مونديال 2026.. فلسطين تقتحم المدرجات وفضائح السياسة تلاحق البطولة

حضور قوي للقضية الفلسطينية في الفضاءات الجماهيرية المصاحبة للمونديال.
في قلب كأس العالم 2026 الذي تستضيفه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لم تقتصر المنافسة على المستطيل الأخضر، بل امتدت إلى ساحات السياسة والهوية وحقوق الإنسان، حيث كشفت البطولة منذ أيامها الأولى عن تناقضات حادة بين الشعارات المرفوعة حول الحرية والمساواة والانفتاح، وبين ممارسات أثارت اتهامات بازدواجية المعايير والتمييز وتسييس الرياضة.
فبينما رُوّج للمونديال بوصفه احتفالا عالميا يوحد الشعوب والثقافات تحت راية كرة القدم، تحولت بعض أحداثه إلى مادة للجدل السياسي والإعلامي، وسط اتهامات بأن الولايات المتحدة تسعى إلى توظيف الحدث الرياضي الأكبر في العالم لتحسين صورتها الدولية، في وقت تواجه فيه انتقادات واسعة بسبب سياساتها الخارجية ودعمها لإسرائيل خلال الحرب على غزة.
وجسدت سلسلة من الوقائع المثيرة هذا التداخل بين الرياضة والسياسة، من رفع الجماهير المغربية أعلام فلسطين في قلب نيويورك، إلى أزمة التأشيرات التي طالت أعضاء من الوفد الإيراني، ومنع الحكم الصومالي عمر عرتن من المشاركة في إدارة المباريات، وصولا إلى الانتقادات الحادة التي وجهها نجم الكرة المصرية السابق محمد أبو تريكة لتنظيم البطولة.
ويأتي ذلك في النسخة الثالثة والعشرين من كأس العالم التي تقام بين 11 يونيو/حزيران و19 يوليو/تموز 2026، بمشاركة 48 منتخبا للمرة الأولى في تاريخ المسابقة، في حدث كان يفترض أن يكون عرسا رياضيا عالميا، لكنه وجد نفسه مبكرا في مواجهة أسئلة تتعلق بحرية التعبير والتمييز السياسي والعنصري وحدود الفصل بين الرياضة والسياسة.
فلسطين حاضرة في نيويورك
من أبرز المشاهد التي لفتت الأنظار خلال الأيام الأولى للبطولة، الحضور القوي للقضية الفلسطينية في الفضاءات الجماهيرية المصاحبة للمونديال.
ففي 13 يونيو/حزيران 2026، احتشد آلاف المشجعين المغاربة في ساحة تايمز سكوير الشهيرة بمدينة نيويورك قبل وبعد مباراة منتخب بلادهم أمام البرازيل التي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله، رافعين الأعلام الفلسطينية إلى جانب الأعلام المغربية، ومرددين هتافات داعمة لفلسطين.
ولم يمر المشهد دون صدى واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول ناشطون مقاطع مصورة وصورا للمشجعين وهم يرفعون الكوفية الفلسطينية ويهتفون للحرية، مقدرين أن الجماهير نجحت في تحويل أحد أشهر ميادين العالم إلى منصة تضامن مع الشعب الفلسطيني.
ورأى كثيرون أن هذه المشاهد تؤكد استمرار حضور القضية الفلسطينية في الوعي الشعبي العربي والإسلامي، رغم محاولات تهميشها أو إبعادها عن الأحداث الرياضية العالمية.
كما رأى ناشطون أن رفع الأعلام الفلسطينية في قلب الولايات المتحدة يحمل دلالة خاصة، نظرا إلى الدور الأميركي في دعم إسرائيل سياسيا وعسكريا، ما جعل المشهد يبدو وكأنه رسالة سياسية من الشارع إلى صناع القرار أكثر منه مجرد تعبير جماهيري عابر.
وأكدت تعليقات واسعة أن الجماهير المغربية حافظت على تقليد بات ملازما لحضورها في البطولات الكبرى منذ مونديال قطر 2022، حين تحولت المدرجات والساحات العامة إلى فضاءات للتضامن مع فلسطين، في مشهد يتكرر اليوم داخل الولايات المتحدة نفسها.
