من الخيام.. كيف يعيش فلسطينيو غزة يوميات المونديال؟

"فقد اتحاد كرة القدم الفلسطيني 570 شهيدا من منتسبيه خلال الإبادة"
يتجمع آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة داخل استراحات أقيمت من خيام بالية، أو إلى جانب أنقاض منازلهم المدمرة، أو في شوارع غزة المنهكة بالدمار، أمام شاشات كبيرة لمتابعة مباريات كأس العالم.
وكانت هذه البطولة، قبل أن تجرد حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، غزة من ملامح حياتها المعتادة، مناسبة ينتظرها الشعب الفلسطيني في غزة وتجمعهم في أجواء خاصة واستثنائية.

استعادة شعور قديم
اليوم، وبعد حرب الإبادة التي غيرت ملامح القطاع، لم يعد لكأس العالم أجواؤه القديمة في غزة، بل تحول إلى محاولة يائسة لاستعادة شعور قديم بالحياة لجزء من الغزيين.
فيما ينشغل الجزء الأكبر منهم بأعباء حياة النزوح وظروفها القاهرة، حيث لا يمتلكون رفاهية الانشغال في متابعة المونديال.
ورغم الظروف الإنسانية القاهرة التي يعيشها سكان القطاع، لا يزال كثير من الغزيين يحاولون التمسك ببعض تفاصيل الحياة التي اعتادوا عليها قبل الحرب، ولو بشكل محدود ومختلف تماما عن السابق.
فبطولة كأس العالم التي كانت تمثل حدثا استثنائيا يجمع العائلات والأصدقاء والجيران في المقاهي والاستراحات وعلى شاطئ البحر، باتت اليوم ترتبط بمشاهد الخيام والركام والانقطاع المتواصل للكهرباء.
وفي السنوات الماضية، كانت أحياء غزة تتحول خلال المونديال إلى مساحات احتفال جماعية، ترفع فيها أعلام المنتخبات في الشوارع، وتزدحم المقاهي بالمشجعين حتى ساعات الفجر.
لكن الحرب الأخيرة غيرت كل شيء، وفرضت واقعا جديدا جعل حتى متابعة مباراة كرة قدم أمرا صعبا لمعظم النازحين في غزة.
"الاستقلال" زارت عددا من الاستراحات ومواقع مشاهدة مباريات كأس العالم في منطقة المواصي جنوب القطاع، لتعرف من النازحين كيف يعايشون هذه النسخة من المونديال في هذه الظروف التي خلفتها الحرب وحياة النزوح.
وفي إحدى الاستراحات في المواصي، يجلس عشرات الشبان أمام شاشة كبيرة تعمل عبر مولد كهربائي صغير، يتابعون مباراة أستراليا ومصر، - التي انتهت بفوز الأخيرة وتأهلها للدور المقبل- وسط انقطاع الكهرباء وضعف الإمكانيات.
ويقول الشاب مازن الرحال، مالك الاستراحة: إن هذا المونديال يفتقد للأجواء المعتادة والحقيقية التي اعتاد سكان قطاع غزة العيش فيها خلال البطولات السابقة، مؤكدا أن السبب بات معروفا للجميع في ظل تداعيات حرب الإبادة الجماعية التي دمرت مختلف معالم الحياة وأثقلت كاهل السكان بالهموم والمآسي.
وأضاف لـ"الاستقلال" أن الاهتمام بهذا المونديال أقل بكثير مقارنة بما كان عليه الحال في السابق، موضحا أن الحضور والمتابعة يتركزان غالبا خلال مباريات المنتخبات العربية التي لا تزال تحظى باهتمام واسع نسبيا بين السكان.
وأشار الرحال إلى أن الظروف الراهنة في قطاع غزة تحول دون تمكن كثير من السكان من متابعة معظم المباريات، في ظل الانقطاع الكامل للتيار الكهربائي، وعدم توفر الكهرباء إلا عبر المولدات التجارية البديلة التي تعمل لساعات محدودة يوميا، وغالبا لا تتزامن مع أوقات بث المباريات.
