بعد خفض الأسعار.. لماذا اختنقت محطات الوقود في سوريا؟

مصعب المجبل | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تُعد أزمة المشتقات النفطية في سوريا نتاج تداخل عدة عوامل، في مقدمتها ضعف الإنتاج المحلي، وغياب المخزون الإستراتيجي، نتيجة الأضرار الكبيرة التي لحقت بقطاع الطاقة خلال العقد الأخير.

وفي بلد لا يزال إنتاجه المحلي من النفط أقل بكثير من حجم الطلب؛ فإن حدوث أزمة محروقات يُعد أمرا متوقعا، لا سيما بعدما شهدت محطات توزيع الوقود في معظم المحافظات السورية، منذ نهاية يونيو/حزيران 2026، حالة من الازدحام والضغط.

أزمة محروقات

وعزت الشركة السورية للبترول حالة الاختناق تلك إلى عدم وجود نقص في توفر المواد البترولية، وإنما إلى إحجام عدد من أصحاب محطات الوقود عن سحب الطلبيات وتصريف مخزونهم، تزامنا مع قرار وزارة الطاقة خفض أسعار المشتقات النفطية.

وجرى تداول شائعات عن تخفيضات كبيرة في أسعار المحروقات، ما دفع بعض أصحاب المحطات إلى التريث في سحب الطلبيات والإبقاء على مخزونهم.

وأكدت الشركة السورية للبترول عدم وجود أي نقص في التوريدات، مشيرة إلى أن المواد البترولية تدخل البلاد بصورة منتظمة، فيما تستمر عمليات تزويد المحطات بوتيرة مرتفعة.

وكانت اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية عقدت، في 27 يونيو/حزيران 2026، اجتماعا استثنائيا لمراجعة ودراسة أسعار المواد البترولية في ضوء المعطيات الحالية، بحسب ما نقلته قناة “الإخبارية السورية” التي أوضحت أن اللجنة أقرت توصياتها عقب مناقشتها والتصويت عليها من قبل الأعضاء، وفق الآلية المعتمدة في اجتماعاتها.

وبحسب القناة، رفعت اللجنة توصياتها إلى وزير الطاقة للاطلاع عليها واتخاذ القرار المناسب بشأنها، سواء بإقرارها أو إجراء ما يراه مناسبا وفق مقتضيات المصلحة العامة.

وتبقى التسعيرة الرسمية الصادرة عن الشركة السورية للبترول المرجع المعتمد لمحطات توزيع المحروقات.

وعقب ذلك، أقر وزير الطاقة محمد البشير توصيات اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، والتي تضمنت تخفيضا في أسعار المحروقات تراوح بين أكثر من 14 و20 بالمئة.

وأمام ذلك، رأت بعض محطات الوقود أن التسعيرة الجديدة المخفضة ستتسبب لها بخسائر في المخزون الذي اشترته قبل صدور القرار، ما أدى إلى حدوث حالة اختناق مؤقتة.

وتضمنت نشرة الأسعار الجديدة تخفيض سعر ليتر بنزين أوكتان (95) بنسبة 20.39 بالمئة، ليصبح 130 ليرة جديدة بدلا من 163 ليرة، وتخفيض سعر ليتر بنزين أوكتان (90) بنسبة 19.97 بالمئة، ليصبح 125 ليرة جديدة بدلا من 156 ليرة.

كما شمل التخفيض سعر لتر الديزل بنسبة 14.37 بالمئة، ليصبح 107 ليرات جديدة بدلا من 125 ليرة، إضافة إلى تخفيض سعر أسطوانة الغاز المنزلية بنسبة 15.49 بالمئة، لتصبح 1500 ليرة جديدة بدلا من 1775 ليرة، وسعر أسطوانة الغاز الصناعية بالنسبة نفسها، لتصبح 2400 ليرة جديدة بدلا من 2840 ليرة.

ويواجه قطاع الطاقة في سوريا كلفة مرتفعة لإعادة التأهيل، في ظل التدهور الواسع الذي أصاب الحقول النفطية والبنى التحتية المرتبطة بها، نتيجة سنوات من التشغيل غير المنهجي.

وبحسب تقديرات وزارة الطاقة السورية، تحتاج البلاد إلى نحو 200 ألف برميل نفط يوميا لتلبية احتياجاتها، في حين لا يتجاوز الإنتاج الحالي 80 ألف برميل يوميا، وهو رقم وصفته الوزارة بأنه غير دقيق حتى الآن، في ظل غياب تقييم فني شامل للواقع الإنتاجي.

