كيف تبدو مواقف الشعب الإيراني ونخبه السياسية إزاء المفاوضات مع أميركا؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بعد جولتين من المواجهة العسكرية المباشرة التي جمعت إيران بالولايات المتحدة وإسرائيل، وما ترتب عليهما من آثار إنسانية واقتصادية وجيوسياسية واسعة، تفتح التحركات الدبلوماسية الأخيرة نافذة جديدة أمام المنطقة، رغم استمرار التصعيد المتبادل بين طهران وواشنطن من حين إلى آخر.

وفي حال نجحت هذه الجهود في التوصل إلى اتفاق شامل، فقد يمثل ذلك تحولا مفصليا يضع حدّا لدائرة التوتر المتصاعد التي امتدت لعقود، ويمهد لإعادة تشكيل العلاقات الإقليمية على أسس جديدة.

ولا تنحصر أهمية هذا التطور في جانبه الدبلوماسي فقط؛ إذ تتباين داخل إيران وخارجها مواقف وتوقعات القوى السياسية والاجتماعية والفكرية، فضلا عن مواقف بعض الدول، بشأن مستقبل المفاوضات بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار، يرى موقع “الدبلوماسية الإيرانية” أنه مهما كانت النتيجة التي ستفضي إليها المفاوضات، فإن العامل الأكثر تأثيرا يتمثل في طبيعة ردود الفعل الصادرة عن مختلف التيارات السياسية والاجتماعية داخل إيران.

وأرجع ذلك إلى أن مصير أي اتفاق لن يتحدد فقط من خلال بنوده القانونية والدبلوماسية، بل أيضا بمدى القبول الشعبي والسياسي الذي سيناله في الداخل.

وانطلاقا من هذه الرؤية، يؤكد التقرير أن فهم مواقف المجتمع الإيراني والنخب السياسية من أي اتفاق محتمل يشكل عنصرا أساسيا في تقدير فرص نجاحه واستمراره.

وفي ظل انقسام النخبة الحاكمة في الجمهورية الإسلامية بين تيار يرفض الاتفاق ويدعو إلى مواصلة المواجهة، وآخر يؤيد الاستمرار في المسار الدبلوماسي والتوصل إلى مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة، ظهر اتجاه ثالث أطلق عليه الموقع اسم “تيار التغيير المدني”.

طيف واسع

واستهل التقرير حديثه قائلا: "تشير القراءة الأولية للمواقف المطروحة إلى وجود ثلاثة تيارات رئيسة في التعاطي مع الاتفاق الإيراني الأميركي".

وتابع: "يتمثل الأول في معارضي الاتفاق والداعين إلى استمرار المواجهة، فيما يضم الثاني مؤيدي الاتفاق بصفته مخرجا للأزمة، أما الثالث فيتمثل في تيار التغيير المدني، الذي يرى أن معالجة الأزمة الخارجية يجب أن تترافق مع إصلاحات داخلية عميقة وتحقيق تنمية مستدامة". 

وشدد على أن "فهم هذه الاتجاهات الثلاثة يساعد على تكوين صورة أوضح عن طبيعة الديناميات السياسية والاجتماعية في إيران، وكذلك عن فرص استمرار أي اتفاق مستقبلي".

وقال: "يضم ممثلو التيار الأول طيفا واسعا من القوى السياسية المتشددة داخل إيران، إلى جانب بعض جماعات المعارضة المناهضة للجمهورية الإسلامية في الخارج، فضلا عن عدد من الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها إسرائيل، وبعض القوى الدولية التي تنظر بعين الشكّ أو الرفض إلى أي مسار يؤدي إلى تطبيع العلاقات بين طهران وواشنطن".

وبحسب تحليله، "تتعدد دوافع هذا الرفض؛ فهناك من يعدّ استمرار الوضع القائم ضرورة أيديولوجية، فيما ينطلق آخرون من اعتبارات أمنية، بينما يستند فريق ثالث إلى حسابات جيوسياسية يرى أنها تقتضي الإبقاء على حالة التوتر".

على الصعيد الداخلي، يعتقد التقرير أن "بعض التيارات المحافظة والمتشددة تنظر إلى أي اتفاق مع الولايات المتحدة بصفته تهديدا لجملة من المبادئ والثوابت التي يقوم عليها النظام السياسي".

أما في الخارج، فيشير إلى أن "بعض جماعات المعارضة ترى أن نجاح الاتفاق من شأنه أن يعزز استقرار الجمهورية الإسلامية ويمنحها مزيدا من القوة والشرعية".