وأوضح أن بعض المباريات التي تبث فجرا أو في ساعات الصباح لا تتناسب أيضا مع ظروف السكان في القطاع، ما يقلل من فرص متابعتها، خاصة في ظل حالة الإرهاق اليومية التي يعيشها النازحون نتيجة الظروف الإنسانية الصعبة.
وأضاف أن كثيرا من الغزيين باتوا يلجؤون إلى متابعة المباريات عبر أثير الإذاعات الرياضية؛ حيث يكتفون بالاستماع إلى التعليق العربي دون مشاهدة اللقاءات، بسبب انقطاع الكهرباء أو عدم القدرة على تشغيل الشاشات.
وأكد الرحال أن هذا الواقع أفقد المباريات جزءا كبيرا من متعتها، إلا أن كثيرين ما زالوا يعتمدون هذه الوسيلة لمتابعة مباريات المنتخبات العربية وتشجيعها، على أمل أن تمنحهم بعض الانتصارات لحظات من الفرح وسط الواقع القاسي الذي يعيشونه.
وتابع: "نسبة المهتمين فعليا بمتابعة المونديال تراجعت بشكل كبير؛ لأن أولويات الناس تغيرت بالكامل. من يفكر يوميا في كيفية توفير رغيف الخبز أو المياه لعائلته، يصعب عليه السهر لمتابعة المباريات والتشجيع وكأن الحياة طبيعية".

متنفس مؤقت
ورغم المآسي اليومية التي يعيشها سكان غزة، لا تزال مباريات كأس العالم بالنسبة لبعض الشبان فرصة مؤقتة للهروب من ذكريات الحرب والحياة اليومية في النزوح، ومحاولة استعادة جزء من الإحساس بالحياة الطبيعية التي فقدوها منذ اندلاع الحرب.
الشاب أسامة لبدة، وهو أحد النازحين في منطقة المواصي جنوب قطاع غزة، يرى أن أجواء المونديال تمنح السكان متنفسا نفسيا نادرا وسط الضغط والخوف والمعاناة المستمرة.
وقال أسامة لبدة لـ"الاستقلال": "أجواء المونديال تمنحنا بعض الوقت للهروب من الواقع المرير الذي نعيشه في قطاع غزة، في ظل النزوح والحرب والاستهدافات اليومية، وقد تكون هذه الأجواء المتنفس الوحيد الذي يحمل شيئا من البهجة للسكان".
وأضاف أنه يشجع المنتخبات العربية إلى جانب منتخب البرازيل، ويتابع المباريات بحسب توفر الكهرباء والطاقة أو من خلال الاستراحات التي تقام داخل مناطق النزوح.
وتابع: "أحب منتخب الجزائر كثيرا، ولذلك سهرت حتى الرابعة فجرا لمتابعة مباراة الجزائر والأرجنتين رغم خسارة الجزائر، كما أشجع كافة المنتخبات العربية وأتمنى لها التوفيق".
ويصف لبدة الأجواء داخل منطقة المواصي خلال مباريات المنتخبات العربية، قائلا: إن المنطقة تشهد حالة من الترقب الجماعي، خاصة خلال المباريات الصباحية التي تتزامن مع استيقاظ السكان داخل الخيام.
وأضاف أن أي هدف يسجله منتخب عربي يقابل بصيحات فرح وهتافات تنطلق من الخيام في مختلف أنحاء المنطقة، في مشهد يفتقده النازحون منذ وقت طويل.
وقال الشاب: "في بعض اللحظات تشعر وكأن الناس نسيت الحرب ولو قليلا. تسمع الهتافات والتصفيق من كل مكان، وكأن الجميع يحاول التمسك بأي فرصة للفرح".
وأشار إلى أن أجواء الصيف القاسية داخل الخيام، مع شدة الحرارة وانتشار الحشرات والآفات، تجعل من متابعة المباريات فرصة نادرة لكسر الروتين القاسي الذي يعيشه السكان يوميا.
وأضاف: "مع كل فرصة تتاح لمتابعة المونديال، خاصة مباريات المنتخبات العربية، نحاول أن نصنع شيئا من الفرح ونتمسك ببصيص أمل. ونتمنى يوما أن نرى المنتخب الفلسطيني ينافس في كأس العالم، وأن يضم لاعبين من غزة عاشوا الحرب والمجاعة وكل هذه المعاناة".

