مجلس السلام يرسم غزة جديدة بلا أونروا.. استبدال خدمات أم تصفية قضية؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تدخل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” اليوم واحدة من أخطر لحظاتها منذ تأسيسها، مع تلاقي مسارين في توقيت واحد هما إخراجها من قطاع غزة، وأزمة تمويلية تهدد قدرتها على إبقاء شبكتها الأساسية بالمنطقة.

وأونروا واحدة من أقدم المؤسسات الأممية المرتبطة بقضية اللاجئين الفلسطينيين، أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، وتعمل فلسطين في خمسة مناطق عمليات، وتحفظ ملفات أسرية تمتد إلى أجيال عبر نظام تسجيل خاص باللاجئين. 

آخر التهديدات

وفي مطلع يوليو/تموز 2026، قال ما يسمى مجلس السلام العالمي الذي شكله الرئيس الأميركي دونالد ترامب: إن أونروا “لا مكان لها في غزة الجديدة”، وإنه يريد طي صفحة ما سماه “الاعتماد الدائم على المساعدة والصراع”. 

الخارجية الفلسطينية ردت في اليوم نفسه بأن الوكالة “شريان حياة” وذات تفويض دولي واضح، وربطت المساس بها بحقوق اللاجئين الفلسطينيين وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194، كما رفضت مصطلح “غزة الجديدة” بوصفه صياغة تعزل القطاع عن الضفة والقدس والشتات الفلسطيني.

تزامن هذا التصريح مع أزمة مالية حادة داخل أونروا، ففي 30 يونيو/حزيران 2026، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمام اجتماع للجمعية العامة بشأن التمويل الطوعي للوكالة إن أونروا تقترب من “نقطة الانهيار” بسبب فجوة تمويلية قدرها 100 مليون دولار. 

وتحدث غوتيريش عن قيود واسعة على عمل الوكالة في الأرض الفلسطينية المحتلة، وعن إجراءات تقشف خفّضت ساعات تقديم الخدمة 20 بالمئة، وقلصت رواتب محلية، وأبقت 15 بالمئة من الوظائف الدولية شاغرة.

بدوره، قال البيت الأبيض في 16 يناير/كانون الثاني 2026، إن مجلس السلام سيشرف على الحوكمة وإعادة الإعمار والتنمية وجمع التمويل، وإن نيكولاي ملادينوف سيعمل ممثلًا أعلى للقطاع كصلة ميدانية بين المجلس واللجنة الوطنية لإدارة غزة التي شكلت ضمن المرحلة الثانية لإنهاء الحرب.

هذا الإطار يثبت استبدال أونروا في الملفات الثقيلة التي بقيت عالقة في قطاع غزة وسط تهدئة هشة بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

تاريخ الضغط على الوكالة يسبق تصريحات مجلس السلام، ففي 10 مارس/آذار 2025، قال السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة في جنيف دانيال ميرون إن إسرائيل تعمل لإيجاد بديل لعمل أونروا داخل غزة.

وأضاف أن إسرائيل تشجع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية على أن تتولى كل جهة المجال الذي تتخصص فيه. وجاء التصريح بعد منع تل أبيب عمل الوكالة في الأراضي المحتلة في يناير 2025.

وتقوم فكرة الاستبدال المطروحة على خطين متوازيين، الأول تقدمه إسرائيل منذ 2024 بصيغة نقل وظائف أونروا إلى وكالات أممية ومنظمات غير حكومية ومتعاقدين

وكشفت صحيفة الغارديان البريطانية، في 31 مارس 2024، أن إسرائيل قدّمت للأمم المتحدة مقترحًا لتفكيك دور أونروا في غزة عبر نقل 300 إلى 400 من موظفيها في البداية إلى وكالة أممية أخرى، بينها برنامج الأغذية العالمي، أو إلى منظمة جديدة لتوزيع الغذاء.

تزيد مسودة مرتبطة بمجلس السلام حساسية الانتقال المقترح، ففي 27 يونيو 2026، قالت الغارديان: إن وثائق المجلس تتضمن حصانات واسعة له ولمكتب الممثل الأعلى بغزة والقوة الدولية والمتعاقدين والتكنوقراط الفلسطينيين من الاعتقال والإجراءات القانونية داخل القطاع.

وكشفت الصحيفة أن الوثائق نصت على السماح بالحصول على مرافق عامة في القطاع لمصلحة المجلس من دون مقابل، كما نقلت عن خبراء قانون دوليين تحذيرات من ضعف المساءلة في حال حدوث انتهاكات أو أضرار أو نزاعات على الممتلكات.

