بعد أن نجحت في كسر الأمر الواقع.. 3 "كنوز خفية" ترجح كفة إيران بالمفاوضات

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

يقول موقع “الدبلوماسية الإيرانية: ”إن مسار المفاوضات الإيرانية مع القوى الكبرى على امتداد قرنين اتسم بإبرام طهران اتفاقات لم تكن نابعة من إرادتها، وإنما فرضتها موازين القوى الدولية.

"فمنذ معاهدة تركمانجاي عام 1828 وحتى الاتفاق النووي عام 2015، وجدت إيران نفسها في موقع الطرف الذي يقبل بتقديم تنازلات من أجل البقاء، من دون أن يحصل على الضمانات التي وُعد بها".

مع ذلك، يرى الموقع أن "المشهد الحالي يختلف جذريا عن تلك المرحلة، إذ تجلس إيران، للمرة الأولى في تاريخها الحديث، إلى طاولة المفاوضات من موقع "القوة الأساسية"، لا من موقع الساعي إلى اتفاق بأي ثمن".

وبحسبه، "أصبحت طهران اليوم قادرة على فرض شروطها المسبقة، وتحديد الأطر الزمنية للمفاوضات، كما أن رفضها لأي تفاهم بات يحمل تداعيات استراتيجية على النظام الدولي لا تقل أهمية عن قبولها به".

وانطلاقا من هذا التصور، يجادل الموقع بأن "إيران حققت مكاسب استراتيجية حتى في حال عدم التوصل إلى اتفاق نهائي، لأن موازين القوة التقليدية شهدت تحولا جذريا، وانقلبت الأدوار، بينما أصبحت ثلاثة عناصر رئيسة، هي الوقت والاستقرار والثقة، تصب في مصلحة إيران".

“اتفاقات مفروضة”

ولفهم طبيعة هذا التحول، يعود الموقع إلى ما يصفه بالإرث التاريخي لـ"الاتفاقات المفروضة" على إيران خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

وقال: "أرست معاهدة تركمانجاي، التي أبرمت عقب الحروب الروسية الفارسية عام 1828، نموذجا قائما على فرض إرادة القوى الكبرى على إيران، بعدما اضطرتها إلى التنازل عن أراض في القوقاز، وقبول الهزيمة، ودفع تعويضات مالية باهظة".

ووفق تقديره، " لم تقتصر آثار تلك المعاهدة على الجانب العسكري، بل امتدت إلى البعد النفسي، إذ رسخت لدى الإيرانيين قناعة بأن مواجهة القوى الكبرى لا تترك أمامهم سوى خيار تقديم التنازلات للحفاظ على الدولة".

وأضاف: "استمر هذا النمط حتى الحرب المفروضة (الحرب الإيرانية العراقية) التي دامت ثماني سنوات".

ورغم قوله أن إيران "خرجت منها من دون أن تخسر أي جزء من أراضيها، ولم تدفع تعويضات للطرف الآخر"، فإن الولايات المتحدة، بحسب الموقع، "لم تكن ترغب في انتصار أي من الجانبين، بل سعت إلى استنزاف القوتين الإقليميتين بصورة متوازنة، بما يمنع أيا منهما من التحول إلى قوة مهيمنة".

ووفقا له، "اتجهت إيران بعد انتهاء الحرب إلى تبني مسار مختلف، يقوم على تعزيز عناصر قوتها وتوسيع أدوات نفوذها، بدلا من القبول بدور (الطرف المقيد)".

وفي السياق ذاته، يرى الموقع أن "الاتفاق النووي لعام 2015 لم يخرج عن هذا النموذج، فرغم تقديمه باعتباره اتفاقا يحقق مكاسب لجميع الأطراف، فإنه تعامل مع البرنامج النووي الإيراني بوصفه أزمة دولية ينبغي للقوى الكبرى إدارتها".

وتابع: "وافقت إيران آنذاك على تقييد أجزاء أساسية من برنامجها النووي مقابل وعود برفع العقوبات".

لكنها، بحسب الموقع، "أوفت بالتزاماتها، في حين لم تحصل على ما وُعدت به، إذ لم ترفع العقوبات، بل واجهت لاحقا ضغوطا إضافية من خلال آليات الاتفاق نفسه".