وبين ذاك وذاك، يقدر الموقع أن "بعض القوى الإقليمية والدولية لا تبدو معنية بخفض التوتر أو إحداث تغيير في التوازنات الجيوسياسية القائمة، وهو ما يجعلها تنظر إلى الاتفاق بحذر أو معارضة".

ورغم اختلاف دوافع هذه الأطراف، شدد الموقع على أن "القاسم المشترك بينها يتمثل في تفضيل الإبقاء على الوضع الراهن، أو استمرار حالة من المنافسة المحكومة بضوابط معينة".

واستدرك: "بيد أن تجارب العقود الماضية أظهرت أن استمرار التوتر والمواجهة لا يفرض أعباء اقتصادية وبشرية جسيمة على الدول فحسب، بل يقوض أيضا فرص التنمية وجذب الاستثمارات وتحقيق الاستقرار المستدام، مما يجعله خيارا عالي التكلفة لا يحل الأزمات الجوهرية".

خفض التكاليف

وانتقل التقرير للحديث عن التيار الثاني، المؤيد للاتفاق، وقال: "يضم هذا التيار قطاعات داخل الحكومة، وقوى سياسية معتدلة وإصلاحية، إلى جانب عدد من دول المنطقة، وبعض دوائر صنع القرار في إدارة ترامب".

ووفقا له، "ينطلق أنصاره من قناعة مفادها أن استمرار المواجهة لن يخدم مصالح أي من الطرفين على المدى الطويل".

"ومن هذا المنظور، ينظر هذا التيار إلى الاتفاق، حتى وإن جاء مؤقتا أو بعيدا عن الكمال، بصفته أداة لخفض التكاليف، واحتواء الأزمة، واستعادة قدر من الاستقرار الإقليمي"، يقول الموقع.

وتابع: "يعتقد مؤيدو هذا النهج أن وقف التوتر العسكري، وإعادة تنشيط طرق التجارة، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وزيادة صادرات الطاقة، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار الاقتصادي، كلها مكاسب يمكن أن تعود بالفائدة على مختلف الأطراف، ولو بصورة مرحلية".

وعقّب التقرير: "في أدبيات العلاقات الدولية، ينسجم هذا التوجه مع المدرسة الواقعية البراغماتية، التي تركز على إدارة المصالح وتقليص كلفة الصراعات، وتنظر إلى الاتفاق ليس بوصفه حلا مثاليا، وإنما بصفته الخيار الأكثر واقعية في ظل الظروف الراهنة".

"تيار التغيير المدني"

وبين هذين الفريقين، أبرز الموقع الفارسي تيار ثالث يعتقد أنه "الأكثر أهمية وحيوية من منظور علم الاجتماع السياسي"، وهو ما أطلق عليه "تيار التغيير المدني".

ويرى أن "هذا التيار يستند إلى مطالب شرائح واسعة من المجتمع المدني، تضم مثقفين وأكاديميين ونساء وشبابا ونشطاء اجتماعيين وقوى إصلاحية".

وبحسبه، "ينظر هذا التيار إلى الاتفاق المحتمل مع الولايات المتحدة بصفته أكثر من مجرد تسوية سياسية أو نهاية لأزمة خارجية، بل فرصة لإطلاق إصلاحات هيكلية وجوهرية في السياسات الخارجية والداخلية".

وأردف: "من منظور هذا التيار، فإن أي اتفاق مع الولايات المتحدة لن يترك آثارا مستدامة ما لم يكن جزءا من تحول أوسع في نهج السياسة الخارجية ومنظومة الحكم الداخلي".

واستطرد: "وانطلاقا من هذه الرؤية، ينبغي أن يقود خفض التوتر مع الغرب إلى رفع العقوبات، وتعزيز الانخراط البناء في النظام الدولي، وإقامة علاقات متوازنة مع دول الجوار، واستبدال السياسات القائمة على المواجهة بنهج أكثر براغماتية في إطار اتفاق شامل ومستدام".

في هذا السياق، أشار التقرير إلى أن "هذا التيار لا ينظر إلى الاتفاق مع الولايات المتحدة بوصفه إنجازا دبلوماسيا فحسب، وإنما يعده فرصة لإعادة صياغة السياسة الخارجية، وإعادة النظر في أنماط الحكم، وإطلاق إصلاحات أعمق على المستوى الداخلي".

