي البلاد، بحسب ما أعلنته قناة اليمن الفضائية الحكومية (التلفزيون الرسمي) في 23 يونيو/حزيران 2026.
ونقلت القناة عن مصادر ميدانية أن الاشتباكات استمرت لساعات مساء الإثنين، وتخللتها عمليات قصف مدفعي وتبادل لإطلاق النار، ما أسفر عن إصابة خمسة جنود.
واتهمت القناة جماعة الحوثي بالوقوف وراء التصعيد العسكري في الضالع، مشيرة إلى أن القوات الحكومية المدعومة من التحالف العربي تواصل التصدي للهجمات.
في المقابل، أعلنت جماعة الحوثي مقتل اثنين من ضباطها برتبة عقيد خلال مواجهات مع القوات الحكومية.
وذكرت وكالة الأنباء "سبأ" التابعة للجماعة أنه جرى في صنعاء تشييع العقيد عامر علي عامر والعقيد أحمد محسن حمطان، موضحة أنهما قتلا أثناء أداء ما وصفته بـ"الواجب الوطني في جبهات العزة والكرامة"، دون تقديم تفاصيل إضافية.
وكان الجيش اليمني قد أعلن، السبت، مقتل أحد ضباطه في مواجهات مع الحوثيين بمحافظة تعز جنوب غربي البلاد.
كلفة إنسانية متواصلة
بالتوازي مع التصعيد العسكري، تواصل الحرب حصد أرواح المدنيين، خصوصاً الأطفال، عبر مخلفات الألغام والمتفجرات المنتشرة في مناطق واسعة من البلاد.
وأعلنت وزارة حقوق الإنسان اليمنية، الثلاثاء، ارتفاع حصيلة قتلى انفجار مقذوف من مخلفات الحرب في محافظة الضالع إلى خمسة أطفال، إضافة إلى إصابة سبعة آخرين بجروح متفاوتة.
وأدانت الوزارة ما وصفته بـ"الجريمة البشعة" التي نالت أطفال قرية الريبي بمنطقة حجر، معتبرة أن استمرار انتشار الألغام ومخلفات الحرب يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية باتخاذ إجراءات أكثر حزماً لمواجهة هذه الكارثة.
إعلان النفير
في المقابل، رفعت جماعة الحوثي من سقف خطابها العسكري، معلنة دخول مرحلة جديدة من التعبئة والتأهيل القتالي.
وقالت قناة "المسيرة" التابعة للجماعة: إن صنعاء شهدت تدشين مرحلة جديدة من الإعداد العسكري استجابة لتوجيهات زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.
ونقلت عن مسؤول التعبئة العامة خالد المداني قوله: إن الجماعة تعلن "النفير والجاهزية العسكرية في مختلف المستويات"، مؤكداً مضاعفة أعداد الملتحقين بالدورات العسكرية مقارنة بالمراحل السابقة.
وأشار المداني إلى أن الجماعة أعدت خلال الفترات الماضية أكثر من 120 ألف مقاتل، فيما أعلنت قوات التعبئة العامة جاهزية مئات الآلاف من العناصر ومئات الألوية التعبوية لإسناد قواتها العسكرية.
رفع الجاهزية الحكومية
على الجانب الآخر، عقد وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي اجتماعاً موسعاً في محافظة مأرب ضم قيادات عسكرية وأمنية لمناقشة التطورات الميدانية ومتطلبات المرحلة المقبلة.
وأكد العقيلي أن الظروف الراهنة تتطلب رفع مستوى الجاهزية القتالية وتعزيز التنسيق بين مختلف الوحدات العسكرية لمواجهة أي تطورات محتملة.
كما رأى المتحدث باسم قوات "المقاومة الوطنية" صادق دويد أن التصعيد الحوثي يأتي في سياق الضغط السياسي والعسكري خلال فترات التهدئة، متهماً الجماعة باستخدام التوترات الأمنية وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.
