من التجنيد الإجباري إلى جيش المتطوعين.. كيف تعيد سوريا بناء مؤسستها العسكرية؟

"التطوع يشكل أساسا لإعادة تدريب وتأهيل العناصر في الجيش"
لطالما ارتبطت صورة الجيش في ذاكرة كثير من السوريين بعقود من التجنيد الإجباري، الذي لم يكن مجرد خدمة عسكرية، بل تجربة اختلطت فيها مشاعر الخوف والإكراه وفقدان الثقة بالمؤسسة العسكرية.
ومع سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بدأت مرحلة جديدة تسعى من خلالها السلطات السورية إلى إعادة تعريف دور الجيش، لينتقل من مؤسسة ارتبطت بالحكم السابق إلى مؤسسة وطنية يُفترض أن تقوم على الاحتراف والانتماء والتطوع.

التطوع في الجيش
وفي خطوة تمثل بداية قطيعة مع إرث التجنيد الإجباري، افتتح وزير الدفاع السوري اللواء مرهف أبو قصرة، في 2 يوليو/تموز 2026، مبنى إدارة التجنيد والتعبئة في العاصمة دمشق، بعد استكمال أعمال الصيانة وإعادة التأهيل، وذلك بحضور مدير الإدارة العميد بدر الدين قصاص وعدد من الضباط.
وأكد أبو قصرة، خلال الافتتاح، أهمية الدور الذي تضطلع به الإدارة في رفد الجيش العربي السوري بالمتطوعين الجدد، مشدداً على ضرورة تسهيل وتنظيم إجراءات انضمامهم وفق الأطر والأنظمة المعتمدة.
من جهته، أكد مسؤول إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع، عاصم غليون، أن افتتاح مبنى إدارة التجنيد والتعبئة المركزي في دمشق يأتي خطوة جديدة في مسار البناء والتطوير.
وأوضح غليون أن "هذا المكان الذي ارتبط في ذاكرة السوريين بالخوف وسوق الشباب قسراً إلى خدمة إلزامية سُخرت لحماية المجرمين، أصبح اليوم مقصداً للراغبين في التطوع لخدمة سوريا وشعبها".
وكانت وزارة الدفاع السورية قد افتتحت، في 16 فبراير/شباط 2026، مركزاً للتجنيد في محافظة الرقة، بهدف تنظيم استقبال المتقدمين للخدمة وتسهيل إجراءات التسجيل، ضمن إطار إعادة هيكلة وتنظيم العمل العسكري في المنطقة.
كما أعلنت إدارة التجنيد والتعبئة في وزارة الدفاع، في أغسطس/آب 2025، افتتاح مراكز للتجنيد والتعبئة في مختلف المحافظات، لاستقبال طلبات الراغبين في التطوع ضمن صفوف الجيش العربي السوري.
وارتبطت إدارة التجنيد والتعبئة في ذاكرة السوريين بالخوف منذ عهدَي حافظ وبشار الأسد (1971-2024)، بعدما ارتبطت بسوق الشباب قسراً إلى الخدمة الإلزامية التي سُخرت لحماية رأس النظام السابق وأركان حكمه.
كما ارتبط الجيش السوري خلال عهدَي حافظ وبشار الأسد بصورة نمطية تقوم على إذلال الجنود وربط حب الوطن بمدى الولاء للقائد.
وعقب سقوط نظام بشار الأسد، أعلنت السلطات الجديدة حل الجيش والأجهزة الأمنية، وإلغاء التجنيد الإلزامي، والعمل على بناء جيش احترافي جديد قوامه فصائل المعارضة والمتطوعون الجدد.
وأكدت وزارة الدفاع، في 28 يونيو/حزيران 2025، أن "الجيش في صيغته الجديدة سيكون أكثر عدلاً واحترافية، وأن دور الشباب محوري في صناعة مستقبل سوريا الآمنة والقوية".
كما نجحت الوزارة في نقل فصائل المعارضة المسلحة ودمجها ضمن تشكيلات عسكرية جديدة توزعت على مختلف المحافظات.

