المعسكر 17.. كيف تحولت ليبيا إلى قاعدة خلفية لدعم مليشيا الدعم السريع؟

"المعسكر 17"، يقع على بعد نحو 19 كيلومترا من مدينة بنغازي، باعتباره مركزا لتدريب عناصر الدعم السريع
لم يعد الحديث عن الدعم الإماراتي لمليشيا الدعم السريع السودانية يقتصر على الاتهامات السياسية أو التقارير الحقوقية، بل بات يستند إلى تحقيقات استقصائية وتحليلات للمصادر المفتوحة تكشف، تباعًا، ملامح شبكة لوجستية وعسكرية عابرة للحدود، تتَّسع مع كل تحقيق جديد لتقدم صورة أكثر وضوحًا عن مسارات نقل السلاح والمقاتلين والدعم اللوجستي المرتبط بالحرب السودانية.
وفي أحدث هذه التحقيقات، كشفت صحيفة "تلغراف" البريطانية، في 29 يونيو/حزيران 2026، استنادًا إلى تحقيق أجرته مؤسسة "لايتهاوس ريبورتس" الإعلامية الهولندية غير الربحية، بالتعاون مع منصتي "Sudan War Monitor" و"Evident Media"، عن وجود معسكرات تدريب سرية في شرق ليبيا، يتصدرها ما يُعرف بـ"المعسكر 17"؛ حيث يتلقى مقاتلون من مليشيا الدعم السريع تدريبات على تشغيل الطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة، في كشف يعزز الفرضية القائلة إن جنوب وشرق ليبيا تحولا إلى قاعدة خلفية رئيسة للحرب السودانية.
ولا تقتصر نتائج التحقيق على الكشف عن معسكرات للتدريب العسكري، بل ترسم صورة لشبكة متكاملة لنقل السلاح والمقاتلين والإمدادات عبر الأراضي الليبية وصولًا إلى جبهات القتال في إقليمي دارفور وكردفان، بما يشير إلى وجود بنية لوجستية عابرة للحدود تدعم استمرار العمليات العسكرية.
وفي المقابل، تواصل الإمارات ومليشيا خليفة حفتر ومليشيا الدعم السريع نفي هذه الاتهامات، مؤكدة عدم صحة المزاعم المتعلقة بوجود أي دعم عسكري أو لوجستي من هذا النوع.

بوابة التدريب الجديدة
تمكن المحققون من تحديد أربعة معسكرات لم يُكشف عنها سابقًا في شرق ليبيا، وهي مناطق تخضع لسيطرة مليشيا اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ويُعتقد أنها تشكل جزءًا من البنية اللوجستية والعسكرية الداعمة لمليشيا الدعم السريع السودانية.
ويبرز من بين هذه المواقع ما يُعرف بـ"المعسكر 17"، الواقع على بعد نحو 19 كيلومترًا من مدينة بنغازي، والذي يصفه التحقيق بأنه مركز رئيس لتدريب عناصر مليشيا الدعم السريع على تشغيل الطائرات المسيّرة، والرشاشات الثقيلة، وقاذفات الصواريخ، إلى جانب مختلف منظومات الأسلحة، بما يعكس تطورًا في طبيعة القدرات العسكرية التي تتلقاها هذه المليشيا.
واعتمد التحقيق على منهجية جمعت بين مقابلات مع منشقين عن مليشيا الدعم السريع، وضباط في مليشيا حفتر، وتحليل صور الأقمار الصناعية، ومئات المقاطع المصورة المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي، بهدف بناء صورة متكاملة لطبيعة النشاط داخل هذه المعسكرات، وآليات عملها، والأدوار التي تؤديها.
ونقل التحقيق عن أحد المنشقين عن مليشيا الدعم السريع الذي استخدم الاسم المستعار "أحمد" حفاظًا على هويته، أنه أمضى ثلاثة أشهر داخل "المعسكر 17"، تلقى خلالها تدريبات مكثفة على استخدام الأسلحة الثقيلة، من بينها الرشاش السوفيتي "DShK"، وقاذفات "RPG"، وراجمات الصواريخ.
وأضاف أن المدربين لم يكونوا سودانيين أو ليبيين، بل كانوا يتحدثون اللغة الإنجليزية، وتحمل أجساد بعضهم وشومًا مميزة، مشيرًا إلى أن المجندين كانوا يعتقدون أنهم مرتزقة كولومبيون جرى استقدامهم بتمويل إماراتي.
