توتر في إيران بلغ حد التهديد بالقتل.. ما قصة جبهة “بايداري” ولماذا تريد الحرب؟

"ليتهم أغلقوا مطار مهرآباد للحيلولة دون ذهاب فريق التفاوض إلى سويسرا"
رغم أن إيران قدّمت خلال العدوان الأميركي الإسرائيلي عليه صورة متماسكة وموحّدة، إلا أن المشهد السياسي وتوازنات القوى داخل الدولة شهدت خلافات حادة وخطابات متصادمة خلال مسار التفاوض الذي انطلق بعد وقف إطلاق النار.
فقد شنّت ما تعرف بجبهة “بايداري” المحافظة المتشددة حملة إعلامية ضد حكومة بزشكيان ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، متهمة إياهما بمخالفة توجهات المرشد الجديد آية الله مجتبى خامنئي.
وتُعدّ جبهة بايداري، أو “جبهة استقرار الثورة الإسلامية”، من أكثر التيارات المحافظة تشددًا في إيران، وترفض بشكل قاطع أي تسوية مع الغرب، حتى إن بعض أعضائها أقدموا على إحراق نص الاتفاق النووي الموقع عام 2015 تحت قبة البرلمان، والذي كان يهدف إلى الحد من البرنامج النووي الإيراني.
في المقابل، نفى بزشكيان وقاليباف هذه الاتهامات، مؤكدين أن مجمل عملية التفاوض تمت وفق توجيهات خامنئي.
كما أن البيان الصادر عن خامنئي بشأن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة أثار حالة من الارتباك، ما عزز موقف جبهة بايداري.
وبعد تصعيد الجبهة لهجماتها ضد بزشكيان وقاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، أصدر خامنئي بيانًا إضافيًا لتوضيح بعض العبارات الغامضة في بيانه السابق.
وبشكل عام، تواصل جبهة بايداري ممارسة ضغط واسع داخل مؤسسات الدولة وعلى الرأي العام بهدف إلغاء الاتفاق أو منع تنفيذه فعليًا.
"لن نقبل"
بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير/ شباط 2026، خرجت الحشود الشعبية في جميع الميادين الإيرانية دعمًا لحكومة بلادهم ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
ومع استمرار المظاهرات بعد وقف إطلاق النار أيضا، بدأت جبهة بايداري في تنظيم مظاهرات مناهضة للمفاوضات والاتفاق المنبثق عنها في ميادين مختلفة بالعاصمة طهران.
كما استهدفت هذه المظاهرات قاليباف وبزشكيان وعراقجي في العديد من المدن، وعلى رأسها ميدان ابن سينا في طهران.
حيث ردد المتظاهرون في الميادين شعارات: "ارحل يا عراقجي، اترك البلاد وشأنها"، و"عار عليك يا قاليباف" و"ماذا سيكون مصير دم قائدنا؟"
وفي ساحة الثورة، التي تقام فيها أكبر المظاهرات الداعمة للحكومة، سيطرت بعض الرموز من أنصار جبهة بايداري على المنصة ورددوا هتافات: "الموت للمساوم" أو "الموت للمفاوض".
كما نشرت وكالة "ريكا نيوز"، المعبرة عن توجهات جبهة بايداري، ملصقا بعنوان: "لن نقبل"، وتضمن عبارات: "لا نقبل باتفاق يسمح للعدو بملء مستودعات النفط والسلاح ومهاجمتنا مجددا".
وبدأت المظاهرات المناهضة للمفاوضات والحكومة مع نشر هذا الملصق.

ويعد إبراهيم رضائي، أحد النواب الشباب في البرلمان الإيراني المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، من أبرز الأسماء في الحملة المناهضة للمفاوضات.
إذ استخدم رضائي وسائل التواصل الاجتماعي بشكل نشط لتحريض الرأي العام ضد الحكومة وفريق المفاوضات، متهما قاليباف وبزشكيان بالتسبب في اعتقاد الأميركيين أن إيران ضعيفة، فـ"موقفهما المتساهل في تقديم التنازلات على طاولة المفاوضات غيّر نظرة العدو لإيران، وتصوّر أنها ضعيفة ويمكن هزيمتها بسهولة"، حسب رضائي.

