الشرطة الفرنسية تمارس "عنصرية مقننة" ضد العرب والأفارقة.. ما القصة؟

عالي عبداتي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

رغم أن فرنسا ترفع شعارَي المساواة والحرية، فإن واقعها يكشف باستمرار عن تناقضات تعرّي ممارسات تمييزية بين المواطنين، وتوظيف القانون لاستهداف الأفارقة والعرب، حتى ممن يحملون الجنسية الفرنسية.

فقد اتهمت منظمات حقوقية الشرطة الفرنسية باستخدام نظام الغرامات الجنائية الفورية لاستهداف الفتيان والشبان الذين يُنظر إليهم على أنهم سود أو عرب أو من أصول شمال إفريقية، الأمر الذي يزيد من حدة الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي في أحياء الطبقة العاملة.

وجاء ذلك في تقرير صدر في يونيو/حزيران 2026 عن كل من "هيومن رايتس ووتش" و"ريكليم" و"البيت المجتمعي من أجل التنمية التضامنية"؛ حيث أوضحت هذه المنظمات أن الشرطة تفرض غرامات فورية على مخالفات مزعومة مرتبطة بالإخلال بالنظام العام.

مثل إحداث الضوضاء، ورمي النفايات، والتصريف غير القانوني لسوائل غير صحية، بهدف مضايقة هؤلاء الشبان وإبعادهم عن الفضاءات العامة في أحيائهم، رغم أنهم كانوا يمارسون أنشطة عادية كالتحدث أمام منازلهم أو ممارسة الرياضة في الحدائق.

وبحسب التقرير، تُفرض هذه الغرامات استنادا إلى تقديرات شخصية من عناصر الشرطة، من دون رقابة قضائية، كما لا يحصل الأشخاص الذين تُفرض عليهم على الضمانات الأساسية المرتبطة بالمحاكمة العادلة.

وأشار التقرير إلى أن القانون يعدّ محاضر الحوادث التي يحررها عناصر الشرطة صحيحة ما لم يثبت العكس، في حين أن مسار الطعن في هذه الغرامات مليء بالعوائق، وغالبا ما تُرفض معظم الطعون المقدمة.

ووثقت المنظمات حالات تلقى فيها أطفال وشبان غرامات تراكمت لتصل إلى عشرات آلاف اليوروهات؛ حيث تراوحت بين 1600 يورو، أي نحو 1728 دولارا، و37 ألف يورو، أي نحو 40 ألف دولار، بينما أكد أخصائيون اجتماعيون أنهم يعرفون حالات بلغت فيها الغرامات 50 ألف يورو، أي نحو 54 ألف دولار.

ونقل التقرير عن عدد من الشبان أن هذه الديون أدت إلى اقتطاع أجزاء كبيرة من رواتبهم ومخصصات الضمان الاجتماعي، كما دفعت بعضهم إلى الاختيار بين دفع الغرامات أو تأمين تكاليف الغذاء والسكن، فضلا عن ترك العمل الرسمي أو إغلاق الحسابات المصرفية، والانسحاب من الحياة العامة خوفا من التعرض لغرامات جديدة.

لا رقابة ولا مساءلة

في هذا السياق، قالت مديرة مكتب فرنسا في "هيومن رايتس ووتش"، بينيديكت جانرو: إن "التنميط العرقي في فرنسا واسع الانتشار ومستمر، ومع ذلك مُنحت الشرطة صلاحيات جديدة تتيح لها مضايقة الشباب غير البيض دون أي رقابة أو مساءلة".

وشددت جانرو في منشور للمنظمة عبر موقعها الالكتروني في 17 يونيو 2026، أنه "ينبغي للسلطات الفرنسية أن تتخذ فورا الخطوات اللازمة لإنهاء التنميط العرقي، بدلا من توسيع صلاحيات الشرطة التي تُغرق الشباب في ديون قد تبلغ عشرات آلاف اليوروهات وقد تدمر حياتهم".

