بيئة خصبة.. ما سر تصاعد نفوذ التنظيمات المسلحة في موزمبيق؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تؤكد وتيرة النشاط المتصاعد للجماعات المسلحة المتشددة في موزمبيق أن الفروع الإقليمية لتنظيم الدولة لا تزال تؤدي دورا مؤثرا في تعزيز نشاط التنظيم على المستوى العالمي.

وبينما ينصب اهتمام المجتمع الدولي تقليديا على أكثر فروع التنظيم شهرة، وفي مقدمتها تنظيم "الدولة خراسان" والفروع الإفريقية التي تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي؛ تشير تطورات السنوات الأخيرة إلى تنامي أهمية شمال موزمبيق بصفته أحد المراكز الرئيسة للشبكة العابرة للحدود.

غير تقليدية

وفي هذا السياق، ترى صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية أن "إحباط هجوم إرهابي في فرنسا خلال مايو/ أيار 2026 دليل إضافي على تصاعد أهمية موزمبيق داخل البنية التنظيمية لتنظيم الدولة".

وتابعت: "فقد كان منفذ الهجوم، وهو مهاجر تونسي غير نظامي، يعتزم تنفيذ هجوم مسلح يستهدف متحف اللوفر والجالية اليهودية في باريس".

وبحسب الصحيفة، "كشفت التحقيقات أنه كان يخطط لمغادرة فرنسا والانضمام إلى مقاتلي التنظيم في سوريا أو موزمبيق؛ حيث يقع معقل التنظيم في شمال البلاد الغني بالثروات المعدنية".

ورغم ذلك، لفتت الصحيفة إلى أن "أنشطة التنظيم في هذه المنطقة لا تحظى بالاهتمام الكافي، رغم أن خلاياه المحلية تمثل حلقة أساسية في الشبكة العالمية لتنظيم الدولة".

واستشهدت على ذلك قائلة: "إذ يُنسب إلى فرع موزمبيق، إلى جانب الفروع الأخرى المنتشرة في القارة الإفريقية، النسبة الأكبر من الهجمات التي يتبناها التنظيم، فيما تواصل مجلته الدعائية الرسمية تشجيع تدفق المقاتلين الأجانب إلى إفريقيا".

وفي هذا الصدد، أشارت الصحيفة إلى أن "مقاطعة كابو ديلغادو الشمالية لا تزال تمثل المركز الرئيس للنشاط الإرهابي، إذ تنشط فيها جماعة أنصار السنة، المعروفة أيضا باسم الشباب، وهي جماعة لا ترتبط بالتنظيم الصومالي الذي يحمل الاسم نفسه".

ووفق التقرير، "بدأت الجماعة نشاطها في المنطقة عام 2014، ثم أعلنت مبايعتها للتنظيمات المسلحة المتشددة عام 2018".

وأضاف أنه قبل الاعتراف بموزمبيق بوصفها "ولاية" مستقلة تابعة لتنظيم الدولة عام 2022، كانت الجماعة تعمل ضمن ما يعرف بـ"تنظيم الدولة-ولاية وسط إفريقيا"، مع اعتمادها بشكل كبير على استقطاب مقاتلين أجانب من تنزانيا وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وأردفت الصحيفة: "وخلال ذروة نشاطها، تمكنت الجماعات المتشددة من السيطرة على ميناء موسيمبوا دا برايا الإستراتيجي، الذي كان يؤدي دورا محوريا في منظومة النقل والإمداد بالمنطقة، إضافة إلى توفير منفذ مهم إلى البنية التحتية الساحلية في موزمبيق".

واستدركت: "غير أن قوات الأمن الحكومية استعادت السيطرة على المدينة عام 2021".

واستطردت: "ورغم خسارة هذا الموقع، تمكنت الجماعات المتشددة من التكيف مع الظروف الجديدة والحفاظ على قدرتها على تنفيذ عمليات تخريبية وإرهابية".

بالانتقال إلى الوضع الحالي، ذكر التقرير أن "الجماعات المسلحة تخلت عن محاولات الاحتفاظ بالسيطرة على المدن الكبرى، واتجهت إلى اعتماد أساليب قتال غير تقليدية".

ووفقا لها، "أصبحت هجماتها تركز على استهداف المناطق الريفية، ومهاجمة البنية التحتية، وتنفيذ عمليات اختطاف، إلى جانب ممارسة ضغوط مستمرة على السكان المحليين عبر نشر الرعب والإرهاب".

أهمية إستراتيجية

ووفقا لبيانات مجموعة المراقبة “أكليد” المختصة في جمع وتحليل البيانات المفتوحة حول الصراعات والأزمات السياسية في جميع أنحاء العالم، فقد ارتفع عدد عمليات الاختطاف مقابل الفدية التي نفذها فرع تنظيم الدولة في موزمبيق خلال عام 2025 إلى أربعة أضعاف.

علاوة على ذلك، أشارت الصحيفة إلى "اعتماد التنظيم على مصادر تمويل إضافية، شملت الابتزاز والتهريب وفرض السيطرة على أنشطة التعدين التقليدي".

ونوهت إلى أن "أهمية الصراع تزداد بسبب امتلاك البلاد احتياطيات ضخمة من الموارد الطبيعية، إذ تضم مقاطعة كابو ديلغادو احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي والجرافيت والياقوت والمعادن الأرضية النادرة".