بناء الثقة
وبما أن الجيش يمثل أحد أبرز رموز الدولة وسيادتها، فإن بناء جيش سوري جديد على أسس احترافية يتطلب، وفق خبراء، الاعتماد على قواعد علمية وأكاديمية وقانونية واضحة.
وفي هذا الإطار، تراهن وزارة الدفاع السورية على انخراط الشباب في صفوف الجيش باعتباره عاملاً يعزز الشراكة الوطنية، ويمنحهم دوراً مباشراً في بناء المؤسسة العسكرية على أسس جديدة تعتمد التطوع بدلاً من التجنيد الإجباري الذي كان سائداً في عهد نظام الأسد.
وخلال العام الأخير، افتتحت وزارة الدفاع مديريات للتجنيد والتعبئة في مختلف المحافظات بهدف إشراك أبناء المناطق كافة في تشكيل الجيش السوري الجديد.
ويرى خبراء أن التطوع عبر هذه المديريات يعكس تحولاً في فلسفة التجنيد، من تجربة ارتبطت لدى كثير من السوريين بالإكراه والانتهاكات والفساد، إلى نموذج يقوم على الالتحاق الطوعي وفق ضوابط معلنة تضمن الحقوق والكرامة.
كما يُنظر إلى افتتاح هذه المديريات بصفته جزءاً من جهود أوسع لترسيخ الاستقرار، وتعزيز الأمن، وإعادة بناء الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، بما يدعم مسار التعافي وإعادة بناء الدولة بعد سنوات الحرب.
ويُنظر أيضاً إلى التطوع في الجيش بوصفه جزءاً من مشروع إعادة بناء المؤسسة العسكرية بصفتها إحدى ركائز الدولة، بما يسهم في بسط سلطة الدولة وتعزيز الأمن والاستقرار.
وفي هذا السياق، قال رئيس مركز "رصد" السوري للدراسات الإستراتيجية، العميد عبد الله الأسعد، في تصريح لـ"الاستقلال": "ما جرى ترميمه وتجهيزه هو شعبة التجنيد المركزية التي كانت تُعرف باسم إدارة التجنيد العام في زمن النظام البائد، وهذا يعني انتهاء مرحلة الخوف من السوق العسكري؛ إذ أصبح السوريون يتوجهون اليوم إلى التطوع بإرادتهم ورغبتهم، ليكونوا عناصر فاعلة في الأمن العام وفي هذه المرحلة المهمة من عمر الدولة السورية".
وأضاف الأسعد أن "المؤسسة العسكرية تعمل على إزالة كل العوائق التي كانت تحول دون انخراط السوريين في مؤسسات الدولة كما كان الحال في عهد النظام البائد".
وأوضح أن إدارة التجنيد والتعبئة الجديدة أصبحت المركز الرئيس الذي تُؤرشف فيه بيانات الجنود والضباط، وتصدر من خلاله التعليمات الخاصة بعمليات التجنيد والتعبئة في البلاد، وفق معايير مهنية وأكاديمية.
واستدرك قائلاً: "كما تُناط بإدارة التجنيد والتعبئة مهمة إصدار التعليمات لشُعب التجنيد في المحافظات، بما يتعلق بشروط قبول العناصر الجدد وآليات الانتساب إلى مختلف الاختصاصات العسكرية، سواء القتالية أو الهندسية أو الفنية أو التقنية وغيرها".
وأشار الأسعد إلى أن "هناك نقطة مهمة تتمثل في الانتقال من التجنيد الإجباري إلى التطوع، إذ يمثل التطوع تحولاً في فلسفة الخدمة العسكرية، حيث ينضم الأفراد بإرادتهم وقناعتهم، بعد إلغاء التجنيد الإجباري الذي ارتبط سابقاً بالإكراه وسوء المعاملة".
كما رأى أن "فتح مراكز التجنيد في مختلف المحافظات يتيح استيعاب الأعداد المطلوبة وتوزيعها على الوحدات وفق الاحتياجات العملياتية لكل منطقة".
وأضاف: "أن فتح باب التطوع يهدف إلى استكمال بناء التشكيلات العسكرية الجديدة، من فرق وألوية وكتائب وسرايا، ضمن هيكلية حديثة".

استقطاب الكفاءات
وبينما تتجه دمشق إلى إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، أبدت عدة دول استعدادها للمساهمة في تطوير قدرات الجيش السوري، من بينها تركيا وبريطانيا والتشيك.
ففي 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت أنقرة أنها ستسمح لجنود سوريين باستخدام ثكنات عسكرية تركية للتدريب بهدف تعزيز قدراتهم العسكرية، فيما سيبدأ 49 طالباً سورياً الدراسة في الأكاديميات العسكرية التركية.
وكان البلدان قد وقعا، في أغسطس/آب 2025، اتفاقاً للتدريب والاستشارات العسكرية، تعهدت تركيا بموجبه بتزويد دمشق بمنظومات تسليح ومعدات دعم لوجستي، إلى جانب تدريب الجيش السوري على استخدامها، فضلاً عن التعاون في مجالات عسكرية أخرى.
كما التقى وزير الدفاع السوري اللواء مرهف أبو قصرة، في 10 يونيو/حزيران 2025، الملحق العسكري والجوي التشيكي المقدم ستانيسلاف فاتشيك، حيث بحث الجانبان سبل تعزيز التعاون العسكري وتبادل الخبرات في المجالات الدفاعية.
وتعد التشيك من الدول المتقدمة في إنتاج وبيع الأسلحة بمختلف أنواعها، إذ تمتلك تاريخاً طويلاً في الصناعات الدفاعية يعود إلى الحقبة التشيكوسلوفاكية، التي عُرفت بقدراتها الكبيرة في تصنيع الأسلحة والمعدات العسكرية. كما تضم البلاد عدداً من الشركات المتخصصة في إنتاج الأسلحة الخفيفة، والمدرعات، والذخائر، والطائرات العسكرية، إلى جانب أنظمة الرادار والمعدات الدفاعية.
وسبق أن استقبل أبو قصرة، في منتصف مايو/أيار 2025، وفداً من الملحقية العسكرية البريطانية برئاسة شارلز سميث، في مقر الوزارة بدمشق، حيث بحث الجانبان عدداً من القضايا المشتركة، مع التركيز على سبل تطوير التعاون العسكري وبناء قدرات الجيش، بما يسهم في تعزيز الاستقرار في المنطقة.
وفي هذا الصدد، يؤكد الأسعد أهمية "استقطاب الكفاءات والتخصصات، إذ يعتمد الجيش على المتطوعين لتغطية اختصاصات متنوعة، مثل المدفعية، والدبابات، والحرب الإلكترونية، والإمداد والتموين، والشؤون الفنية والإدارية، بدلاً من الاعتماد على عناصر المشاة فقط".
وأضاف أن "التطوع يشكل أساساً لإعادة تدريب وتأهيل العناصر، ورفع كفاءة الجيش من خلال برامج التدريب والتخصص داخل سوريا وخارجها، بما يعزز جاهزية المؤسسة العسكرية".
ويؤكد خبراء أن نجاح عملية التطوع في الجيش السوري يتطلب توفير المساكن ومراكز الإقامة، والدعم المالي واللوجستي، إلى جانب تطوير إدارات الجيش المختلفة لاستيعاب الأعداد الجديدة من المتطوعين.


