ومن هنا، خلص الموقع إلى أن "هذه التجربة أفضت إلى استخلاص درس استراتيجي مفاده أن أي اتفاق يندرج ضمن منطق "إدارة الأزمات" لن يكون سوى تمهيد لاتفاق جديد يتطلب تقديم تنازلات إضافية، وهو ما دفع إيران إلى إعادة النظر في هذا النهج".

ويقدر الموقع الفارسي أن ما يسميه "الحرب المفروضة الثالثة"، في إشارة إلى المواجهة التي خاضتها إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل ومحور المقاومة، "شكل نقطة تحول أنهت النموذج التقليدي للعلاقة مع الغرب".

وقال: "بدأت الحرب التي استمرت أربعين يوما، بضربات مفاجئة استهدفت القيادة الإيرانية، إلا أن طهران تمكنت من الرد بسرعة، إذ استهدفت خلال أقل من ساعة القواعد الأميركية في الدول العربية والأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما حال دون تحقيق خصومها أهدافهم".

وأضاف أن "اللحظة المفصلية جاءت مع إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز، ومنع مرور السفن من دون دفع رسوم، إلى جانب حظر عبور السفن التابعة للدول المشاركة في الهجوم".

الأمر الذي أدى، وفقا للتقرير، إلى "ارتفاع أسعار النفط إلى قرابة 150 دولارا للبرميل، ووضع الاقتصاد العالمي أمام ضغوط غير مسبوقة".

وأردف: "وفي نهاية المطاف، وافقت الولايات المتحدة على الشروط الإيرانية لوقف إطلاق النار، غير أن التوتر لم ينته، إذ فرضت واشنطن حصارا بحريا في خليج عمان مع انطلاق أولى جولات المحادثات، بينما واصلت إسرائيل خرق وقف إطلاق النار، وشنت هجمات على لبنان، كما أخفقت الولايات المتحدة في محاولات متكررة عبور مضيق هرمز".

وفي ختام هذا المحور، يعتقد الموقع أن "نتائج الحرب جاءت على عكس ما كان يطمح إليه مخططوها، إذ لم تؤد إلى إضعاف إيران، بل كشفت عن حجم قدراتها الاستراتيجية، بعدما أثبتت قدرتها على تغيير موازين القوى خلال فترة وجيزة، من دون الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة".

وعليه، يشدد أن الجمهورية الإسلامية "لم تعد تتعامل مع الأزمات من موقع الدولة الساعية إلى احتوائها، وإنما من موقع القوة القادرة على فرض معادلات جديدة، وهو ما يعد تحولا جذريا في طبيعة الأدوار الإقليمية".

بالغ الصعوبة 

انطلاقا من تلك الرؤية، يرى الموقع أن "الاعتبارات الاستراتيجية تجعل التوصل إلى اتفاق نهائي بين إيران والولايات المتحدة أمرا بالغ الصعوبة، إذ يرى أن واشنطن وإسرائيل لا تستطيعان القبول بتكريس إيران بوصفها قوة إقليمية مؤثرة".

ويستدل الموقع على ذلك بما يصفه بسلوك الطرفين عقب وقف إطلاق النار في "الحرب المفروضة الثالثة"، مشيرا إلى أن "الولايات المتحدة فرضت حصارا بحريا في خليج عمان مع انطلاق المفاوضات، بينما واصلت إسرائيل انتهاك وقف إطلاق النار وشن عمليات عسكرية في لبنان، في حين أخفقت واشنطن في محاولات متكررة لعبور مضيق هرمز".

ويقدر الموقع أن "هذه التحركات تعكس سعي الولايات المتحدة وحلفائها إلى استغلال أي فرصة لإضعاف الجبهة الداخلية الإيرانية، أو تنفيذ عمليات تستهدف القدرات الإيرانية، أو تحييد البرنامج النووي".

وفي هذا السياق، يطرح الموقع "تساؤلا بشأن ما إذا كانت إيران قد توافق، في حال وصول المفاوضات إلى مراحلها النهائية، على إخراج مخزونها من اليورانيوم إلى خارج البلاد".

ويجيب قائلا: "القبول بالتخلي الكامل عن مخزون اليورانيوم أو تقليصه بصورة جوهرية سيمثل خطأ إستراتيجيا، إذ إن الاحتفاظ بـ"الخيار النووي" يظل أحد أهم عناصر الردع التي تمتلكها إيران، حتى في ظل امتلاكها وسائل عسكرية تقليدية قادرة على توجيه ضربات واسعة النطاق".

