رغم اعتراض إسرائيل.. كيف أصبح يهود سوريا ورقة دعم لحكومة الشرع؟

“الدور اليهودي كان حاسما”
رغم الاعتراض الإسرائيلي، وفق إعلام عبري، برز دور يهود سوريا في الولايات المتحدة كحلقة غير متوقعة داخل حملة سياسية أسهمت في الدفع نحو رفع العقوبات عن دمشق، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة هذا التحالف ودلالاته في مرحلة ما بعد نظام الأسد.
وفي 19 ديسمبر/كانون الأول 2025، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026، فسقط معه "قانون قيصر" الذي عزل سوريا عن النظام المالي الدولي ستة أعوام.

ثلاث رحلات
وأفاد موقع "تايمز أوف إسرائيل" العبري بأن وراء ذلك القرار حملة استمرت عاما كاملا، قادها سوري أميركي من أبناء لاجئين فلسطينيين ومعه عائلة يهودية سورية، في مواجهة اعتراض إسرائيلي مباشر.
فمعاذ مصطفى، المدير التنفيذي لفريق الطوارئ السوري "SETF"، هو نفسه من قاد حملة الضغط التي أنتجت قانون قيصر عام 2019، بعد تسريب صور التعذيب في سجون بشار الأسد.
وأوضح الموقع أن العقوبات التي خنقت نظام الأسد باتت بعد سقوطه تهدد بخنق الحكومة الجديدة، فاتجه مصطفى إلى حليف غير متوقع، هو هنري حمرة، الحاخام في الجالية اليهودية السورية بنيويورك.
ووضع هذا التحالف يهودا سوريين أميركيين بارزين في مواجهة الحكومة الإسرائيلية التي ما زالت شديدة الحذر من الحكم الجديد في دمشق.
ووفق الموقع، يرى مصطفى أن “الدور اليهودي كان حاسما”. متسائلا "هل كان قانون قيصر ليُرفع من دون الجالية اليهودية السورية؟ لا أعتقد ذلك".
وعلى مدار العام الفاصل بين سقوط الأسد وإلغاء العقوبات، نظم فريق الطوارئ السوري ثلاث رحلات إلى سوريا، التقى فيها يهود سوريون وأميركيون مسؤولين سوريين كبارا وزاروا مواقع يهودية تاريخية.
ولم يُخفِ أستاذ الدراسات العبرية واليهودية في جامعة نيويورك، لورانس شيفمان، الطابع البراغماتي لهذا الانفتاح، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه كان صادقا.
وقال: "لنكن واقعيين، كانوا يمهدون لإقامة علاقات جيدة مع اليهود السوريين، وكانوا بحاجة إلى مساعدة أميركية".
وأضاف شيفمان أن "يهود سوريا في الولايات المتحدة أدوا، إلى حد ما، دورا شبيها بالدور الذي اضطلعت به منظمات يهودية من خلال زياراتها إلى الإمارات والسعودية، لتمهيد الطريق قبل الزيارات الرسمية".
واستدرك قائلا: "لم نتفاوض معهم، بل ذهبنا للاستماع إلى آرائهم، وكانت المهمة بادرة حسن نية".
معركة الكونغرس
وبلغت الحملة ذروتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بزيارة إلى واشنطن، سعى خلالها الرجلان إلى إدراج بند إلغاء قانون قيصر ضمن قانون الدفاع قبل التصويت عليه.
وفي لقاء مع النائب الجمهوري جو ويلسون، سأل الأخير الحاخام يوسف حمرة إن كانت القيادة السورية الجديدة ستكون خيرا لسوريا، فجاء الجواب مقتضبا "أعتقد أن كل إنسان يستحق فرصة ثانية".
ويقول ابنه هنري: إن تلك الجملة هي ما غيّر موقف النائب.
وأكد متحدث باسم ويلسون تكرار اللقاءات قبل التصويت، وأن النائب استشهد بموقف الحاخام مرارا وهو يقنع زملاءه.
وتحول ويلسون منذ ذلك الحين إلى منتقد صريح للتوغلات الإسرائيلية في سوريا بعد سقوط الأسد، مقدرا أنها تعطل تعافي البلاد.
وأضاف مصطفى أن شهادة عائلة حمرة أسهمت كذلك في استمالة النائب الديمقراطي، غريغوري ميكس، كبير الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية، والجمهوري فرينش هيل، وكلاهما وقف في وجه تخفيف العقوبات.
أما أحمد شعراوي، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، فيردّ القرار إلى مسار آخر، ويرى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أقنع ترامب برفع العقوبات خلال زيارته الرياض في مايو/أيار 2025، في محادثة واحدة على الأرجح.
وهناك التقى ترامب الشرع للمرة الأولى.
وحصر شعراوي الدور اليهودي في الكونغرس تحديدا؛ لأن إلغاء قانون قيصر كان يحتاج إلى تصويت تشريعي.