كذلك، كان النائب البرلماني محمود نبويان أحد أبرز الأسماء التي بذلت جهودًا من أجل ضمان استمرار الحرب والحيلولة دون التوصل لاتفاق.
فعبر التلفزيون الرسمي، كشف نبويان معلومات سرية نوقشت في المجلس الأعلى للأمن القومي، كما أنه حرض الرأي العام على التمرد ضد الحكومة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، قائلا: "عند النظر إلى نص مذكرة التفاهم، يجب علي أن أذكر أنها أكثر سوءا إذا ما قورنت بالمسودتين السابقتين، والتنازلات التي قدمتها إيران أكثر بكثير".
من بين الأسماء البارزة كذلك في تنظيم التظاهرات والتحريض ضد الحكومة كان النائب البرلماني أمير حسين ثابتي.
ونظرا لاشتهار ثابتي بآرائه المحافظة الراديكالية، بات أحد أبرز المتحدثين باسم جبهة بايداري ومنظميها.
وأعلن ثابتي المعروف بقربه من سعيد جليلي، ممثل مجتبى خامنئي في المجلس الأعلى للأمن القومي، أنهم سيقدمون مقترحًا إلى البرلمان بعزل عراقجي عن منصبه كوزير للخارجية.
حيث قال: "للتاريخ، نقدم مقترحًا بعزل عراقجي، وهو ما سيوضح أن هذا الاتفاق لا يحظى بقبول جميع النواب". وأضاف: "سيد قاليباف! نريد مصلحتك، ليتك لم تنخرط في مثل هذا الاتفاق".

رجال الدين وجبهة بايداري
رغم أن جبهة بايداري تأسست عام 2011، إلا أن معتقداتها أقدم من ذلك بكثير. ويعدّ آية الله مصباح يزدي، الذي توفي عام 2021، الزعيم الروحي لجبهة بايداري.
وعقب وفاة آية الله يزدي، خلَفه تلميذه محمد مهدي ميرباقري، كما يعد مجتبى خامنئي أحد تلاميذه أيضا.
ومع استمرار معارضة جبهة بايداري المناهضة للمفاوضات والاتفاق، كان السؤال الأكثر ترقبا هو طبيعة الموقف الذي سيتخذه محمد مهدي ميرباقري.
وبعد صمت طويل وترقب للمواقف المتباينة، أصدر ميرباقري، على غير المتوقع، بيانًا أكثر اعتدالًا، ويعزى ذلك إلى افتقار جبهة بايداري إلى الدعم العلني من الرأي العام ومجتبى خامنئي.
وكتب آية الله محمد مهدي ميرباقري: “اطمئنوا، فالمفاوضات الحالية لن تسير بشكل ضعيف. لستُ قلقا من وقوع كارثة. المرشد الأعلى (آية الله خامنئي) يُشرف على العملية، ويُصدر التحذيرات اللازمة، ويُسيطر على الوضع”.
وأوضح أن "أحد الاختلافات في بيئة المفاوضات اليوم هو أن فريق التفاوض يختلف عن الفرق السابقة. لذلك، لا أعتقد أن شيئا سيئا سيحدث في النهاية. قد لا تكون النتيجة مثالية، ولكن لا داعي للقلق المفرط من ضعف المُخرج. وعليه، لا داعي للقلق والتوتر، ولا تُثيروا القلق في المجتمع. يجب ألا تنقلوا القلق والتوتر إلى الناس. علينا الحفاظ على وحدتنا لتعزيز رأس المال الاجتماعي للثورة".
وأضاف: "بالطبع، يقع على عاتقنا واجب تقديم الدعم لتفعيل توجهات المرشد الأعلى وحماية الحدود التي وضعها. يجب أن تكون نظرتنا متفائلة وإيجابية، وفي الوقت نفسه، يجب علينا مراقبة الوضع بعناية لضمان تطبيق المبادئ التي وضعها قائدنا الجليل".