في موازاة ذلك، ومع تصاعد أزمة مضيق هرمز وسعي الدول الأوروبية إلى تنويع مصادر إمدادات الطاقة، تقدر الصحيفة أن "المنطقة اكتسبت أهمية إستراتيجية بالنسبة إلى شركات الطاقة الدولية، من بينها توتال إنرجيز وإيني".

"ولهذا السبب، أصبح تعزيز الأمن في شمال موزمبيق أحد المحاور المهمة في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي"، تقول الصحيفة.

وتابعت: "وقد تسببت هجمات الجماعات المتشددة مرارا في إجلاء موظفي الشركات الأجنبية وتعليق مشروعات طاقة كبرى، ما ألحق أضرارا كبيرة بالمصالح الاقتصادية لموزمبيق".

وأردفت: "وفي عام 2026، أعلنت شركة توتال إنرجيز استئناف عدد من مشروعاتها الاستثمارية بعد تحسن الأوضاع الأمنية نسبيا، إلا أن استمرار التهديد الإرهابي لا يزال يفرض مخاطر كبيرة على الوجود طويل الأمد لشركات الطاقة الدولية في المنطقة".

في السياق العسكري، ذكر التقرير أن "العملية العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة الرواندية بعد عام 2021 لعبت دورا محوريا في تحقيق قدر من الاستقرار داخل موزمبيق، بعدما نجحت في الحد من التوسع الجغرافي للجماعات المتشددة واستعادة السيطرة على عدد من المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية".

واستدرك: "لكن النتائج المحققة لا تزال غير مستدامة، ففي مارس/ آذار 2026، أعلنت السلطات الرواندية عن إمكانية سحب قواتها في حال عدم توفر تمويل إضافي للعملية من جانب الاتحاد الأوروبي".

وبحسبه، "جاء هذا التصعيد نتيجة خلافات مالية، إلى جانب تدهور العلاقات بين رواندا والدول الأوروبية على خلفية الأزمة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، والاتهامات الموجهة إلى كيغالي بدعم (حركة 23 مارس) المتمردة، التي تصنفها الكونغو تنظيما إرهابيا".

ومع ذلك، ورغم الغموض الذي يحيط بمستقبل عمليات مكافحة الإرهاب في شمال موزمبيق على المدى الطويل، فإن الصحيفة تقدر أن "رواندا ترتبط بمصالح اقتصادية واسعة في المنطقة، وهو ما يرجح استمرار وجودها هناك، حتى مع تراجع التمويل الأوروبي للعملية العسكرية".

مشاكل بنيوية

على المستوى المحلي، أوضحت الصحيفة أن "ضعف كفاءة مؤسسات الدولة في موزمبيق يظل أحد أبرز التهديدات للاستقرار الداخلي".

وقالت: "رغم الدعم الدولي، لا تزال قوات الأمن الحكومية تعاني مشكلات مزمنة تتعلق بضعف الإمكانات اللوجستية وانتشار الفساد، وهو ما يقوض ثقة السكان في مؤسسات الدولة، ويعزز نمو الاقتصاد غير الرسمي، ويفسح المجال أمام تنامي نفوذ الجهات الفاعلة غير الحكومية".

وفي هذا الإطار، ذكرت الصحيفة أن "الاتحاد الأوروبي يسعى تدريجيا إلى تحويل دعمه نحو تدريب القوات المسلحة الموزمبيقية عبر بعثة المساعدة العسكرية للاتحاد الأوروبي في موزمبيق (EUMAM Mozambique)، التي تأسست في سبتمبر/ أيلول 2024 وتستمر ولايتها حتى نهاية عام 2026".

من جانب آخر، لفت التقرير إلى أن "العوامل الاجتماعية والاقتصادية لا تقل أهمية في تغذية التطرف؛ إذ تسهم معدلات الفقر المرتفعة، والتوترات العرقية والدينية، وضعف فرص الحصول على التعليم، وتداعيات سنوات طويلة من عدم الاستقرار السياسي، في توفير بيئة مواتية لتجنيد عناصر جدد في صفوف فرع تنظيم الدولة في موزمبيق".

"كما تمنح الجماعات المتشددة فرصة لتقديم نفسها، ولو بشكل جزئي، بصفتها مركز نفوذ بديلا"، وفق تحليله.

فضلا عن ذلك، "يزداد الوضع تعقيدا بسبب الطبيعة العابرة للحدود لهذا الصراع، إذ تستخدم الجماعة أراضي تنزانيا المجاورة بشكل نشط لنقل المقاتلين والأسلحة وعمليات التهريب".

وهو ما أشار التقرير إلى أنه "يعقد جهود قوات الأمن الإقليمية، ويرفع احتمالات امتداد حالة عدم الاستقرار إلى دول أخرى في شرق إفريقيا".

وتابع: "وفقا لتقديرات منظمات دولية، أجبر الصراع المستمر مئات الآلاف من الأشخاص على النزوح، فيما يواجه عدد كبير من النازحين داخليا نقصا حادا في الغذاء والرعاية الصحية وفرص التعليم".

كما تشكل مخيمات اللاجئين المكتظة والقدرات المحدودة للدولة على تقديم الدعم الاجتماعي "بيئة خصبة لمزيد من تطرف الشباب"، بحسب قوله.

وفي ظل هذه الظروف، خلص التقرير إلى أنه "حتى النجاحات الجزئية التي تحققها العمليات العسكرية لا تكفي لضمان تراجع التهديد الإرهابي على المدى الطويل".