"لم يختر وزراءه".. إلى أين يقود علي الزيدي حكومة العراق؟

"الغموض التقليدي في علاقة العراق بأميركا وإيران لم يعد مقبولا لدى إدارة ترامب"
بعد أشهر من الشد والجذب بشأن تشكيل الحكومة العراقية، شهد يوم 27 أبريل/نيسان تطورًا مفاجئًا؛ إذ أنهى "الإطار التنسيقي"، وهو التحالف الشيعي الأبرز، حالة الجمود التي استمرَّت خمسة أشهر، عبر ترشيح علي فالح الزيدي لرئاسة الحكومة الجديدة.
وجاء ذلك بحسب ما ذكرته رند الرحيم، السفيرة العراقية الأولى لدى الولايات المتحدة بين عامي 2003 و2005، والرئيسة السابقة والمؤسسة المشاركة لـ"مؤسسة العراق" غير الربحية في واشنطن، في تحليل نشره "معهد الشرق الأوسط".
وأشارت الرحيم إلى أن الزيدي تلقى، بعد أيام قليلة من ترشيحه، اتصال تهنئة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تضمن دعوة لزيارة واشنطن. كما عيّن ترامب، في 31 مايو/أيار، السفير توم باراك مبعوثًا خاصًا إلى العراق، قبل أن يلتقي باراك الزيدي في بغداد يوم 15 يونيو/حزيران، ويوجه إليه دعوة لزيارة واشنطن في منتصف يوليو/تموز.
وترى أن الإدارة الأميركية تعلّق آمالًا كبيرة على حكومة الزيدي، غير أن هذه التوقعات تحتاج إلى قدر من الواقعية وضبط التقديرات.

صعود الزيدي
وأوضحت الرحيم أنه لأشهر تلت انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تنافس رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي على المنصب، حتى قارب هذا الصراع بالإطار التنسيقي على الانقسام.
وحين أعلن ترامب علنا استياءه من المالكي، وربما بشكل أقل علنية من السوداني، طرحت الأطراف مرشحين بديلين، لكن أيا منهم لم يحصل على أغلبية الأصوات.
وأشارت إلى أن إيران، بصفتها الراعي الأول لهذا التحالف الشيعي، شعرت بالقلق من احتمال الانشقاق، فنقلت عبر إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، رسالة مفادها التماسك مهما كان الثمن.
وأفادت بأن أعضاء الإطار التنسيقي وجدوا في الزيدي مرشحا توافقيا، فحظي بتأييد أغلبية التحالف في أبريل/نيسان 2026 تحت ضغط أميركي غير مسبوق.
ولفتت إلى أن الزيدي ليس له تاريخ سياسي، لكنه على صلة وثيقة بالنخبة السياسية، استدلالا بالترحيب السريع والواسع الذي حظي به من قادة شيعة وسنة وأكراد.
والزيدي، في أوائل الأربعينيات من عمره، ينتمي إلى طبقة صاعدة من رجال الأعمال الشباب الذين راكموا ثروة ونفوذا عبر العقود الحكومية والتجارة وريادة الأعمال.
وكان مؤسسا ورئيسا لمجلس إدارة “مصرف الجنوب الإسلامي” الذي حظره البنك المركزي العراقي في فبراير/شباط 2024 من التعامل بالدولار الأميركي، رغم أنه لم يخضع قط لعقوبات أميركية.
ولفتت إلى أن مسار ترشيحه ظل غامضا؛ إذ تشير تقارير إلى أن فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي، وقيس الخزعلي، زعيم ميليشيا "عصائب أهل الحق" المدعومة من إيران، هما من طرحا اسمه، وأن مفاوضات جرت خلف الكواليس مع واشنطن قبل ترشيحه.