وتوجد في سوريا مصفاتا نفط حكوميتان، هما مصفاة بانياس في محافظة طرطوس الساحلية على البحر المتوسط التي تأسست عام 1974، ومصفاة حمص وسط البلاد التي تأسست عام 1959.

وتعد مصفاة بانياس الأكبر من حيث الطاقة الإنتاجية؛ إذ تبلغ قدرتها 130 ألف برميل يوميا، مقابل 110 آلاف برميل يوميا لمصفاة حمص.

نقص المخزون الإستراتيجي

وباتت جميع حقول النفط والغاز تحت سيطرة الحكومة السورية، بعدما تسلمت الشركة السورية للبترول الحقول التي كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في شمال شرقي البلاد. وتتولى شركة "إتش كي إن إنرجي" الأميركية إدارة وتشغيل هذه الحقول، وفق ما أوضحه نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي في تصريح صحفي منتصف يونيو/حزيران 2026.

إلا أن استقرار سوق المحروقات في سوريا يبقى مرتبطا بأسعار النفط في الأسواق العالمية، التي تشكل أحد العناصر الرئيسة المؤثرة في عملية التسعير.

وليس هذا العامل الوحيد، إذ تؤخذ في الحسبان أيضا تكاليف الاستيراد أو الإنتاج، إلى جانب المتغيرات الاقتصادية المحلية.

ومع ذلك، فإن ارتفاع كلفة استيراد النفط، وتقلب الأسعار العالمية، ومحدودية الإنتاج المحلي، كلها عوامل تحمل خزينة الدولة أعباء مالية متزايدة شهريا؛ إذ أشارت وزارة الطاقة في مايو/أيار 2026 إلى أن الخسائر في ملف دعم المشتقات النفطية تجاوزت 219 مليون دولار.

ولهذا، فإن أي تغير في أسعار المحروقات في سوريا ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، والإنتاج، والصناعة، ومستويات الأسعار.

وفي هذا السياق، أوضح الباحث الاقتصادي رضوان الدبس، في حديثه لـ"الاستقلال"، أنه إذا أردنا فهم أسباب الاضطراب الذي يشهده سوق المشتقات النفطية في سوريا، فمن المهم التأكيد منذ البداية أن ما يحدث ليس نتيجة عامل واحد، وإنما هو حصيلة مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والتجارية واللوجستية التي تداخلت معا وأنتجت هذا الواقع.

وأضاف الدبس أن "سوريا تعاني من محدودية القدرة التكريرية للمصافي النفطية، فالمصافي العاملة اليوم لا تؤمن سوى نحو نصف احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية، وربما أقل من ذلك في بعض الفترات".

وأردف: "كما أن هذه المصافي قديمة من حيث التجهيزات، ولم تخضع لأعمال الصيانة والتحديث المطلوبة منذ سنوات طويلة، ما أدى إلى انخفاض كفاءتها التشغيلية وقدرتها الإنتاجية".

وأشار الدبس إلى أن الحالة النفسية للمواطن تلعب، على المستوى الاجتماعي، دورا إضافيا في تعقيد أزمة المحروقات.

وأضاف: "عند انتشار أي أخبار عن احتمال نقص البنزين أو المازوت أو الغاز، يتجه كثير من المواطنين إلى شراء كميات تفوق احتياجاتهم الفعلية وتخزينها، بدافع الخوف من الانقطاع. وهذا السلوك، رغم أنه مفهوم في ظل التجارب السابقة، يؤدي إلى زيادة الطلب بصورة مفاجئة، ويضاعف الضغط على السوق".

وتابع: "لا يقل الجانب الإداري أهمية عن بقية العوامل، إذ إن إدارة الأزمات تتطلب سرعة في اتخاذ القرار، ووضوحا في آليات التوزيع، وكفاءة في التخطيط. وأي ضعف في هذه الجوانب قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة، حتى وإن كانت الكميات المتوافرة قادرة على تغطية جزء كبير من الاحتياجات".

واستدرك قائلا: "لا يمكن تجاهل دور السوق السوداء وتجار الأزمات الذين يستغلون أي نقص أو اضطراب في الإمدادات لاحتكار المواد ورفع أسعارها، بما يفاقم معاناة المواطنين ويزيد من اختلالات السوق".