ويشغل العديد من خريجي حوزة حقاني التي أسسها آية الله مصباح يزدي في ستينيات القرن الماضي، مناصب مهمة في الحكومة.
ولذلك، يمكن القول: إن خريجي حوزة حقاني يتفقون مع جبهة بايداري ويشاركونها نفس الآراء، إلا أن مناصبهم الحكومية قد تحول أحيانًا دون قدرتهم على التعبير عن آرائهم بصراحة كما يفعل سياسيو جبهة بايداري.
ومن الشخصيات البارزة التي تشغل منصبًا رئيسا في الحكومة، وهو أحد التلاميذ المباشرين لآية الله مصباح يزدي، رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي.
وكسابقه، اتخذ رئيس السلطة القضائية -خلال فترة الانقسام الداخلي- موقفا أكثر اعتدالا، بما يقتضيه منصبه.
في الواقع، ليس متوقعا أن يتخذ غلام حسين محسني إجئي -الذي تقترب ولايته من الانتهاء- موقفا حاسما دون تلقي رسالة واضحة من خامنئي.
وكتب غلام حسين محسني إجئي: "نحن على يقين بأن السبيل الأمثل هو الطاعة المطلقة للمرشد الأعلى. يجب أن نعرف رأيه وما الذي ينال موافقته. من ذا الذي يثق بأميركا (عدونا المعلن)؟ كما قال المرشد الأعلى، اختار بعض المسؤولين -بحسن نية وإخلاص، وبناءً على تقييمهم لمصالح النظام وأسلوب مواجهة العدو الأميركي- طريق التفاوض. وهذا لا يعني أبدا الاستسلام لأميركا".
وتابع: "للأسف، يغفل بعض الأشخاص أحيانا ويطلقون كلمات تجعل العدو يغرق في الأوهام والخيالات؛ حيث يتصور أن هناك اختلافا وانقساما داخل البلاد. إن العدو وأعوانه يمرون بحالة من الضيق بسبب وحدة وتكامل الأمة الإيرانية ويبحثون عن طريق لزعزعة هذه الوحدة المقدسة. وفي بعض الأحيان، يتفوه بعض الأشخاص -عن غير قصد- بكلمات تُفرح العدو ويُساء استغلالها من قبله".
وأردف: "تحية، تحية مئات المرات، لمن يقولون: كلمة القائد هي فصل الخطاب، تحية لمن يتخلون عن آرائهم الشخصية، حتى وإن تعارضت مع رأي الولي الفقيه، ويتخذون رأيه مرشدًا لهم".

دور المداحين
للمداحين مكانة خاصة في الثقافة الإيرانية، وتهيئ الدولة الرأي العام في الكثير من مسائل السياسة الداخلية والخارجية عن طريقهم.
وقد شوهد كيف جرت تعبئة الشعب عن طريق المداحين بشأن الملفات التي انخرطت فيها إيران بعد الربيع العربي، لا سيما في الشأن السوري.
وعقب المراثي التي أنشدها المداحون بشأن سوريا والعلاقة بين صعود المذهب الشيعي وسوريا، انخرط كثير من الإيرانيين في الحرب السورية تحت لواء قيادة فيلق القدس التابع للحرس الثوري.
وفي هذا السياق التنافسي، من الطبيعي أن تسعى الأطراف المختلفة إلى كسب التأييد الشعبي عبر استخدام المداحين والمنشدين الداعمين لهم. لكن تهديد بعض مداحي جبهة بايداري لرئيس الجمهورية الإيراني مسعود بزشكيان بالقتل تسبب في ردود أفعال كبيرة.
وكان المداح رسول بخشي المقرب من جبهة بايداري قد صرح قائلا: "يا رئيس الجمهورية! إذا لم تنفذ الشروط التي وضعها القائد (خامنئي)؛ فإن سيفنا وحنجرتك سيلتقون وجها لوجه! سنقضي على حياتك".
قوبل هذا التهديد بانتقادات حادة من كثير من الإيرانيين، مطالبين رئيس السلطة القضائية باتخاذ التدابير اللازمة. وذكر بعض المعلقين أن دم شمر بن ذي الجوشن يجري في عروق رسول بخشي، وأنه لا يمكن أن يكون مداحا لآل البيت.
بدوره، علق السيد مهدي طباطبائي، نائب رئيس مكتب الاتصالات والإعلام برئاسة الجمهورية الإيرانية، على كلمات المداح، قائلا: "لقد هدد شخص وقح رئيس الجمهورية الشجاع والمضحي بالقتل. يجب على السلطات المختصة اتخاذ إجراءات حاسمة وقانونية ضد هذه العناصر المشبوهة التي تجرؤ على إهانة ثاني أعلى منصب في البلاد وقائد الأمة المنتخب بهذه الوقاحة".