تشكيل مثير للجدل
وبيّنت الرحيم أن الزيدي عرض على البرلمان في مايو/أيار 2026 برنامجه الحكومي وقائمة من 19 مرشحا وزاريا من أصل 23 في نهاية المطاف، وأن البرنامج، خلافا لبرنامج سلفه الذي تصدرته الاحتياجات الاقتصادية، افتتحه بملف سيطرة الدولة على السلاح وسيادة القانون، ثم السياسة الخارجية وتعزيز العلاقات مع الخليج.
وأوضحت أن واشنطن وضعت خطوطا حمراء لتشكيل الحكومة تقضي بعدم إشراك وزراء مرتبطين بالفصائل المسلحة، ما استبعد شركاء داخل الإطار التنسيقي، من بينهم "عصائب أهل الحق" الداعمة للزيدي نفسه.
وذكرت أنه من أصل 19 مرشحا، لم يُقر سوى 14 خلال جلسة اتسمت بالتوتر، فيما سقط مرشحا المالكي ومرشحا "تحالف العزم" السني ومرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبقيت حقيبتا الداخلية والدفاع شاغرتين.
ورأت الرحيم أن واشنطن ربما احتضنت الزيدي لأنه رجل أعمال براغماتي وليس من "الأيدي القديمة الملوثة"، بعدما فشلت مطالباتها المتكررة بضبط الفصائل المسلحة مع مسؤولين سابقين.
لكنها استدركت بأن الزيدي ليس خارج النظام كليا؛ إذ رشّحه التحالف الشيعي نفسه الذي رشّح السوداني قبله، وهو مسؤول أمامه بالقدر ذاته، وقيادات بارزة داخله كالمالكي غير راضية عن ترشيحه وستحاول تقويضه.
وأشارت إلى أن معظم وزرائه الجدد لم يختَرْهم هو، بل رشحتهم أحزاب شيعية وسنية وكردية يتعين عليهم خدمة مصالحها، وأن الحكومة تخضع لنظام "المحاصصة" السياسية الذي يحكم العراق منذ عام 2010 على الأقل، ما يجعل إصلاحات جوهرية تخل بهيمنة الإطار التنسيقي أمرا مستبعدا.
وأوضحت أن التخلص من النفوذ الإيراني لن يعني تلقائيا التحرر السياسي منه على الأقل في المدى القصير.
فقد نسجت طهران على مدى عقدين شبكات مصالح مالية متشابكة في العراق عبر العقود وتهريب النفط وغسل الأموال، وهي شبكات لا تقتصر على الفصائل الشيعية، بل تمتد إلى أحزاب كردية وسنية أيضا، ما يجعل فك الارتباط بها مهمة تتطلب وقتا وجرأة من الزيدي.
وذكرت الرحيم أن واشنطن تريد من العراق التوجه غربا بعيدا عن إيران والصين، عبر ثلاثة أهداف مترابطة.
أولها نزع سلاح فصائل الحشد الشعبي، وهو ما يتطلب قرارا برلمانيا وإرادة سياسية غائبة حتى الآن. ورأت أن إعلان "عصائب أهل الحق" و"سرايا السلام" التابعة لمقتدى الصدر استعدادهما لتسليم السلاح خطوة إيجابية، بينما رفضت فصائل أخرى موالية لإيران كـ"كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" ذلك، معتبرة سلاحها "مقدسا".
وأوضحت أن الهدف الثاني هو خلق بيئة مواتية للشركات الأميركية العاملة في العراق بعد استهداف شركات نفط في كردستان والبصرة خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية الأخيرة، وأن الهدف الثالث هو تحسن علاقات العراق بدول الخليج، والتي أفسدتها مئات الهجمات التي شنتها فصائل عراقية على السعودية والكويت دعما لإيران.

فرصة سانحة
وشبّهت الرحيم المسار المنشود بما جرى مع سوريا؛ إذ تحررت من الهيمنة الإيرانية وتوجهت نحو الخليج، موضحة أن واشنطن تريد أن تخرج بغداد بدورها من تحت المظلة الإيرانية وتندمج في المحيط العربي، بما في ذلك تطبيع علاقاتها مع دمشق.
ونبّهت إلى أن استعادة ثقة الدول العربية ستكون مهمة صعبة، فأحزاب شيعية عديدة، وليس فقط الفصائل الموالية لإيران، قاومت تاريخيا التقارب مع الجوار العربي السني.
وأشارت الرحيم إلى أن باراك والزيدي أصدرا بيانا مشتركا عقب لقائهما في بغداد، أكد "إلحاح" نزع سلاح الجماعات المسلحة وحلها، وجدد الالتزام بتعزيز التعاون التجاري بين البلدين خصوصا في الطاقة.
لكنها رأت أن نتيجة الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ستؤثر على مجريات الأحداث في العراق؛ فإن اعتقدت طهران أنها انتصرت، ستكون أكثر إصرارا على التمسك بنفوذها في العراق، وسترفض الفصائل الأكثر تشددا التخلي عن سلاحها.
وأوصت بأن تقدم الولايات المتحدة حوافز، كرفع العقوبات، للجماعات التي تحل أجنحتها العسكرية وتتحول إلى أحزاب سياسية دستورية، مقابل إجراءات عقابية ضد من يرفض ويبقى خارج سيطرة الحكومة.
وختمت بأن الغموض التقليدي في علاقة العراق بأميركا وإيران لم يعد مقبولا لدى إدارة ترامب، وأن على الجانبين، حتى مع افتراض حسن نوايا الزيدي، التحلي بالصبر وتأجيل الحكم إلى حين زيارته المرتقبة لواشنطن.
