أبو تريكة يهاجم التنظيم
وفي موازاة الحضور السياسي للقضية الفلسطينية، أثارت تصريحات محمد أبو تريكة جدلا واسعا بعدما وصف تنظيم كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة بأنه "الأسوأ في التاريخ".
وقارن نجم الكرة المصرية السابق بين مونديال قطر 2022 الذي عده الأفضل من حيث التنظيم والأجواء الجماهيرية، وبين النسخة الحالية التي شهدت، بحسب رأيه، مشكلات متكررة تتعلق بالتأشيرات والتحكيم والنقل والظروف المناخية.
ولم يكتف أبو تريكة بالانتقاد الفني والتنظيمي، بل ربط استضافة الولايات المتحدة للبطولة بمحاولات "غسل السمعة" بعد الانتقادات الموجهة إليها بسبب دورها في الحرب على غزة ودعمها لإسرائيل.
وأثارت تصريحاته تفاعلا واسعا بين مؤيدين رأوا أنها تعبر عن واقع بدأت ملامحه تظهر مع انطلاق البطولة، ومعارضين رأوا أن تقييم البطولة ما زال مبكرا.
لكن المؤكد أن تصريحات أبو تريكة أعادت فتح النقاش حول العلاقة بين الرياضة والسياسة، وحول قدرة الأحداث الرياضية الكبرى على تحسين صورة الدول المستضيفة أو التغطية على ملفاتها السياسية والحقوقية.
أزمة إيران
ومن القضايا التي أثارت اهتماما واسعا كذلك، أزمة التأشيرات التي واجهها الوفد الإيراني المشارك في البطولة.
فبينما حصل عدد محدود من أعضاء البعثة الإيرانية على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة، بقي عدد آخر من المسؤولين وأعضاء الجهاز الفني من دون تأشيرات، ما أثار احتجاجات إيرانية رسمية.
واتهمت طهران واشنطن بالتعامل بانتقائية مع الوفد الإيراني، مقدرة أن ما جرى يتعارض مع التزامات الدولة المضيفة تجاه المنتخبات المشاركة في كأس العالم.
وتأتي هذه الأزمة في ظل توتر سياسي وعسكري غير مسبوق بين البلدين خلال الأشهر الأخيرة، بعد الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران مطلع عام 2026.
ورأى مراقبون أن ما حدث يعكس صعوبة الفصل بين التقديرات السياسية والالتزامات الرياضية، خصوصا عندما تكون الدولة المستضيفة طرفا مباشرا في نزاعات إقليمية أو دولية مع بعض الدول المشاركة.
اتهامات بالعنصرية
ولم تتوقف الانتقادات عند أزمة الوفد الإيراني، بل امتدت إلى قضية الحكم الصومالي عمر عرتن الذي مُنع من دخول الولايات المتحدة للمشاركة في إدارة مباريات البطولة.
وأثارت القضية موجة استياء واسعة، خصوصا في الأوساط الإفريقية؛ حيث رأى كثيرون أن ما حدث يمثل نموذجا للتمييز الذي يواجهه القادمون من بعض الدول النامية، حتى في إطار حدث رياضي عالمي يفترض أن يقوم على مبدأ المساواة بين المشاركين.
كما فتحت الواقعة الباب أمام انتقادات جديدة للسياسات الأميركية المتعلقة بالتأشيرات والهجرة، والتي انعكست بشكل مباشر على واحدة من أهم البطولات الرياضية في العالم.
ورأى ناشطون أن منع حكم دولي مؤهل من أداء مهامه بسبب تقديرات إدارية أو سياسية تسيء إلى صورة البطولة وإلى مصداقية الشعارات التي ترفعها الدول الغربية بشأن الانفتاح والتنوع.
رياضة أم سياسة؟
وأمام هذه الوقائع المتلاحقة، وجد مونديال 2026 نفسه في قلب نقاش عالمي حول حدود العلاقة بين الرياضة والسياسة.
ففي الوقت الذي تحرص فيه المؤسسات الرياضية الدولية على التأكيد أن البطولات الكبرى يجب أن تبقى بعيدة عن الصراعات السياسية، تظهر الأحداث المتكررة أن الملاعب والمدرجات والساحات الجماهيرية أصبحت جزءا من المجال العام الذي تعبر فيه الشعوب عن مواقفها وقضاياها.