وأوضح المنشق أن المعسكر لم يكن مجرد منشأة مخصصة للتدريب، بل كان يمثل مركزًا لوجستيًا متكاملًا، تمر عبره الإمدادات العسكرية الواصلة إلى ليبيا، قبل إعادة توزيعها على جبهات القتال داخل السودان، وهو ما يشير، بحسب التحقيق، إلى أن دوره يتجاوز إعداد المقاتلين ليشمل إدارة جزء من شبكة الإمداد العسكري.
وتنسجم هذه الإفادات مع ما كشفته منظمة "هيومن رايتس ووتش" في مايو/أيار 2026، عندما وثقت مشاركة مئات المقاتلين الكولومبيين في القتال إلى جانب مليشيا الدعم السريع، وقالت: إن تجنيدهم جرى عبر شركات أمن خاصة مرتبطة بالإمارات، قبل نقلهم إلى المنطقة للمشاركة في التدريب والعمليات العسكرية، في حين نفت أبوظبي هذه الاتهامات.
طريق السلاح والمقاتلين
ولا يتوقف الكشف عند حدود المعسكرات، بل يرسم مسارًا متكاملًا لشبكة الإمداد العسكري التي تعتمدها مليشيا الدعم السريع، بدءًا من وصول المعدات العسكرية إلى شرق ليبيا، وانتهاءً بوصولها إلى جبهات القتال داخل السودان.
ووفقًا لما أوردته المصادر التي استند إليها التحقيق، تدخل المعدات العسكرية عبر ميناء بنغازي، إضافة إلى رحلات شحن تهبط في قواعد عسكرية بشرق ليبيا، قبل نقلها برًا إلى مناطق تجميع في الجنوب الليبي، ومنها إلى الحدود السودانية، عبر مسارات صحراوية يصعب مراقبتها.
وجرى توثيق هذا المسار من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية، ومراقبة الحركة داخل مناطق التدريب، فضلًا عن مراجعة آلاف المقاطع المصورة المنشورة منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل/نيسان 2023، والتي أظهرت وجود عناصر من مليشيا الدعم السريع داخل الأراضي الليبية، رغم النفي الرسمي المتكرر.
وفي السياق ذاته، أوردت وكالة "رويترز"، في تحقيق سابق، أن مطار الكفرة، الواقع في جنوب شرق ليبيا والخاضع لسيطرة مليشيا حفتر، تحول خلال عام 2025 إلى محطة رئيسة ضمن شبكة الإمداد، بعدما رصد محللون عشرات رحلات الشحن التي هبطت فيه، في نمط اعتُبر متسقًا مع عمليات دعم لوجستي لمليشيا الدعم السريع.
كما أشارت الوكالة إلى أن المسار الليبي اكتسب أهمية متزايدة بعد تعقّد خطوط الإمداد التقليدية عبر تشاد، ولا سيما مع انتقال مركز العمليات العسكرية إلى إقليم دارفور، الأمر الذي جعل الجنوب الليبي نقطة عبور رئيسة للمقاتلين والأسلحة والعتاد العسكري المتجه إلى داخل السودان.
ولم تقتصر الأدلة التي أوردها تحقيق "لايتهاوس ريبورتس" على شهادات المنشقين، بل شملت أيضًا تحليل أكثر من 500 مادة مصورة، وتحديد مواقع تصويرها جغرافيًا، وربطها بحركة القوافل العسكرية بين ليبيا والسودان، إلى جانب رصد مواقع تستخدم لتجميع المركبات والأسلحة والذخائر قبل نقلها إلى جبهات القتال، بما يعزز، وفق معدّي التحقيق، فرضية وجود شبكة لوجستية عابرة للحدود تتولى إدارة عمليات الإمداد العسكري لمليشيا الدعم السريع.

أدلة تربط حفتر بالدعم السريع
اعتمدت تحقيقات استقصائية، من بينها ما نشرته منصة "Sudan War Monitor"، بدرجة كبيرة على تقنيات تحليل المصادر المفتوحة (OSINT)؛ إذ حللت آلاف المقاطع المصورة المنشورة على منصات "تيك توك" و"فيسبوك" و"تلغرام"، إلى جانب صور الأقمار الصناعية والبيانات الجغرافية، لتكوين صورة متكاملة عن طبيعة العلاقة بين مليشيا خليفة حفتر ومليشيا الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي".
وخلصت هذه التحليلات إلى وجود مؤشرات على تعاون عسكري ولوجستي وثيق بين الجانبين، استنادًا إلى مجموعة من الأدلة الرقمية والميدانية التي جرى التحقق منها وربطها زمنيًا وجغرافيًا.
