تحديات معقدة.. إلى أين تتجه الأزمة الدستورية في الصومال؟

"يقف الصومال اليوم أمام مفترق طرق"
الأزمة السياسية الأخيرة في الصومال تعيد إنتاج مشهد مألوف من النزاعات الدستورية والجمود الانتخابي، غير أن اتساع نفوذ “حركة الشباب” واحتدام الخلافات بين الولايات الفيدرالية والحكومة في مقديشو جعلا خطر التفكك في أعلى مستوياته منذ سنوات.
ومنذ الأسبوع الأول من يونيو/حزيران 2026، تشهد الصومال حالة من الاضطراب بعد اندلاع مواجهات بين القوات الحكومية الفيدرالية ومليشيات موالية لزعماء المعارضة.
وقد بدأت الاحتجاجات على خلفية تمديد الولاية الرئاسية والتعديلات الدستورية، قبل أن تتطور لاحقا إلى أعمال عنف.
ويأتي ذلك في وقت تخوض فيه الصومال بالفعل مواجهة مستمرة مع “تنظيم القاعدة” و"حركة الشباب"، بالموازاة تسعى أقاليم عدة، من بينها إقليم “أرض الصومال” إلى الانفصال عن الدولة.
وفي ظل الهشاشة التي تعانيها البلاد أصلا، تعكس هذه الاشتباكات الأخيرة مستقبلا يزداد غموضا ومخاطر، بحسب مؤسسة "أوبزرفر" للأبحاث.

أكثر خطورة
وقالت المؤسسة البحثية الهندية في تقرير: إن الأزمة السياسية الحالية لا تختلف عن سابقاتها من حيث الطبيعة أو الأسباب، فقد شهدت البلاد توترا مماثلا عام 2021 عندما حاول الرئيس آنذاك محمد عبد الله محمد، المعروف بـ"فرماجو"، تمديد ولايته.
وأضافت: "كأن المشهد يتكرر بصورة دورية؛ إذ تسعى السلطة القائمة قبيل كل انتخابات إلى إدخال تعديلات دستورية تحت شعار الإصلاح والتغيير، بينما ترفضها المعارضة في كل مرة، متهمة الحكومة بالنزعة السلطوية".
ورغم أن السياق العام يبدو مألوفا، فإن الأزمة الراهنة تبدو أكثر خطورة من سابقاتها؛ إذ لم يعد الخلاف يقتصر على ترتيبات سياسية أو دستورية، وفق التقرير.
بل بات يمس مستقبل النظام السياسي الصومالي، وتماسك الدولة، واستقرار منطقة القرن الإفريقي التي تعاني أصلا هشاشة وتقلبات متزايدة.
وتعود جذور الاضطرابات الأخيرة إلى شهر مارس/آذار، عندما حاول الرئيس إجراء تعديل دستوري مثير للجدل، مدد بموجبه ولاية كل من الرئيس والبرلمان من أربع إلى خمس سنوات، مما سمح له بالبقاء في منصبه لمدة عام إضافي.
أما التعديل الآخر، وهو بالغ الأهمية، فهو استبدال النظام الانتخابي غير المباشر القائم على العشائر في الصومال بنظام "صوت واحد لكل شخص".
ولم تشهد الصومال انتخابات مباشرة على المستوى الوطني منذ عام 1969.
ومع تأسيس الحكومة الفيدرالية عام 2012، اعتمدت البلاد نظاما غير مباشر لاختيار الرئيس، يقوم على تعيين شيوخ القبائل أعضاء البرلمان، الذين يتولون بدورهم انتخاب الرئيس.
وقد أسهم هذا النموذج الهجين، في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية الطويلة، في الحفاظ على قدر من التوازن السياسي. غير أن النظام الذي صُمم كحلّ مؤقت، تحول مع الوقت إلى منظومة لتقاسم النفوذ تقوم على الصفقات والفساد؛ حيث يمكن شراء المقاعد البرلمانية بمبالغ تتراوح بين مئات الآلاف وأكثر من مليون دولار.
ويُعد الاقتراع العام شرطا أساسيا لتوسيع الطابع الديمقراطي في الصومال، بما يضمن مساواة المواطنين في الحقوق السياسية.
ورغم اتفاق المعارضة على هذا الهدف من حيث المبدأ، فإن احتجاجها ينصبّ على مسار إرساء الديمقراطية نفسه، الذي جرى دون توافق سياسي شامل؛ إذ أُقر التعديل الدستوري في البرلمان دون مشاورة المعارضة، ما دفعها إلى مقاطعة العملية.
ومع تصاعد الشكوك حول حيادية اللجنة الانتخابية في الإشراف على الاستحقاقات المقبلة، تتزايد المخاوف من ترسيخ واقع يُرجَّح فيه فوز السلطة القائمة دائما.
كما أن إجراء انتخابات وطنية في ظل سيطرة حركة الشباب على مساحات واسعة من البلاد يطرح تحديات لوجستية وأمنية معقدة.
وبحسب دستور 2012، تتألف الصومال من سبع ولايات فيدرالية، غير أن عددا منها أبدى امتعاضه من توجهات الحكومة نحو مزيد من المركزية.
فقد سحبت بونتلاند اعترافها بالحكومة الفيدرالية، فيما تواصل جوبالاند العمل بقدر كبير من الاستقلالية، أما "أرض الصومال" فتتصرف ككيان شبه مستقل منذ عام 1991، بعد أن بنت مؤسساتها الخاصة على مدى ثلاثة عقود.
وفي المقابل، دخلت ولايات جنوب غرب الصومال وغلمدغ وهيرشبيلي في خلافات متكررة مع مقديشو، متهمة إياها بالتدخل في شؤونها المحلية ومحاولة فرض قيادات موالية لها.
وبينما أسفرت أزمة 2021 عن موجة عنف حادة، انتهت بتسوية سياسية تحت ضغط دولي كبير، فإن هذه المرة تبدو الرهانات أعلى، وفق المؤسسة البحثية الهندية. فمع استمرار الصراع السياسي الداخلي، تتوسع في الوقت نفسه تهديدات أكثر خطورة، في مقدمتها حركة الشباب، التي تواصل تعزيز نفوذها.