ومن رفع الأعلام الفلسطينية إلى أزمات التأشيرات والاتهامات بالتمييز، يبدو أن كأس العالم 2026 يقدم نموذجا جديدا لصعوبة الفصل بين الرياضة والواقع السياسي.
وربما تكشف الأيام المقبلة من البطولة مزيدا من هذه التناقضات، لكن ما بات واضحا منذ الآن هو أن المونديال الحالي لا يُختزل في الأهداف والنتائج فقط، بل تحول أيضا إلى ساحة تعكس صراعات العالم وأسئلته الكبرى حول العدالة والحرية والمساواة وحق الشعوب في إيصال أصواتها إلى المنابر الأكثر مشاهدة وتأثيرا على مستوى العالم.
إنسانية أبو تريكة
وأثار النجم المصري أبو تريكة المحلل الرياضي في قنوات بين سبوت جدلاً واسعاً في 11 يونيو 2026 أثناء الاستوديو التحليلي لافتتاح مونديال 2026؛ حيث توقع أن تكون النسخة "أفشل كأس عالم في التاريخ" بسبب المشاكل التنظيمية المبكرة، ودافع عن تنظيم المغرب وقطر، وربط الأمر بقضايا سياسية.
وانتقد المشاكل الحاصلة في كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة الأميركية على وجه التحديد، مؤكدا أن أميركا تسعي إلى تبييض صورتها عن طريق تنظيم المونديال، بقوله: "من يرِد أن يغسل سمعته؛ ينظمْ كأس العالم.. هذه الكأس ستكون الأسوأ، والمشاكل فيها بدأت قبل انطلاقتها".
وانقسمت الآراء بشدة حول تصريحات أبو تريكة؛ إذ أثنى فريق على جرأته وثباته على مبادئه، مقدرين كلامه "كلمة حق" تكشف حقيقة التنظيم، فيما انتقده آخرون واتهموه بخلط الرياضة بالسياسة، وطالبوه بالتركيز على الجانب الرياضي فقط، مما أجج نقاشات حول دور النجوم في القضايا العامة.
تعسف ضد إيران
وبينما يستنكر البعض على أبو تريكة خلط الرياضة بالسياسة تصر الولايات المتحدة الأميركية على "تسيس الرياضة"، بمنحها تأشيرات لـ4 فقط من وفد إيران المشارك في نهائيات كأس العالم 2026، ومنعها 11 عضوا آخر من السفر لحضور المنافسات.
وقالت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إسنا): "نجح الاتحاد الكروي، في إطار جهوده المستمرة للحصول على تأشيرات لأعضاء المنتخب الوطني للمشاركة في كأس العالم، في الحصول على تأشيرات لأربعة أعضاء من الفريق".
وتابعت: "تمكن كل من أوميد جمالي (مسؤول الشؤون الدولية)، وعلي أفزالي (مسؤول الشؤون الدولية)، ومسعود أردشير (مسؤول الاحتجاز)، ومهر بويا أسدي (محلل) من الحصول على تأشيرات لحضور الولايات المتحدة، لكن 11 عضواً آخر من أعضاء الفريق لم يتلقوا تأشيراتهم بعد".
واتهمت إيران الأسبوع الماضي الولايات المتحدة برفض منح تأشيرات دخول لأعضاء "أساسيين" من الجهاز الفني لمنتخبها الوطني لكرة القدم، وذلك في أعقاب تصريحات مسؤولين في واشنطن بأن اللاعبين الإيرانيين قد حصلوا على إذن بالسفر إلى البلاد للمشاركة في البطولة.
وقامت إيران بنقل مقر إقامتها في كأس العالم إلى المكسيك رغم أن جميع مبارياتها تقام على الأراضي الأميركية بسبب مخاوف ناجمة بشأن سلامة بعثة المنتخب في ظل حالة الحرب القائمة منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي.
ويلعب المنتخب الإيراني ضد نيوزيلندا في 15 يونيو/حزيران في لوس أنجلوس في مباراته الأولى في البطولة التي تستضيفها كل من كندا والمكسيك والولايات المتحدة، وسيعودون إلى المدينة لمواجهة بلجيكا في 21 يونيو، قبل أن يواجهوا مصر في سياتل في 26 يونيو.