الخط الثاني يقدمه مجلس السلام ضمن تصور “غزة الجديدة”؛ حيث ترتبط المساعدات بالحوكمة والإعمار والأمن والتمويل الدولي. وبين الخطين تأتي أزمة التمويل لتجعل الوكالة في وضع هش، بعدما خسر تمويلها استقرارًا تاريخيًا كان يعتمد على مساهمات طوعية من الدول المانحة.

في يناير 2024، علقت الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وعدد من الدول الأوروبية تمويل أونروا بعد مزاعم إسرائيلية عن مشاركة موظفين بالوكالة في هجوم 7 أكتوبر 2023. 

وتأتي طروحات إخراج أونروا من “غزة الجديدة” رغم إجراءات داخلية اتخذتها الوكالة بحق موظفين وردت أسماؤهم في مسار الاتهامات الإسرائيلية لتفصل حتى يونيو 2026، نحو 80 موظفا ضمن ما أسمته “تقييما لسلامة وأمن عملياتها”.

وعاد عدد من المانحين إلى التمويل خلال 2024، بينهم كندا وألمانيا وبريطانيا ودول أوروبية أخرى، بينما قررت السويد وقف تمويلها المباشر عام 2025، واستمر التجميد الأميركي. 

تأثير التمويل يتجاوز حسابات الرواتب، فقد قال غوتيريش في 30 يونيو 2026 إن أونروا تقدم التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والإيواء لملايين الفلسطينيين، ورأى أن الأزمة النقدية تهدد قدرتها على تنفيذ التفويض الذي جدّدته الجمعية العامة للأمم المتحدة. 

كما قال: إن جهود تقويض الوكالة تجري عبر التشهير والقيود التشغيلية والضغوط الدبلوماسية والتشريعية، وإن 390 من موظفي أونروا قتلوا في غزة منذ أكتوبر 2023.

وفي مارس 2026، وجّه المفوض العام السابق للأونروا فيليب لازاريني رسالة إلى رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال فيها: إن الوكالة قد تصبح قريبًا غير قابلة للاستمرار، وإن ذلك ستكون له “عواقب بعيدة المدى” على لاجئي فلسطين في لحظة إقليمية مضطربة. 

وقال لازاريني: إن عمل أونروا حيوي لتطبيق خطة السلام في غزة، وإن إسرائيل ستتحمل مسؤولياتها كقوة احتلال إذا لم يقدم أعضاء الأمم المتحدة دعمًا سياسيًا وماليًا عاجلًا للوكالة.

لماذا أونروا تحديدًا؟

تأسست أونروا بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 في 8 ديسمبر/كانون الأول 1949، وبدأت عملياتها الميدانية في 1 مايو/أيار 1950. 

ولايتها الأولى كانت تقديم الإغاثة وبرامج التشغيل المباشرة للاجئي فلسطين، ثم جددت الجمعية العامة هذه الولاية مرارًا، فيما يمتد آخر تمديد حتى 30 يونيو 2029. 

وتصف أونروا تفويضها بأنه إنساني وتنموي لتقديم المساعدة والحماية للاجئي فلسطين إلى حين التوصل إلى حل عادل ودائم لقضيتهم.

تعريف لاجئي فلسطين في نظام أونروا يشمل من كان مكان إقامته المعتاد فلسطين بين 1 يونيو 1946 و15 مايو 1948 وفقد منزله ووسيلة عيشه نتيجة حرب 1948، كما يشمل المنحدرين من الذكور اللاجئين الفلسطينيين.

تعمل الوكالة الدولية في خمس مناطق عمليات هي غزة والضفة الغربية بما فيها شرق القدس والأردن ولبنان وسوريا. من هذا الباب يصبح استهدافها مختلفًا عن الضغط على أي منظمة إنسانية أخرى، فالوكالة تقدم خدمات، لكنها تحمل كذلك سجلًا مؤسسيًا للاجئين الفلسطينيين.

وتحدث فيليب لازاريني عن هذا البعد السياسي بصورة مباشرة في مقابلة مع الغارديان في 13 سبتمبر/أيلول 2024، قائلاً إن هناك محاولة سياسية متعمدة لإزالة الوكالة وتفكيكها، مضيفًا أن الهدف النهائي يتمثل في تجريد الفلسطينيين من صفة اللاجئ وإضعاف تطلعهم إلى تقرير المصير. 