اضطرابات القرن الإفريقي
وقد رسخت الجماعة نفسها خلال السنوات الأخيرة كإحدى أكثر حركات التمرد صمودا في إفريقيا؛ إذ تسيطر على أراضٍ، وتجمع الضرائب، وتنفذ هجمات تفجيرية، وتستغل هشاشة سلطة الدولة.
وبالتالي، فإن أي اضطراب سياسي جديد من شأنه أن يعزز من قوتها، مع انشغال الدولة وتحويل الموارد بعيدا عن مواجهتها.
وقد شهدت مالي عام 2021 وضعا مشابها، عندما حاولت مجموعات انفصالية وجهادية استغلال حالة ما بعد الانقلاب للتمدد والسيطرة على مساحات من البلاد.
وأوضح التقرير أن عدم الاستقرار الحالي في الصومال ربما يؤدي إلى زعزعة استقرار منطقة القرن الإفريقي المضطربة أصلا.
ونظرا لموقع المنطقة على البحر الأحمر وخليج عدن، فقد يؤثر ذلك على التجارة البحرية التي تعاني من أزمة مضيق هرمز.
فضلا عن اضطراب التجارة، سيؤدي عدم استقرار الصومال إلى تدفقات لاجئين، وتنامي النزعة المسلحة عبر الحدود، وانتشار القرصنة، وتحديات أمنية لجيرانها.
لذا، أكد التقرير أن الدول المجاورة، لا سيما إثيوبيا وكينيا، تتابع التطورات عن كثب، نظرا لمصالحها الأمنية الكبيرة في الصومال.
وفي الوقت نفسه، قد تُعقّد التوترات المتصاعدة بين مقديشو والولايات الأعضاء في الحكومة الفيدرالية الجهود الدبلوماسية الإقليمية، وتُعمّق التنافسات الجيوسياسية القائمة والحروب بالوكالة في القرن الإفريقي.
وأوضح التقرير أنه "رغم أن وساطة شيوخ القبائل وضغوط الفاعلين الدوليين حالت مؤقتا دون انزلاق البلاد إلى مواجهة أوسع في هذه المرحلة، فإن الخلافات الجوهرية لا تزال من دون حل".
وربما يؤدي هذا النزاع حول الإجراءات الانتخابية إلى تأثيرات كبيرة في توزيع السلطة داخل النظام الفيدرالي الهش، وربما يفضي إلى شكل من التفكك الفعلي للدولة.
ويمكن أن تشكل تجربة انهيار يوغوسلافيا وأفغانستان تحذيرا واضحا للصومال، وفق التقرير.
فكما في الحالة اليوغوسلافية، يدور في الصومال نقاش دستوري حول طبيعة النظام بين الفيدرالية وتوسيع الحكم الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، تواجه البلاد تمردا مسلحا نشطا قادرا على استغلال الانقسامات السياسية وضعف مؤسسات الدولة، على نحو يشبه ما حدث في أفغانستان.
ويقف الصومال اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك مسار الإصلاح التدريجي، بما يقود إلى انتخابات مباشرة لكنه يمنح في المقابل سلطات أوسع لمقديشو، أو يتجه نحو مزيد من اللامركزية، وهو ما قد يفتح الباب أمام مزيد من التفكك وتآكل سلطة المركز.
ومع ذلك، فإن السيناريو لا يعني بالضرورة تفككا على النمط اليوغوسلافي في المدى القريب، بل قد يتحول الصومال إلى ساحة صراع مفتوحة تتنافس فيها الحكومة الفيدرالية والولايات الفيدرالية والميليشيات القبلية وجماعات مسلحة مختلفة على النفوذ والسلطة.
وختم التقرير بالتأكيد على أن "الطريق نحو الاستقرار يظل رهنا بمسار طويل من المفاوضات والتسويات السياسية الصعبة والتنازلات المتبادلة بين مختلف الأطراف".
