بدوره، قال أومير ماس كابيتولين، عن "البيت المجتمعي من أجل التنمية التضامنية": إن هذه الغرامات التعسفية فاقمت مضايقات الشرطة التمييزية التي تطرد الأطفال والشباب من الأماكن العامة عبر تجريمهم لمجرد وجودهم فيها.

وأردف، كما "تُعاملهم هذه الممارسات كـ "غير مرغوب فيهم" بدلا من مواطنين كاملي الحقوق، وتدفعهم نحو موت اجتماعي يهدد مستقبلهم، ويقوّض مشاركتهم في المجتمع، ويؤجج انعدام الثقة بالمؤسسات، ويدمر إحساسهم بالانتماء إلى المجتمع".

وسبق للمحاكم العليا في فرنسا ولجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري أن وجدت أن عمليات التفتيش التي تجريها الشرطة تستهدف بشكل غير متناسب الشباب من الأقليات العرقية في الأحياء ذات الدخل المنخفض.

ففي عام 2017، كشف مفوض حقوق الإنسان في فرنسا أن احتمالية قيام الشرطة بإيقاف وتفتيش الشباب السود والعرب تزيد عشرين ضعفا.

وفي عام 2025، ذكر أن عمليات التفتيش التمييزية ما تزال منتشرة على نطاق واسع، وأن عمليات الإيقاف والغرامات تشكل جزءا من "سياسة مؤسسية تهدف إلى إبعاد الفئات السكانية المصنفة على أنها "غير مرغوب فيها" عن الأماكن العامة".

وأظهر تقرير آخر صادر عن محكمة المدققين أن العديد من الغرامات شابتها أخطاء إجرائية وافتقرت إلى الرقابة المستقلة.

استبعاد العرب والسود

خلق التقرير المشترك تفاعلات عدة بفرنسا، ومنه ما صدر عن السياسية الاشتراكية الفرنسية كلمنتين أوتين، والتي أكدت في منشور عبر حسابها على فيسبوك في 19 يونيو 2026، أن التمييز بين المواطنين أمر غير مقبول.

وذكر أنه منذ عام 2012، سمح مرسوم لضباط الشرطة بفرض غرامات على الفور بسبب انتهاكات الأمن العام كالتنصت، وإلقاء النفايات، والبصق، مشيرة إلى أن هذه الجرائم سمحت للشرطة بالقيام بإدانة تعسفية لبعض المواطنين دون غيرهم.

وبعد أن انتقدت أوتين الكلفة المادية الكبيرة التي يدفعها المتضررون، قالت: إن ما يجري هو بمثابة "حكمٍ على الشباب بالإعدام الاجتماعي؛ إذ وجدوا أنفسهم عالقون من الفضاء العام في أحيائهم الخاصة".

وشددت على أنه من المُلِحّ تدريب الشرطة ضد العنصرية، ووقف القمع الجامح، وإجبار الشرطة على المساءلة الفعالة عن التمييز العنصري السائد، داعية إلى خلق علاقة سلمية بين الشرطة والسكان.

بدوره، أكد حساب "BLAST" الفرنسي في 20 يونيو 2026، أن الغرامات التمييزية تروم استبعاد الشباب العرب والسود من الأماكن العامة.

وشدد الأخصائي الاجتماعي عمر ماس كابيتولين، أن "ما يجري طريقة لأن تقول السلطات لهؤلاء المتضررين: أنتم لستم مواطنين كاملين، بل مواطنون من الدرجة الثانية، لذا تُعاملون بشكل مختلف عن الآخرين".

ووفق المصدر ذاته، ذكر كابيتولين أن تراكم هذه الغرامات يؤدي أحيانا إلى ديون تصل إلى عشرات آلاف اليورو، مما يُسبب ضائقة مالية هائلة للشباب المعنيين وعائلاتهم، ويحرمهم من الحياة الاجتماعية.

وخلص الأخصائي الاجتماعي الفرنسي إلى أن "ما يجري يؤكد أننا أمام نظام حقيقي للمضايقات العنصرية والإقصاء الاجتماعي".