هل تنهار الهدنة؟
ومنذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2022، شهد اليمن تراجعاً ملحوظاً في وتيرة المعارك الواسعة، رغم استمرار الاشتباكات المحدودة في بعض الجبهات.
إلا أن جذور الأزمة السياسية والعسكرية بقيت دون معالجة حقيقية، إذ لم تتمكن الأطراف اليمنية من التوصل إلى اتفاق شامل بشأن الملفات الرئيسة، وفي مقدمتها صرف الرواتب، وإدارة الموارد الاقتصادية، ومستقبل المؤسسات العسكرية والأمنية، وترتيبات المرحلة الانتقالية.
ويأتي التصعيد الحالي في ظل تحولات إقليمية متسارعة أعقبت المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وما تبعها من تفاهمات لوقف إطلاق النار وإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة.
ويرى مراقبون أن الحوثيين يسعون من خلال التصعيد العسكري إلى تعزيز أوراقهم التفاوضية والضغط للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية، فيما تحاول الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية استثمار حالة إعادة التنظيم العسكري التي شهدتها قواتها خلال السنوات الأخيرة.
ورغم أن جميع الأطراف تدرك الكلفة الباهظة للعودة إلى الحرب الشاملة، فإن استمرار انعدام الثقة وتراكم الملفات العالقة يجعل الهدنة القائمة أكثر هشاشة من أي وقت مضى، ويعيد اليمن مجدداً إلى حافة مواجهة مفتوحة قد تعصف بكل ما تحقق من تهدئة خلال السنوات الماضية.
تنديد واستهجان
وأثار التصعيد موجة واسعة من القلق والاستنكار بين الناشطين على منصات التواصل، وحذروا من انهيار الهدنة وتجدد الحرب الشاملة، معتبرينه تهديداً مباشراً للمدنيين واستقرار المنطقة، ووصفوا الهجمات بأنها "مخططات مشبوهة" أو "تواطؤ" يهدف إلى إشغال القوات وإعادة إشعال الصراع.
وتداولوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #الحوثي، #الضالع، #تعز، #عدن، وغيرها، صور ومقاطع فيديو للاشتباكات في الضالع، وطالبوا الأطراف بالعودة إلى طاولة المفاوضات لتجنيب المدنيين مزيداً من المعاناة.
تكتيك ضغط
ورأى ناشطون أن تصعيد الحوثيين العسكري والتعبوي الحالي تكتيك تفاوضي يهدف إلى تعزيز موقفهم في المفاوضات الجارية، خاصة مع الضغوط الداخلية (مثل أزمة الرواتب والجبايات) والإقليمية (مفاوضات أميركية-إيرانية وتوجهات خفض تصعيد).
ووصفوا التصعيد الحوثي بأنه رفع سقف التهديدات لانتزاع مكاسب مالية وسياسية أو صرف الانتباه عن التحديات الداخلية، مع الإدراك أنه قد يكون محدوداً خوفاً من كلفة عسكرية واقتصادية باهظة، مستندين إلى تجارب سابقة حيث استخدم الحوثيون التصعيد الإعلامي كضغط دون الذهاب إلى مواجهة شاملة.
صرف الأنظار
وأكد إعلاميون وناشطون أن رفع سقف خطاب التصعيد الحوثي، لا يمكن فصله عن حجم الضغوط والتحديات التي تواجهها المليشيا داخليا، جازمين بأنه يستهدف صرف الأنظار عن الأزمة الاقتصادية الداخلية في مناطق الحوثي.
وأشاروا إلى أن الأزمات كلما تعاظمت داخل الحركة، وتزايدت حالة التململ والاستياء في المناطق الخاضعة لسيطرتها، لجأت القيادة الحوثية إلى تصدير الأزمة نحو الخارج، عبر صناعة معارك إعلامية أو التلويح بمواجهات عسكرية.