وفي 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أشارت مجلة فورين بوليسي الأميركية، إلى دافع مركزي وراء استهداف الوكالة يرتبط بقدرتها على نقل تسجيل اللاجئ الفلسطيني عبر الأجيال، لأن إنهاء هذا الإطار يساعد على إضعاف مطالب الفلسطينيين بالعودة.

ونقلت المجلة عن مايا روزنفيلد، الباحثة في الجامعة العبرية والمتخصصة في أونروا منذ التسعينيات، أن الوكالة بدأت كجسم إغاثي مؤقت إلى حين حل قضية اللاجئين، ثم بقيت لأنها ظلت تتعامل مع أجيال متعاقبة من اللاجئين مع بقاء القضية بلا حل.

ونقلت أيضًا عن دانيال شفامنتال، مدير معهد عبر الأطلسي التابع للجنة اليهودية الأميركية، قوله إن خدمات التعليم والصحة يمكن نقلها إلى جهات أخرى، مع اعتراضه على استمرار نظام أونروا الذي يمدد صفة اللاجئ إلى الأحفاد.

وتحفظ أونروا وتحدّث ملفات أسرية تخص نحو 5.9 مليون لاجئ فلسطيني و815 ألف شخص مسجل آخر، وتمتد هذه الملفات إلى خمسة أجيال، ضمن نظام معلومات تسجيل اللاجئين الذي أُدخل عام 2010 ويعمل عبر أكثر من 60 موقع تسجيل، إضافة إلى أرشيف تاريخي لوثائق اللجوء.

في 14 مايو 2026، نشرت الغارديان تحقيقًا عن عملية سرية استمرت 10 أشهر لإنقاذ أرشيف اللاجئين الفلسطينيين التابع لأونروا من غزة وشرق القدس . 

ونقلت عن المسؤول الكبير في الوكالة، روجر هيرن، أن تدمير الأرشيف كان سيحمل أثرًا “كارثيًا”، لأنه قد يضم الأدلة الوحيدة المتاحة لدى عائلات فلسطينية لإثبات جذورها في قرى وبلدات هجّرت منها عام 1948. 

ويعني ذلك أن أونروا بالنسبة للفلسطينيين، مؤسسة تتجاوز الوظائف الإنسانية اليومية إلى حفظ الذاكرة القانونية والاجتماعية للاجئين. 

يقول مدير الشؤون القانونية والسياسات في منظمة سكاي لاين الدولية لحقوق الإنسان محمد عماد: إن إغلاق أونروا يحد من عمل الوكالة الدولية في الحفاظ على سجلات اللاجئين، القضية التي لطالما سعت إسرائيل لتصفيتها.

وأردف لـ"الاستقلال" أن الخطوات الإسرائيلية تجاه الوكالة تسهّل سياسات التهويد وطمس الهوية الفلسطينية في الأراضي المحتلة، مؤكدا أن أونروا هي الشاهد الدولي الرئيس على استمرار قضية اللاجئين الفلسطينيين منذ النكبة عام 1948.

وهنا شدد على أن إغلاقها قد يُستخدم سياسيا لتقويض الشرعية القانونية لحق العودة، الذي يكفله القرار الأممي 194، عبر إنهاء "الوضع المؤقت" للاجئين ودمجهم في المجتمعات المضيفة.

ورأى الخبير القانوني أنه لا بدّ من تأكيد أن حق العودة لا يرتبط وجوديا بأونروا بل بقرارات الأمم المتحدة، لكن غياب هذه الوكالة قد يُضعف الآلية الدولية الداعمة لهذا الحق، ويقلل الضغط على إسرائيل للالتزام بالقانون الدولي، بحسب تقديره.

ماذا يتغير بغيابها؟

تتعامل أونروا في غزة مع مجتمع أغلبه من اللاجئين؛ إذ تتحدث بيانات الوكالة الخاصة بالقطاع عن نحو 2.4 مليون نسمة بينهم حوالي 1.6 مليون لاجئ فلسطيني.

وتصف أونروا عملها في غزة بأنه يتم عبر أكثر من 13 ألف موظف ضمن بنيتها المؤسسية. وقال القائم بأعمال المفوض العام في يونيو 2026: إن 11 ألف موظف من الوكالة في القطاع المحاصر يواصلون العمل.

في التعليم، كانت أونروا تدير قبل الحرب 183 مدرسة في غزة، وكان عدد الطلبة في مدارسها يراوح بين 290 ألفًا و294 ألف طالب في السنوات الدراسية الأخيرة. 