معاملة غير متكافئة

على المستوى الرسمي، وفي رده على هذه التفاعلات، أكد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، رفضه واعتراضه على نتائج التقرير الصادر عن المنظمات غير الحكومية الثلاث، "بدحض" نتائج الدراسة.

وأكد نونيز وفق ما نقل موقع "ladepeche" الفرنسي في 18 يونيو 2026، أن التنميط العنصري "غير موجود" وأن الغرامات الثابتة "مرتبطة دائما بجريمة".

وشدد لوران نونيز على أن "الشرطة قوة جمهورية تقوم بمهمة الأمن والحفاظ على النظام" وأن "هؤلاء الشباب مثلنا، مواطنون فرنسيون".

هذا التمييز في الغرامات وفي تطبيق القانون بفرنسا ليس بجديد؛ إذ أكد تقرير صادر عن "المعهد الوطني للشباب والتعليم الشعبي"، أن حوالي ربع المهاجرين الشباب، أو أحفاد المهاجرين، أو المولودين في الخارج أبلغوا عن تعرضهم للتمييز على أساس لون البشرة أو الأصل أو الجنسية في السنوات الخمس الماضية.

وبحسب ما نقل موقع "فرانس24" في 26 فبراير 2026، ذكر التقرير أن المعاملة غير المتكافئة في المدرسة لأبناء المواطنين من أصول إفريقية أو عربية "غالبا ما تكون غير واعية" و"منهجية" جزئيا.

وأردف، "ويتضح ذلك من خلال نقص التنوع الاجتماعي في بعض المدارس، وخيارات التوجيه المهني، والتعليقات التي تحمل وصمة عار، والعنف الجسدي المرتبط مباشرة بأصول الطلاب".

ولمعالجة هذا "الفصل العنصري"، يوصي التقرير بجعل دورات التدريب التي تتناول "التحيزات العنصرية" إلزامية للمعلمين والموظفين، ويدعو إلى إعادة تقييم أساليب التعيين في المدارس الثانوية.

ولم يسلم التعليم العالي أيضا من ذلك، حيث أعرب التقرير، على سبيل المثال، عن أسفه لاستخدام المدرسة الثانوية الأصلية للطلاب المحتملين كمعيار ضمني (بسبب خوارزميات محلية) للقبول في بعض الدورات، لا سيما الدورات الأكثر انتقائية.

وينطبق الشيء نفسه على السكن، سواء كان ذلك من خلال اشتراط دفع وديعة لاستئجار شقة -وهو ما يشكل رادعا لأكثر الشباب تواضعا- أو من خلال رفض أصحاب العقارات للطلبات المقدمة من أشخاص يُنظر إليهم على أنهم أجانب أو يقيمون في أحياء ذات أولوية.

فيما يتعلق بالاندماج المهني، أشار التقرير إلى أنه وفقا لأحدث مقياس حول تصور التمييز في التوظيف الذي نُشر في ديسمبر/كانون الأول 2025، أفاد 41% من الشباب الذين يُنظر إليهم على أنهم سود أو عرب أو من شمال إفريقيا بتعرضهم للتمييز في بحثهم عن عمل على مدى السنوات الخمس الماضية، وكذلك 33% في تقدمهم الوظيفي، مقارنة بـ 18% و27% على التوالي من الشباب الذين يُنظر إليهم على أنهم بيض.

كما أكد المصدر ذاته ضرورة تنظيم ممارسات التحقق من الهوية التي تقوم بها الشرطة وتقييم فعالية هذه الفحوصات وتأثيرها على علاقاتها مع السكان.

حيث أظهر التقرير أن الشباب الذين يُنظر إليهم على أنهم من أصل أجنبي هم في الواقع أكثر عرضة للتفتيش بأربع مرات من بقية السكان، وأكثر عرضة للخضوع لتفتيش شامل (التفتيش، والتفتيش الجسدي، والاقتياد إلى مركز الشرطة، وأمر مغادرة المكان) بـ 12 مرة.