ومن بين هذه الأدلة، رصد ظهور حميدتي في عدد من المواد المصورة إلى جانب خليفة حفتر، كما وثق المحققون انتشار مركبات "Toyota Land Cruiser 79" داخل مواقع التدريب والتجميع في شرق ليبيا، وهي المركبات ذاتها التي سبق أن ربطها خبراء الأمم المتحدة بعمليات نقل أسلحة وإمدادات إلى مليشيا الدعم السريع داخل السودان.
كما دعمت صور الأقمار الصناعية روايات المنشقين بشأن وجود ساحات تدريب، ومجمعات للمركبات العسكرية، ومواقع تستخدم لتخزين الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية، وهو ما عزز، بحسب التحقيق، الاستنتاج القائل إن هذه المنشآت لا تؤدي دورًا تدريبيًا فحسب، وإنما تمثل جزءًا من شبكة متكاملة لإدارة خطوط الإمداد العسكري ونقل العتاد إلى داخل السودان.
وفي موازاة ذلك، أشارت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن شركات أمن خاصة مرتبطة بالإمارات شاركت في تجنيد مرتزقة من أميركا الجنوبية، قبل نقلهم عبر مسارات لوجستية شملت الإمارات، ثم مدينة بوصاصو في الصومال، فمدينة بنغازي الليبية، قبل عبورهم الصحراء باتجاه الأراضي السودانية، في مسار وصفته التقارير بأنه يعكس وجود شبكة نقل عابرة للحدود.
كما وثقت منظمة العفو الدولية ظهور أسلحة صينية متطورة بحوزة مليشيا الدعم السريع، من بينها مدافع وقنابل موجهة، معتبرة أن طبيعة هذه الأسلحة وأنماط وصولها تنسجم مع مؤشرات وأدلة أخرى أوردتها تحقيقات وتقارير دولية، تشير إلى وجود شبكة دعم عسكري ولوجستي مرتبطة بالإمارات، في حين تواصل أبوظبي نفي جميع الاتهامات المتعلقة بتقديم أي دعم عسكري لمليشيا الدعم السريع.

حرب تتجاوز حدود السودان
تكشف المعطيات التي أفرزتها التحقيقات الأخيرة أن الحرب السودانية لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع، بل تحوَّلت إلى ساحة تتقاطع فيها شبكات نقل السلاح، وشركات الأمن الخاصة، والمرتزقة، ومسارات الإمداد العابرة للحدود، إلى جانب التنافس الإقليمي والدولي على مناطق النفوذ، بما يجعل الصراع أكثر تعقيدًا واتساعًا من حدوده الجغرافية.
وفي هذا السياق، تصف المؤسسة الألمانية للعلوم والسياسة "SWP" المشهد بأنه جزء من شبكة نفوذ إقليمية أوسع، تمتد من شرق ليبيا وشرق تشاد إلى موانئ البحر الأحمر والقرن الإفريقي، في إطار تنافس جيوسياسي يتجاوز الساحة السودانية، ويمنح خطوط الإمداد والممرات الحدودية أهمية إستراتيجية متزايدة في مسار الحرب.
ويأتي الكشف عن المعسكرات الجديدة في وقت تستعد فيه مليشيا الدعم السريع، وفق تقارير ميدانية، لتكثيف عملياتها العسكرية باتجاه مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى إحدى أهم جبهات القتال وأكثرها حساسية، نظراً لموقعها الإستراتيجي الذي يربط وسط السودان بغربه.
وفي ظل هذا التصعيد، حذرت وزيرة الداخلية البريطانية، إيفيت كوبر، من أن مدينة الأبيض تقف على "حافة وقوع فظائع"، في ظل تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة، واستمرار استهداف البنية التحتية المدنية، الأمر الذي ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية واتساع دائرة الانتهاكات بحق المدنيين.
وخلال جلسة استماع أمام البرلمان البريطاني، قال المدير التنفيذي لمختبر البحوث الإنسانية في كلية ييل للصحة العامة، ناثانييل ريموند: إن المجتمع الدولي أخفق حتى الآن في اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لوقف الانتهاكات في السودان، مقدرا أن بريطانيا، بصفتها الدولة التي تتولى صياغة ملفات السودان في مجلس الأمن، لا تزال تمتلك فرصة للقيام بدور أكثر تأثيراً في الحد من اتساع رقعة الصراع، وتعزيز الجهود الدولية الرامية إلى حماية المدنيين.