وخلال العدوان، تضررت أو دمرت قرابة 95 بالمئة من مدارس الوكالة في غزة، وتحولت المدارس إلى ملاجئ جماعية، مع استمرار التعليم عبر التعلم عن بعد ومساحات تعلم مؤقتة بدعم 7 آلاف معلم نازح.

في الصحة، كان لدى أونروا قبل العدوان 22 مركزًا أو عيادة صحية في غزة. وفي أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، بقيت 4 فقط من أصل 22 تعمل، إلى جانب 4 مراكز صحية مؤقتة. 

رغم ذلك، قالت الوكالة إنها قدمت منذ بداية العدوان وحتى أواخر يونيو 2026 أكثر من 18.7 مليون زيارة صحية، بينها 12.7 مليون استشارة طبية. وبينت أن المعدل الأسبوعي في يونيو 2026 بلغ 80 ألف استشارة يقدمها أكثر من 1300 عامل صحي.

في التطعيمات والرعاية الأولية، قالت أونروا في 2025 إنها أدارت نحو ثلث اللقاحات في غزة عبر فرق ثابتة ومتنقلة، وإن أكثر من 600 ألف لقاح أعطيت للأطفال حتى أكتوبر 2025 بين التطعيم الروتيني وحملات شلل الأطفال.

في الغذاء، وزعت أونروا عام 2024 قرابة 3 ملايين كيس دقيق بوزن 25 كيلوغرامًا. وبين 1 مارس و19 أبريل/نيسان 2025، وزعت نحو 270 ألف كيس دقيق وصلت إلى 88 ألف أسرة، أي أكثر من 700 ألف شخص. 

ثم أعلنت الوكالة نفاد الغذاء في نهاية أبريل 2025 بعد منع سلطات الاحتلال منذ مارس 2025 إدخال موظفي أونروا ومساعداتها مباشرة إلى غزة.

وفي الإيواء، كان لدى أونروا قبل العدوان 54 ملجأ طوارئ معتمدًا في غزة. وخلال الحرب، أصبحت مدارسها ومنشآتها عماد الإيواء الجماعي.

وقال تقريرها التشغيلي السنوي لعام 2025: إنها بقيت المشغل الرئيس للملاجئ الجماعية الثابتة في القطاع، ووصل تشغيلها إلى ما يصل إلى 120 ملجأ أو مرفقًا جماعيًا.

يمتد دور أونروا إلى المياه والنظافة والصرف، إذ تقدّر الوكالة أن نحو 1.7 مليون شخص استفادوا عام 2025 من خدماتها في توفير المياه وجمع النفايات الصلبة.

وبينت أنها وزعت 970 ألف متر مكعب من مياه الشرب والاستخدام المنزلي، وجمعت وتخلصت من 70 ألف طن من النفايات الصلبة. 

في قطاع مكتظ بالنازحين، تعني هذه الخدمات تشغيلًا يوميًا يحمي المخيمات ومراكز الإيواء من الأمراض والروائح والفيضانات والمياه الملوثة. وعند جمع هذه الوظائف، يتضح حجم الشبكة التي ستتأثر بأي إخراج لأونروا من غزة.

فالطالب نفسه قد يكون نازحًا في مدرسة تابعة للوكالة ويتلقى لقاحًا في نقطة صحية مرتبطة بها، وتحصل أسرته على دقيق أو مياه عبر منظومتها، ويحمل ملفًا عائليًا محفوظًا في نظام تسجيلها.

وتقدم الأمم المتحدة وأونروا هذا الترابط سببًا لرفض فكرة الاستبدال، ففي مؤتمر تعهدات يوليو 2024، قال غوتيريش: إن على الدول حماية الوكالة وموظفيها وولايتها بالتمويل. ووقعت 118 دولة بيانًا يؤكد أنها العمود الفقري للاستجابة الإنسانية في غزة، وأن منظمة أخرى لا تعوض قدرتها.

أما واشنطن فتقدم تصورًا مختلفًا للمرحلة الانتقالية، ففي بيان يناير 2026، قال البيت الأبيض: إن مجلس السلام سيشرف على كل شيء في القطاع المحاصر، لكنه لم يقدّم تفصيلًا عن مصير شبكة أونروا أو سجل اللاجئين أو موظفيها ومؤسساتها إذا جرى إخراجها من “غزة الجديدة”.

بهذا المعنى، يدور الأمر حول مسار قد يعيد تعريف الفلسطيني في غزة من لاجئ مسجل داخل وكالة أممية ذات تفويض تاريخي إلى مجرد مستفيد من خدمات معينة داخل منظومة انتقالية جديدة.