وعزا ذلك قائلا: "فحتى لو امتلكت إيران أسلحة قادرة على توجيه ضربات مدمرة لإسرائيل مثل استخدام ثلاثة صواريخ زنة كل منها أربعة أطنان برؤوس حربية كهرومغناطيسية قادرة على القضاء على إسرائيل بشكل كامل دون أي آثار إشعاعية، فإن الحفاظ على رادع نووي محتمل يظل هو الورقة الرابحة في نهاية المطاف".

وتابع: "بصورة أوضح، يتيح الخيار النووي لطهران استهداف الساحل الشرقي للولايات المتحدة بصواريخ باليستية عابرة للقارات في حالة وقوع هجوم نووي، مما يضع واشنطن أمام أزمة لا يمكن تصورها".

ورغم ذلك، يرى الموقع أن "مستقبل المفاوضات لا يتوقف على هذه السيناريوهات العسكرية، بل يرتبط أيضا بـ"الكنوز الخفية" التي عززت الوزن الاستراتيجي لإيران، بغض النظر عن مآلات المسار التفاوضي".

’’كتلة حضارية’’

ويرى الموقع أن "الكنز الأول يتمثل في عامل الوقت، الذي لم يعد مجرد وسيلة لكسب الوقت من أجل تطوير البرنامج النووي، وإنما تحول إلى أداة إستراتيجية لإعادة تشكيل الوقائع السياسية والاقتصادية".

ووفق رؤيته، "ستواصل طهران خلال الأشهر المقبلة تعزيز تعاونها المالي والمصرفي مع روسيا والصين، اللتين تواجهان بدورهما عقوبات غربية".

إذ توقع "انتقال نظام المراسلات المالية بين طهران وموسكو إلى مرحلة التشغيل الكامل كبديل عن نظام "سويفت"، فضلا عن توسيع دور ممر الشمال- الجنوب في ربط التجارة الأوراسية بعيدا عن المسارات التي يهيمن عليها الغرب".

وبحسب تقديره، فإن "أي تأخير غربي في تنفيذ الالتزامات المتعلقة برفع العقوبات يمنح إيران مزيدا من الوقت لتعزيز هذه البدائل".

وهو ما يعتقد أنه "يؤدي تدريجيا إلى تقويض فعالية نظام العقوبات، بحيث يصبح عامل الزمن، وليس المواجهة المباشرة، هو الأداة الأهم في إضعاف الضغوط الاقتصادية المفروضة على طهران".

أما العنصر الثاني، فيتمثل في ما يصفه الموقع بـ"تحقيق قدر أكبر من الاستقرار الإقليمي، من خلال الانتقال من مفهوم (محور المقاومة) إلى (الكتلة الحضارية)".

وقال: "لم تكن نتيجة الحرب الثالثة المفروضة -رغم مرارة استشهاد القادة والمرشد الأعلى في الساعات الأولى- نصرا إقليميا لإسرائيل، بل هزيمة أمنية وحضارية لهذا النظام وأنصاره".

واستطرد: "لم تعد إسرائيل هي إسرائيل الماضي، ولم تعد محور القوة الإقليمية، أما أميركا، التي عجزت عن عبور مضيق هرمز واضطرت لقبول شروط إيران لوقف إطلاق النار، فلم تعد القوة العظمى المهيمنة".

وبحسب وجهة نظره، فإن "تداعيات هذه التطورات لم تقتصر على الولايات المتحدة وإسرائيل، بل امتدت أيضا إلى عدد من الدول العربية التي اعتمدت على المظلة الأمنية الغربية".

مشيرا أنها "باتت تواجه تحديات متزايدة في ظل تراجع الثقة بالضمانات الأمنية الأميركية".

وفي هذا الإطار، يعتقد الموقع أن "السعودية، التي كانت تراهن على مسار التطبيع مع إسرائيل في إطار "اتفاقات إبراهيم"، أصبحت أكثر حذرا، ولم تعد مستعدة للمضي في هذا المسار من دون الحصول على ضمانات أمنية، إلى جانب التوصل إلى وقف لإطلاق النار في قطاع غزة، وهو ما يعد مؤشرا على اتساع النفوذ الإقليمي لإيران".