ذكريات لا تنمحي
ولم تقتصر خسائر غزة على تبدل أجواء متابعة المونديال فقط، بل امتدت لتذكر بما نال القطاع الرياضي الفلسطيني بأكمله، بفعل جرائم الاحتلال، سواء على مستوى اللاعبين أو المنشآت الرياضية.
الشاب محمد الخالدي يستعيد بحزن تفاصيل المونديالات السابقة في غزة، حين كانت المباريات تتحول إلى مناسبات اجتماعية يلتقي خلالها الجيران والأصدقاء والعائلات في أجواء احتفالية تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل.
وقال لـ"الاستقلال": إن المونديال الحالي جاء في ظل أوضاع إنسانية صعبة للغاية، ولم يحمل معه أي ملامح للأجواء التي اعتاد عليها السكان في البطولات السابقة.
وأوضح الخالدي أنه لم يتمكن من متابعة سوى مباراة مصر وبلجيكا، من خلال استراحة بسيطة أقيمت داخل خيمة نزوح، مضيفا أن الأجواء كانت مختلفة تماما عن السنوات الماضية رغم شعورهم بالسعادة تجاه أداء المنتخب المصري.
ويستذكر كيف كانت أحياء غزة تتحول خلال المونديال إلى مساحات احتفال جماعية، قائلا: "كنا نجتمع منذ بداية البطولة ونزين الحي بأعلام المنتخبات التي نشجعها، ونجتمع مع الجيران لمشاهدة المباريات على شاطئ بحر غزة في منطقة السودانية".
وأضاف الشاب أن الشبان كانوا ينظمون مسابقات لتوقع نتائج المباريات، ومن ينجح في توقع النتيجة الصحيحة كان يعفى من دفع تكاليف مشاهدة المباراة داخل الاستراحة.
وتابع: "كانت الأجواء جميلة جدا، وكنا نوثق كل اللحظات بالتصوير والفيديوهات، وكان المونديال مناسبة للقاءات طويلة مع الأصدقاء والجيران"
لكن تلك الذكريات، بحسب الخالدي، أصبحت اليوم بعيدة وصعبة التكرار بعد الحرب وما خلفته من دمار وفقدان وتشرد.
وقال الخالدي: "اليوم كثير من الجيران بين شهيد ومفقود وجريح وأسير، كما فقدنا الكثير من الأقارب وأفراد العائلة، ودمر الحي بالكامل وتشرد السكان في مناطق مختلفة بسبب النزوح. عندما يفكر الإنسان قليلا يدرك أن تلك الأيام ربما أصبحت من الماضي".
ولا تتوقف آثار الحرب على الجانب الاجتماعي فقط، بل نالت القطاع الرياضي الفلسطيني بصورة غير مسبوقة.
فبحسب آخر الإحصاءات الصادرة عن المجلس الأعلى للشباب والرياضة، أدت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة إلى استشهاد 1015 رياضيا، من بينهم 45 سيدة، إضافة إلى 34 من العاملين في الاتحادات والمؤسسات الرياضية.
كما فقد اتحاد كرة القدم الفلسطيني 570 شهيدا من منتسبيه، فيما قدمت جمعية الكشافة والمرشدات أكثر من 125 شهيدا منذ بداية الحرب.
وتعرضت 265 منشأة رياضية في قطاع غزة لأضرار مباشرة، بينها 184 منشأة دمرت كليا، و81 تعرضت لأضرار جزئية متفاوتة.
وشملت الخسائر تدمير 23 ملعبا كبيرا، منها 19 ملعبا دمرت بالكامل و4 تعرضت لأضرار جزئية، إضافة إلى 35 صالة رياضية مغلقة، و58 مقرا إداريا للأندية الرياضية، و12 ملعبا ممولا من الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" دمرت بشكل كامل.
كما دمرت الحرب 3 مسابح تابعة للأندية الرياضية، و15 ملعبا لكرة السلة والطائرة والتنس، إلى جانب تضرر عشرات صالات كمال الأجسام ومنشآت الفروسية والملاعب الخماسية ومرافق التعليم الرياضي.
