واسترسل، كما أنهم أكثر عُرضةً للتعرض لسلوك غير لائق من قبل سلطات إنفاذ القانون بمرتين (باستخدام صيغة "tu" غير الرسمية بشكل أساسي ولكن أيضًا الإهانات والاستفزازات والوحشية).

وخلص التقرير إلى أن "الاحترام الفعَّال للحقوق الأساسية هو شرط أساسي للتماسك الاجتماعي".

حرارة فاضحة

وخلال الفترة الحالية التي تمر منها فرنسا، والتي تشهد ارتفاعا كبيرا في درجة الحرارة، تحدثت تقارير فرنسية عن مظاهر جديدة للكراهية تستهدف العرب والمسلمين، لكن هذه المرة تحت غطاء الجدل الذي أثارته موجة الحر الاستثنائية التي تشهدها البلاد.

فقد رصد موقع "mediapart" في 30 مايو/آيار 2026، ما وصفه بانفلات الخلط العنصري خلال أسبوع من الحر الشديد؛ حيث تحول وجود شبان وشابات من أصول عربية وإفريقية في الفضاءات العامة بحثا عن أماكن للتبريد إلى مادة للتحريض السياسي والإعلامي.

وبحسب التقرير، بدأت الحملة بعد تداول مقاطع مصورة لمئات المصطافين القادمين من مدينة نانت إلى شاطئ لابول الساحلي؛ حيث أظهرت المشاهد شبانا وشابات يتدافعون للصعود إلى قطار العودة في نهاية يوم حار.

ورصد الموقع كيف استغلت شخصيات ومنابر إعلامية محسوبة على اليمين المتطرف مثل قناة سي نيوز وصحف مثل لوفيغارو وجي دي دي نزول المواطنين إلى الشواطئ وقنوات المياه للاستجمام، لربطهم فوريا بالانفلات الأمني وأحداث شغب ومشكلات أمنية وقعت في المنطقة.

ورأى المصدر ذاته أن هؤلاء الشباب، وهم من أصول مهاجرة، جرى تصويرهم على أنهم مصدر للفوضى، رغم عدم وجود أدلة تربطهم بالأحداث الأمنية التي جرى الحديث عنها، وهو ما عدّه الموقع مثالا على تحويل أزمة مناخية إلى مادة للسجال الهوياتي والعنصري.

ولم يقتصر الأمر على الشواطئ، فقد أثارت مقاطع لشبان يقفزون في قناة سان مارتان بباريس هربا من الحرارة سيلا من التعليقات العنصرية على مواقع التواصل الاجتماعي، تضمنت أوصافا مهينة وإشارات إلى أصولهم العرقية.

ويرى ناشطون وباحثون تحدثوا للموقع أن المشكلة الحقيقية لا تتعلق بالشبان الذين يبحثون عن الماء أو الظل، بل بما يسمونه "اللا مساواة المناخية".

وأكد المصدر ذاته أن "الأحياء الشعبية التي يقطنها غالبا أبناء المهاجرين تعاني نقص المساحات الخضراء وارتفاع درجات الحرارة داخل المباني السكنية، مما يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى الشواطئ أو المجاري المائية أو الأماكن العامة الأقل حرارة".

وأبرز أن النقاش العام يتجاهل الأسباب الاجتماعية والمناخية للمشكلة ويبحث دائما عن "مذنب". مشيرا إلى أن صور الشباب العرب أو السود في الأماكن العامة تُقرأ في كثير من الأحيان من زاوية أمنية أو هوياتية بدلا من النظر إليها بصفتها انعكاسا لواقع اجتماعي ومناخي متفاقم.

كما لفت التقرير إلى أن فتح بعض الأطفال لصنابير إطفاء الحرائق في ضواحي باريس للتخفيف من الحر قوبل بتغطيات إعلامية ركزت على "إهدار المياه" و"الإزعاج"، بينما غابت النقاشات المتعلقة بصعوبة الوصول إلى المسابح أو غياب المرافق المناسبة في الأحياء الفقيرة.