ومن ثم، يؤكد الموقع على أن "هذا الواقع السياسي والأمني يمنح إيران، حتى في غياب اتفاق نووي، مكاسب استراتيجية تتجاوز المكاسب الاقتصادية المرتبطة برفع العقوبات، إذ يعزز صورتها لدى حلفائها باعتبارها طرفا قادرا على توفير توازن إقليمي في مواجهة إسرائيل".

’’شيك مفتوح’’

وأخيرا، يرى الموقع أن "التحول الأعمق لا يتمثل في الجوانب العسكرية أو السياسية، وإنما في التغيير الذي طرأ على القناعات السائدة داخل المجتمع الإيراني"، وما يصفه بانهيار عقلية "الشيك المفتوح".

وتابع موضحا: "ظل الدولار لعقود يحتل مكانة خاصة في الوعي الجمعي للإيرانيين، باعتباره مفتاح الخروج من الأزمات الاقتصادية، فيما كان ينظر إلى أي اتفاق مع الغرب على أنه السبيل الوحيد لمعالجة المشكلات الداخلية، بدءا من التضخم ووصولا إلى البطالة، وكأن مستقبل البلاد بأكمله يتوقف على موافقة الدول الغربية وتوقيع اتفاق معها".

واستدرك: "لكن الحرب المفروضة الثالثة وما ترتب عليها من تداعيات، أظهرت أن إيران لا تستطيع فقط الحفاظ على بقائها من دون الاعتماد على الغرب، بل يمكنها أيضا إرغام القوى الكبرى على التعامل مع شروطها".

وأضاف: "إن نجاح الحكومة في السيطرة على التضخم، وتأمين السلع الأساسية، بالاستناد إلى القوة العسكرية، والسيطرة على مضيق هرمز، وتطوير آليات التبادل التجاري مع دول الجوار والقوى الشرقية، من خلال الاتفاقات النقدية الثنائية، ونظام المقايضة، وممر الشمال- الجنوب، سيؤدي إلى انهيار الاعتقاد السائد باحتكار الدولار للاقتصاد الإيراني".

واستطرد: "هذه التجربة العملية ستكون أكثر رسوخا واستدامة من أي اتفاق سياسي، لأنها ستمنح المجتمع الإيراني مناعة في مواجهة (الحرب النفسية للعقوبات)".

وبحسب تقديره، فإنه "متى ترسخ هذا الاعتقاد، فلن يتمكن أي رئيس أميركي من التأثير في الرأي العام الإيراني عبر التلويح بسياسة "الضغوط القصوى"، وهو ما يمثل أكبر انتصار إستراتيجي يمكن تحقيقه بهدوء، في ظل  "قاعدة الصفر مقابل الصفر"، حتى من دون التخلي عن مخزون اليورانيوم".

وهكذا، يرى الموقع أن المفاوضات الجارية لا تتمحور، من وجهة نظر إيران، حول مجرد التوصل إلى اتفاق، وإنما حول إدارة (التحول التاريخي)".

"المتمثل في الانتقال من مرحلة كانت القوى الكبرى تعمل فيها على احتواء إيران، إلى مرحلة تصبح فيها طهران قوة لا غنى عنها في معالجة المعادلات الإقليمية والدولية، وتتمكن من الحفاظ على مكانتها وتعزيز هامش حركتها من خلال إدارة الخلافات، بدلا من الخضوع لها"، على حد تعبيره.

وأردف: أصبحت هذه العناصر الثلاثة مجتمعة، تعادل في أهميتها أي اتفاق غير مكتوب يمكن التوصل إليه".

في المحصلة، توقع الموقع أنه "ولأسباب تتعلق باستراتيجية واشنطن الكبرى وإستراتيجية الكيان الصهيوني التاريخية، لن يكون هناك اتفاق نهائي ولن يتم تسليم أي يورانيوم".

وتابع: "ما سيبقى في نهاية المطاف هو إيران، التي لم تعد دولة خاضعة، بل قوة عظمى، قوة تملي مطالبها على القوى العظمى لأول مرة منذ قرنين، بدلا من الموافقة على مطالبها".

واستطرد: "هذا هو الفوز الكبير في اللعبة الصغيرة".