اعتراض إسرائيلي
ولم يكن الاعتراض الإسرائيلي خافيا -بحسب "تايمز أوف إسرائيل"- ففي الأيام التي تلت سقوط الأسد، دمرت الغارات الإسرائيلية ما يصل إلى 80 بالمئة من القدرات العسكرية الإستراتيجية السورية.
واستعاد مصطفى سقوط صاروخ عند الباب الأمامي للقصر الرئاسي بعد ساعة من مغادرته اجتماعا استمر أربع ساعات مع الشرع، ونقل عن الرئيس السوري قوله "لا أريد العودة إلى الحرب 7 آلاف سنة أخرى".
وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنه لن يسمح لقوات موالية للحكم الجديد بالعمل في جنوب سوريا، وطالب بنزع سلاح محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء بالكامل.
وأفاد مسؤول إسرائيلي للموقع بأن نتنياهو طلب من ترامب شخصيا عدم رفع العقوبات خلال زيارة إلى واشنطن، متذرعا بمخاوف من هجوم عابر للحدود شبيه بهجوم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتحدثت تقارير واسعة عن ضغوط مارسها وزير الشؤون الإستراتيجية، رون ديرمر، المقرب من نتنياهو، على الكونغرس لإبقاء العقوبات، أو لحفظ شروط تتيح إعادة فرضها.
وداخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ترى مؤسسة مركز "ألما" للأبحاث والتعليم، ساريت زهافي، أن “الحكومة السورية الجديدة إسلامية في كل شيء عدا الاسم”.
وزعمت زهافي، وهي من أصول دمشقية، أنها فوجئت بتحرك أبناء جاليتها، وقالت "يبدو من غير المنطقي أن يسعى يهود يعيشون في بروكلين إلى رفع العقوبات عن شخص كان في تنظيم القاعدة".
واحتفظت بانتقادها الأشد لإدارة ترامب؛ لأنها رفعت العقوبات دون شروط، وطالبت بمطالب محددة زمنيا ومعايير قياس تثبت أن الشرع هو فعلا ما كان الجميع يأمل أن يكون.
وأضافت "رفعوها دون أي شروط، تلك هي المشكلة الأساسية"، مبدية شكّها في أن يخدم القرار هدف إعادة تأسيس مؤسسات يهودية في دمشق.
وكان يوسف حمرة مقررا أن يدلي بشهادته أمام لجنة هلسنكي في الكونغرس، غير أن الجلسة أُلغيت.
وجاء في نسخة من كلمته المعدة أن قانون قيصر "يعاقب اليوم الشعب السوري، مسلمين ومسيحيين ويهودا، عربا وكردا، على جرائم نظام أُطيح به".
وترشح هنري حمرة بعد ذلك للبرلمان في أول انتخابات مفتوحة تشهدها سوريا منذ استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963.
وقبل لقائه ترامب، دعا الحاخام يوسف حمرة لأحمد الشرع بالبركة، مرتديا قلنسوته.
