ويذكر أنه خلال يناير/كانون الثاني 2026، استقبلت سوريا 1.6 مليون برميل من النفط الخام الروسي على شحنتين، بحسب بيانات حصلت عليها منصة الطاقة المتخصصة، ومقرها واشنطن، وهو ما جعل موسكو المزود الرئيس لدمشق بالنفط الخام بعد تحرير البلاد.

دعم قطاع الطاقة

وتسعى سوريا التي تطمح إلى رفع إنتاجها إلى مليون برميل يوميا بحلول عام 2030، إلى توسيع آفاق التعاون مع كبرى الشركات العالمية، والاستفادة من الخبرات والتقنيات الحديثة في مجالات الاستكشاف والإنتاج، بما يسهم في دعم قطاع الطاقة وتعزيز فرص الاستثمار والتنمية الاقتصادية في البلاد، التي أنهكتها سنوات الحرب منذ عام 2011.

وفي إطار مساعي دمشق لجذب الاستثمارات الدولية بهدف تطوير قطاع الطاقة وتحسين الإنتاج، وقعت الشركة السورية للبترول، منتصف يونيو/حزيران 2026، عقدا مع شركتي "كونوكو فيليبس" و"نوفاتيرا" الأمريكيتين لتطوير قطاع الغاز.

وخلال مشاركته في المنتدى العالمي للطاقة في واشنطن، قال الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي: إن هذا العقد "سيكون الأكبر الذي نوقعه".

ومنذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وقعت دمشق مذكرات تفاهم مع عدد من الشركات الدولية، من بينها شركتا "شيفرون" و"إتش كي إن إنرجي" الأميركيتان، التي باشرت إدارة وتشغيل حقول النفط التي تسلمتها الحكومة من قوات "قسد" في شمال شرقي البلاد.

كما أجرى وزير الطاقة السوري محمد البشير، خلال زيارته إلى واشنطن في يونيو/حزيران 2026، مباحثات موسعة بشأن آفاق الاستثمار في قطاع الطاقة والبنية التحتية في سوريا، والشراكات الممكنة مع القطاع الخاص الأميركي.

وسبق للشركة السورية للبترول أن وقعت مذكرات تفاهم مع عدد من الشركات العربية والدولية، أبرزها في فبراير/شباط 2026 مع شركتي "شيفرون" الأمريكية العملاقة للطاقة و"باور إنترناشونال القابضة" القطرية، بهدف دعم مسارات الاستكشاف البحري والتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية.

وفي هذا الصدد، يؤكد الدبس أن "الاعتماد على الاستيراد أصبح ضرورة لا خيارا، إلا أن الاستيراد بدوره يواجه تحديين رئيسين. الأول يتمثل في صعوبة تأمين القطع الأجنبي اللازم لتمويل عمليات الشراء، في ظل الضغوط الاقتصادية التي تعانيها البلاد".

أما التحدي الثاني، وفق الدبس، "فيتعلق باضطراب سلاسل التوريد العالمية نتيجة التوترات التي تشهدها ممرات الملاحة الدولية، ولا سيما في مضيق هرمز ومضيق باب المندب، إضافة إلى تأثير العقوبات الاقتصادية، وهو ما أدى إلى تأخر وصول الشحنات وعدم انتظامها".

ونوَّه الدبس إلى أنه "في الوقت نفسه، ما يزال الإنتاج المحلي من الحقول النفطية محدودا وغير مستقر، بسبب الظروف التي مرت بها مناطق الإنتاج خلال السنوات الماضية، وهو ما انعكس سلبا على كميات النفط المتاحة للتكرير أو للاستهلاك المباشر".

وأشار إلى أن "سوريا تفتقر إلى مخزون نفطي إستراتيجي قادر على امتصاص الصدمات المؤقتة. ففي معظم دول العالم يوجد احتياطي يكفي لعدة أشهر، أما في الحالة السورية، فإن ضعف الإنتاج، وقلة الواردات، ومحدودية الموارد المالية، كلها عوامل حالت دون بناء مخزون يوفر هامش أمان عند تأخر الإمدادات".

وأكد الدبس أن "سوريا لا تعتمد فقط على استيراد النفط الخام، بل تحتاج كذلك إلى استيراد جزء من المشتقات النفطية الجاهزة، بسبب محدودية الطاقة التكريرية المحلية، وهو ما يزيد من حجم الاعتماد على الأسواق الخارجية".