وفي الجهة المقابلة، هاجم المداح حسين طاهري جبهة بايداري الراديكالية بكلمات حادة.
فوصف هذه الأفعال والتصرفات بأنها استفزاز ضد الجمهورية الإسلامية، مقدرا أن مرتكبيها لا يختلفون -بالنسبة له- عن رضا بهلوي.
دور التلفزيون الرسمي
في إيران، تخضع الإذاعة والتلفزيون لسيطرة الدولة. فبينما يُسمح للصحف والمجلات والمواقع الإخبارية الخاصة بالعمل، يبقى البث الإذاعي والتلفزيوني خاضعًا لسيطرة الدولة بشكل كامل.
يُدار البث التلفزيوني والإذاعي الرسمي في إيران من خلال مؤسسة "صدا وسيما"، التابعة مباشرةً للمرشد الأعلى.
وهذا يعني أن رؤساء وكبار المسؤولين التنفيذيين في المؤسسة يُعيّنون من قِبل مجتبى خامنئي شخصيا، كما عُيّن المسؤولون التنفيذيون الحاليون من قِبل والده، آية الله علي خامنئي.
وبدلا من التزام الحياد في الصراع الداخلي، بثّ التلفزيون الإيراني الرسمي عددا من المواد التي تدعم مواقف جبهة بايداري.
فمن خلال بثّ العديد من التقارير التي تنتقد رئيس البرلمان قاليباف، والرئيس بزشكيان، ووزير الخارجية عراقجي، دعم التلفزيون الرسمي حملة التشويه ضد الحكومة والمفاوضات، إضافة إلى استضافة سياسيين ورجال دين مقربين من جبهة بايداري في العديد من البرامج.
وقام التلفزيون الإيراني الرسمي -الذي قطع بث الرئيس بزشكيان ونشر بيان خامنئي مجتزءا بعد حذف بعض المقاطع الداعمة للحكومة- بحذف مقابلة مع رئيس البرلمان الإيراني قاليباف قبل أيام.
وقد احتجّ رئيس البرلمان الإيراني قاليباف على بث التلفزيون الرسمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال: "في أحد البرامج على التلفزيون الرسمي، رأيتهم يقولون: ليتهم أغلقوا مطار مهرآباد للحيلولة دون ذهاب فريق التفاوض إلى سويسرا. أقول لهؤلاء الأصدقاء الأعزاء: لو لم نذهب إلى سويسرا، لسُفكت دماء المسلمين والشيعة في لبنان بشكل أكبر في كل لحظة".

ومن الممكن القول: إن تلفزيون الدولة الرسمي يُوجه من قبل سعيد جليلي، أحد القادة البارزين لجبهة بايداري وممثل آية الله مجتبى خامنئي في المجلس الأعلى للأمن القومي.
ومن المعروف كذلك أن سعيد جليلي يدير أخبار وبرامج تلفزيون الدولة الرسمي عن طريق شقيقه وحيد جليلي، المسؤول رفيع المستوى في هيئة الإذاعة الإيرانية، والمقرب من جبهة بايداري.
رد حاد من بزشكيان
على الرغم من أن الرئيس الإيراني بزشكيان التزم الصمت في البداية تجاه الحملة المناهضة للمفاوضات، إلا أنه رد بحزم في نهاية المطاف.
وبعد اتهامه من قبل جبهة بايداري بالتحرك بشكل معاكس لآراء آية الله مجتبى خامنئي، أكد بزشكيان أنهم لم يتخذوا أي خطوات دون موافقة المرشد، وأنهم حصلوا على موافقته على جميع الخطوات التي اتخذوها.
وقال بزشكيان: "بعد مناقشات مكثفة، وبهدف اختبار مدى التزام الولايات المتحدة باحترام حقوق الشعب الإيراني، توصل معظم أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي إلى إجماع على مذكرة التفاهم. وكان لتوجيهات المرشد الأعلى (مجتبى خامنئي) الدور الأكبر في إدراج بنود تحمي المصالح الوطنية الإيرانية في النص؛ ونحن ممتنون له.
وأضاف: "يمثل هذا النص المتفق عليه خطوة مهمة نحو وقف الحرب وبدء المفاوضات، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بعد. وقد استعدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية لجميع الخيارات؛ وينصب تركيز الحكومة على خدمة الشعب بأمانة، سواء تم التوصل إلى اتفاق أم لا. وقد تعلم الشعب الإيراني من إمامه الشهيد (علي خامنئي) ألا يستسلم للإذلال".