بعبارة أخرى، "يرى التيار الثالث أن غياب هذه الإصلاحات سيجعل الاتفاق، حتى وإن تم التوصل إليه، عاجزا عن تحقيق الاستدامة، كما سيبقي أوضاع البلاد والمواطنين عرضة لحالة من عدم الاستقرار".

ومن ثم، يؤكد الموقع أن "أبرز ما يميز هذا التيار هو تركيزه على الترابط الوثيق بين السياسة الخارجية والإصلاحات الهيكلية الداخلية".

"ومن هذا المنطلق، يرى أن أي اتفاق خارجي لن يكون كافيا بمفرده لمعالجة المشكلات المتراكمة التي تواجهها البلاد، كما أنه لن يحقق الاستقرار المنشود دون إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحسين جودة الحوكمة، وتعزيز مشاركة المواطنين في الحياة العامة"، وفق ما أورده الموقع.

وعليه، يدعو هذا التيار -وفق التقرير- إلى "تنفيذ حزمة واسعة من الإصلاحات الداخلية، تشمل مراجعة شاملة للدستور، وتوسيع نطاق الحقوق والحريات المدنية، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ استقلال القضاء".

فضلا عن "رفع مستوى الشفافية والمساءلة داخل المؤسسات، ومكافحة الفساد بصورة هيكلية، وتعزيز مبادئ الحكم الرشيد، ودعم النمو الاقتصادي، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وتوسيع المشاركة السياسية، وإجراء انتخابات تنافسية، فضلا عن تعزيز دور المجتمع المدني".

وبحسب الموقع، "لا ينظر هذا التيار إلى الإصلاحات الهيكلية بصفتها مطلبا سياسيا فحسب، وإنما يعدها شرطا أساسيا لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز رأس المال الاجتماعي، وتحسين مكانة إيران في النظام الدولي، وبناء إيران جديدة، وضمان انتقال سلمي وناجح".

ويعتقد التقرير أن "هذا التصور يستند إلى قناعة مفادها أن التنمية الاقتصادية، والاستقرار السياسي، وتعزيز الشرعية الاجتماعية تمثل عناصر مترابطة، وأن اختلال أي منها من شأنه أن يهدد استدامة الإنجازات الأخرى".

وأضاف: "أظهرت تجارب العديد من الدول أن الاتفاقات السياسية الكبرى كانت أكثر استقرارا وفاعلية عندما اقترنت بإصلاحات هيكلية، وتوسيع مشاركة المواطنين، وتحسين جودة الحوكمة".

ومن ثم، يشدد التقرير على أن "نجاح أي اتفاق بين إيران والولايات المتحدة سيعتمد بدرجة أكبر على توافر الإرادة السياسية، وبناء توافق وطني، وقدرة مؤسسات الدولة على الاستجابة لمطالب المجتمع، أكثر من اعتماده على البنود الفنية والقانونية للاتفاق نفسه".

وانطلاقا من هذا المنظور، يرى الموقع أن "إيران تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي".

وتابع موضحا: "يتمثل الخيار الأول في مواصلة دوامة المواجهة والأزمات المتصاعدة، وهو مسار أثبتت السنوات الماضية كلفته الباهظة".

أما الخيار الثاني، فيقوم، وفقا له، على "استثمار المسار الدبلوماسي لخفض التوترات والتوصل إلى اتفاق مؤقت وجزئي يظل عرضة للهشاشة".

"وفي المقابل، يبرز خيار ثالث يربط بين خفض التصعيد الخارجي وإجراء إصلاحات هيكلية عميقة في الداخل، ويرى أن تحقيق التنمية المستدامة مرهون بالتقدم المتوازي في هذين المسارين"، بحسب رؤيته.

وفي ختام التقرير، يرى الموقع أن "السؤال الأهم لا يتمثل في ما إذا كان الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة سيصبح ممكنا، بل فيما إذا كان هذا الاتفاق، إذا تحقق، سيمهد لمرحلة جديدة تقوم على إعادة النظر في السياسة الخارجية، وإطلاق إصلاحات جوهرية، وتحسين الحوكمة، وإعادة بناء رأس المال الاجتماعي، أم أنه سيبقى مجرد هدنة مؤقتة في مسار طويل من التوتر وانعدام الثقة".

واستطرد: "الإجابة عن هذا السؤال قد ترسم ملامح واحدة من أهم المراحل في تاريخ إيران المعاصر".