جيش رديف
وخصص محللون وخبراء وناشطون منشوراتهم للتعريف بقوات التعبئة العامة الحوثية ودورها، عادين الإعلان عن جاهزيتها محاولة من "تجار الحروب" الحوثيين لإفشال أي استقرار نسبي في الجنوب أو عدن، واستمرار لسياسة الدمار والحرب التي يعيشون عليها، متوعدين بردعها.
ورأوا أنها تهديداً مباشراً للجنوب والضالع، ودليلاً على رفض الحوثيين للسلام الحقيقي، محذرين من أنه يعكس استنساخ نموذج إيراني (الباسيج) يستهدف تعبئة المدنيين قسراً أو بالترغيب، مما ينذر بكوارث إنسانية جديدة واستنزاف لليمن.
تنسيق وتخادم
وشكك ناشطون في وجود تنسيق أو تواطؤ غير مباشر/مباشر بين أبوظبي (الإمارات) وتل أبيب (إسرائيل) يستخدم الحوثيين كأداة للتصعيد أو إضعاف أطراف أخرى مثل السعودية، مؤكدين أن من يحرك الحوثي بإتجاه الجنوب هي الامارات للضغط على المملكة.
ووصفوا التصعيد الحوثي الحالي كجزء من لعبة إقليمية أكبر، حيث يُتهم النموذج الإماراتي بالتنسيق مع إسرائيل لدعم أو توجيه الحوثيين (أو الاستفادة منهم) لتحقيق أهداف مشتركة مثل إضعاف الخصوم المشتركين أو إدارة التوترات الإقليمية بطريقة تخدم التحالفات السرية.
أطفال الضالع
وأعرب ناشطون عن حزنهم الشديد واستنكارهم لمقتل خمسة أطفال وإصابة آخرين في محافظة الضالع، عادين الحادثة مأساة إنسانية مؤلمة تذكر باستمرار مخاطر مخلفات الحرب. وصف كثيرون الأطفال بـ"الشهداء" و"الأكفان البيضاء"، مطالبين بتسليم خرائط الألغام وتكثيف جهود نزعها.
وربط بعضهم عبر تغريداتهم على حساباتهم الشخصية ومشاركتهم في وسم #مجزرة_أطفال_الضالع الحادثة بالتصعيد العسكري الأخير، داعين إلى وقف القتال لحماية المدنيين خاصة الأطفال.
وأعربوا عن تضامنهم مع أهالي الضالع، مؤكدين أن الضحايا بريئون يدفعون ثمن صراعات لا ذنب لهم فيها، وسط دعوات للمجتمع الدولي بالتدخل العاجل.
بدورها، أدانت وزارة حقوق الإنسان اليمنية مقتل خمسة أطفال وإصابة سبعة آخرين جراء انفجار مقذوف من مخلفات الحرب في منطقة حجر بمحافظة الضالع، محملة مليشيا الحوثي المسؤولية الكاملة عن الحادثة.
وأكدت الوزارة أن استمرار زراعة الألغام والمتفجرات في المناطق المدنية يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، داعية الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى تعزيز جهود نزع الألغام وحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.
فيما نددت منظمة "أنقذوا الأطفال" بمقتل الأطفال وإصابة الآخرين، ووصفت الحادثة بأنها من أكثر الحوادث فتكاً بالأطفال منذ بداية العام الجاري.
ودعت المنظمة جميع أطراف النزاع إلى خفض التصعيد والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، مشددة على ضرورة توفير تمويل إنساني مستدام لعمليات إزالة الألغام ومساعدة الضحايا وتعزيز برامج التوعية بمخاطرها.
ولم تحدد المنظمة الجهة المسؤولة عن الحادثة، في وقت حملت فيه الحكومة جماعة الحوثي مسؤولية زراعة الألغام في المناطق المدنية.
فيما أعرب المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، عن "حزنه العميق" إزاء الأنباء الواردة بشأن مقتل خمسة أطفال على الأقل وإصابة سبعة آخرين جراء انفجار مقذوف من مخلفات الحرب في محافظة الضالع بجنوب البلاد.

