كما كان توبيخ بزشكيان لممثل مقر خاتم الأنبياء، المقر الرئيس للحرب، بسبب انتقاداته للحكومة، دليلا على أن الحكومة لن تصمت أمام هجمات جبهة بايداري وأنصارها.
وفي بيان صدر في 21 يونيو/ حزيران، أوضح الرئيس الإيراني موقفه قائلا: "لولا دعمنا، لما استطاع المقاتلون القتال؛ لقد زودنا القوات الجوية التابعة للحرس الثوري بعشرين مليون برميل من النفط الحكومي. أتظنون أن القوات المسلحة قاتلت بمفردها؟ لقد وضعنا احتياطياتنا من العملات الأجنبية تحت تصرف القوات المسلحة".
وأفاد مصدر مطلع في إيران بأن الرئيس الإيراني تحدث مع القائد العام للحرس الثوري، أحمد وحيدي، حول هجمات جبهة بايداري، قائلا: "أوقفوهم"، فأجابه وحيدي: "إنهم لا يستمعون إلينا أيضا".
رسالة خامنئي
أثارت تصريحات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بشأن مذكرة التفاهم حالة من الارتباك. واستغلت جبهة بايداري تصريحات مجتبى خامنئي كسلاح ضد الحكومة.
وتضمن بيان خامنئي ما يلي: "كما تعلمون، تم توقيع مذكرة تفاهم بين رئيسي إيران والولايات المتحدة. وقد بذل المسؤولون المعنيون جهودًا جبارة بصدق وإخلاص للوصول إلى هذه المرحلة؛ ولا شك أن الرئيس الأميركي، بدافع اليأس، قد لجأ إلى كل وسائل الضغط لتحقيق ذلك".
وأضاف: "كان لي رأي مختلف من حيث المبدأ؛ إلا أنني وافقت على ذلك لأن الرئيس، بصفته رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، قد تعهد شخصيا -بالأصالة عن نفسه والنيابة عن الأعضاء الآخرين- بالالتزام بحماية حقوق الشعب الإيراني وجبهة المقاومة. كما أوضح جليا أنهم لن يستجيبوا للمطالب المفرطة من الجانب الأميركي".
وتابع: "من الآن فصاعدًا، سننتظر -أنتم أيها الشعب الكريم، والخادم المتواضع (يقصد نفسه)- تحقيق الشروط المذكورة. ومع ذلك، من المؤكد أن اللقاءات المباشرة المقبلة لن تعني قبول وجهة نظر العدو".
استغلت جبهة بايداري عبارة خامنئي "كان لي رأي مختلف من حيث المبدأ"، كسلاح بيد جبهة بايداري. وصرح الرئيس بزشكيان، في بيانه، بأن تصريح القائد الأعلى يدعم مذكرة التفاهم. وعقب الجدل الذي أثاره هذا التصريح، أصدر مجتبى خامنئي بيانا جديدا على قناته الرسمية على تطبيق تيليجرام، عدّل فيه كلامه لدحض مزاعم جبهة بايداري.
في الواقع، يتشابه تصريح خامنئي "كان لي رأي مختلف من حيث المبدأ"، مع تصريح آية الله الخميني بعد اتفاق إنهاء الحرب الإيرانية العراقية.
فحينها، صرح آية الله الخميني، فيما يتعلق بالقرار 598 الذي أنهى الحرب الإيرانية العراقية، قائلا: "حتى قبل أيام قليلة، كنت أؤمن بنفس أسلوب الدفاع والمواقف المعلنة في الحرب، وكنت أرى أن تنفيذه يصب في مصلحة النظام والبلاد والثورة؛ ومع ذلك، وبعد الأخذ في الحسبان آراء جميع كبار الخبراء السياسيين والعسكريين في البلاد، وافقت على القرار ووقف إطلاق النار".
بالعموم، يُشكل تعزيز جبهة بايداري التي تحمل آراءً محافظة متطرفة وطائفية، داخل الإدارة الإيرانية خطرا على إيران والمنطقة على حد سواء. بالفعل يدرك جزء من الإدارة الإيرانية هذا الخطر، لكن الأهم هو إدراك الحرس الثوري والمرشد الأعلى مجتبى خامنئي لهذا الخطر الذي تُشكّله جبهة بايداري على الجمهورية الإسلامية والمنطقة.
بدأ مسؤولو الدولة المقربون من قاليباف والجناح الإصلاحي في إيران ينظرون إلى جبهة بايداري، التي حرضت الشعب الإيراني على الثورة عبر استغلال المشاكل الاقتصادية فور إعلان وقف إطلاق النار، باعتبارها تهديدا للأمن القومي.
من جهة أخرى، إذا فتح آية الله مجتبى خامنئي الطريق أمام هذا الجناح الراديكالي بدلا من منعه، وفي حال آل هذا التنافس إلى ترجيح كفة جبهة بايداري داخل الجمهورية الإسلامية، فقد يؤدي ذلك إلى عودة إيران إلى المنطقة بأسلوب أكثر حدة وقسوة.
وفي مثل هذه الحالة، قد تنتهج إيران سياسة راديكالية في دول الخليج ودول إقليمية أخرى، مرتكزة على القومية الإيرانية والطائفية. ويبدو أن دول المنطقة تدرك هذا الوضع.
في إيران، خاصة المقربين من قاليباف، يعتقدون أن تحركات جبهة بايداري تصب في مصلحة إسرائيل والولايات المتحدة. وقد أخبرني مصدر مقرب من رئيس البرلمان الإيراني أن عملية ضد جبهة بايداري قد تبدأ بعد عودة الأوضاع إلى طبيعتها في إيران.

