ورغم استمرار النفي الصادر عن الإمارات، ومليشيا خليفة حفتر، ومليشيا الدعم السريع، فإن تراكم التحقيقات الاستقصائية، وتحليلات المصادر المفتوحة، وصور الأقمار الصناعية، وشهادات المنشقين، وتقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، يرسم صورة تتزايد وضوحاً عن وجود شبكة إمداد عسكرية ولوجستية عابرة للحدود، أصبحت فيها مناطق جنوب وشرق ليبيا حلقة محورية في الحرب السودانية.
وفي هذا السياق، يمثل الكشف عن "المعسكر 17" أحدث حلقات هذه الشبكة وأكثرها دلالة، ليس فقط لكونه يسلط الضوء على منشأة تدريب عسكرية جديدة، وإنما لأنه يعزز، وفق نتائج التحقيقات، الفرضية القائلة: إن النزاع السوداني بات جزءاً من صراع إقليمي متعدد الأطراف، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الجيوسياسية وشبكات النفوذ العابرة للحدود.

عقدة التوازنات
وقال السياسي السوداني الدكتور إبراهيم عبد العاطي، في تصريحات لـ"الاستقلال": إن التحولات الجارية في الجنوب الشرقي من ليبيا لم تعد تقتصر على توسيع نطاق نفوذ مليشيا الدعم السريع أو على طبيعة التنسيق القائم بينها وبين مليشيا خليفة حفتر، كما لم تعد تعكس مجرد التشابكات الحدودية التقليدية بين ليبيا والسودان، بل أصبحت جزءًا من مشروع سياسي وعسكري أوسع يهدف إلى بناء تفاهمات إقليمية مع تشاد والنيجر، وإحكام السيطرة على المسارات الحيوية المؤثرة في الحرب السودانية.
وأضاف أن هذه التحولات حولت الجنوب الشرقي الليبي من فضاء حدودي محلي إلى مركز إقليمي مؤثر، يربط شرق ليبيا بمسارات الصراع في السودان ودول الجوار، ويمنح الجهات المسيطرة عليه قدرة متزايدة على التأثير في موازين القوى وحركة الإمدادات العسكرية واللوجستية.
وأوضح عبد العاطي أن المنطقة باتت تمثل نقطة توازن بين ثلاثة أطراف رئيسة، تتصدرها الإمارات التي تنظر إلى خليفة حفتر بصفتها بوابتها نحو العمق الإفريقي، وتوظف، بحسب تقديره، شبكات التمويل والإمداد والوقود، إلى جانب إقامة معسكرات تدريب، مثل "المعسكر 17"، في إطار دعم العمليات المرتبطة بالحرب السودانية.
وأضاف أن مليشيا الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، بالتنسيق مع مليشيا حفتر وبدعم إماراتي، أصبحت تسيطر على ممر حدودي إستراتيجي يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في خطوط الإمداد، سواء عبر الإبقاء عليها مفتوحة أو تعطيلها، بما ينعكس بصورة مباشرة على مسار العمليات العسكرية داخل السودان.
وأشار إلى أن هذا المشهد يحظى بمتابعة دقيقة من الولايات المتحدة عبر قيادة "أفريكوم"، ومن فرنسا بحكم وجودها العسكري في تشاد، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية المعنية بملفي الهجرة والأمن الإقليمي، موضحًا أن هذه الأطراف تراقب باهتمام تنامي النفوذ الإماراتي في المنطقة، ولا تنظر بعين الارتياح إلى تحول الجنوب الشرقي الليبي إلى قاعدة دائمة لهذا النفوذ، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات تتجاوز الساحة السودانية.
ورأى عبد العاطي، في المقابل، أن التحركات الغربية لا تزال محصورة في الإطارين السياسي والدبلوماسي، ولم ترتقِ حتى الآن إلى مستوى امتلاك أدوات ضغط فعالة يمكن أن تحدّ من تعميق الدعم الذي تتهم تقارير دولية الإمارات بتقديمه لمليشيا الدعم السريع، أو من توسع شبكات الإمداد المرتبطة بالحرب.
وحذر من أن استمرار هشاشة الوضع الأمني في الجنوب الشرقي الليبي، بالتوازي مع تنامي الحضور الإماراتي واستمرار الحرب في السودان، يجعل المنطقة مرشحة لمزيد من التوتر وعدم الاستقرار، وقد يحوّلها إلى بؤرة صراع إقليمي مفتوحة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الجيوسياسية، بما ينعكس على أمن ليبيا والسودان ودول الجوار على حد سواء.
