ورأى متابعون في منع التأشيرات عن أعضاء الوفد الإيراني استمرارا للتوتر السياسي بين واشنطن وطهران رغم ما تقرر من توقيع اتفاق بين الطرفين اليوم 14 يونيو، ودليلاً على "تسييس الرياضة"، مقدرين أن أميركا تستخدم التأشيرات كأداة ضغط حتى في المناسبات الرياضية.
وأعربوا عن تعاطف مع المنتخب الإيراني كضحية للمعاملة التمييزية وخلط أميركا السياسة بالرياضة ودعوا لمقاطعتها أو تغيير مكان استضافة بعض المباريات، ودافعوا عن حق إيران في مشاركة وفدها ومشجعيها في المونديال دون عوائق.
عنصرية فاضحة
ولم يكن رفض منح التأشيرات لأعضاء الوفد الإيراني المشكلة الوحيدة التي ظهرت في البطولة؛ إذ تم منع مشجعين من بعض الدول من الدخول، كما منع الحكم الصومالي عمر عرتن من دخول الولايات المتحدة لإدارة مباريات كأس العالم في مطار ميامي الدولي، رغم امتلاكه التأشيرة والوثائق المطلوبة.
فقد حرم عرتن من دخول الولايات المتحدة الأميركية، رغم كونه مرشحا ليصبح أول حكم من بلاده يشارك في إدارة مباريات كأس العالم لكرة القدم، وعاد إلى مقديشو؛ إذ تعد الصومال من بين الدول المدرجة ضمن قائمة حظر السفر المفروضة من قبل أميركا.
وادعى مسؤول بوزارة الخارجية الأميركية أن عرتن "مرتبط بأفراد يشتبه بانتمائهم إلى منظمات إرهابية"، ما يجعله "غير مؤهل لدخول" الولايات المتحدة.
وأثارت القضية غضبا واسعا في الصومال، وسلطت الضوء على التوترات المرتبطة بسياسة الهجرة الأميركية الصارمة التي تنتهجها إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه القادمين إلى الولايات المتحدة.
وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا قد عين عرتن ضمن قائمة تضم 52 حكما لإدارة مباريات نهائيات كأس العالم.
ويزاول عمر عرتن مهامه في الدوري الوطني الصومالي منذ حصوله على الشارة الدولية من فيفا سنة 2018، كما شارك في إدارة مباريات نهائيات كأس أمم إفريقيا 2023 بالجزائر، ونال في عام 2025 جائزة أفضل حكم رجال من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم.
وعقب ما تعرض له عرتن، أعلن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا" تعيينه لإدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي بين باريس سان جيرمان الفرنسي، المتوج بلقب دوري أبطال أوروبا، وأستون فيلا الإنجليزي، الفائز بمسابقة الدوري الأوروبي، المقررة في 12 أغسطس/ آب المقبل بمدينة سالزبورغ النمساوية.
وفجر استبعاد الحكم الصومالي من قائمة حكام بطولة كأس العالم 2026، غضب الناشطين الأفارقة والعرب على منصات التواصل، متهمين أميركا بازدواجية المعايير والعنصرية الممنهجة، خاصة تجاه الدول الإسلامية والإفريقية، وسخر من ادعاءات "الحرية" الأميركية.
وصبوا جام غضبهم على فيفا والإدارة الأميركية، عادين منع الحكم الصومالي تجسيداً صارخاً لـ "العنصرية الهيكلية" والنظرة الاستعلائية ضد الجوازات الإفريقية، متسائلين: “أين هي شعارات المساواة ومحاربة العنصرية التي يتغنى بها فيفا؟”
يشار إلى أن ما ذكر ليس إلا نماذج بسيطة وبارزة من سلسلة طويلة من الحوادث المثيرة للجدل التي رافقت تحضيرات وبداية بطولة كأس العالم 2026؛ حيث شملت القائمة تفتيش ذاتي للاعبي المنتخب العراقي والسنغالي، وسرقة معدات منتخبي إنجلترا والأرجنتين وغزو ثعابين في معسكر سويسرا.
كما أسهمت التوترات الدولية والإجراءات المشددة في قوانين الهجرة في الحد من تواجد الجماهير القادمة من مختلف الدول، وتعرض المشجعون لزيادة غير معهودة في أسعار التذاكر وتكاليف الفنادق والسكن خلال البطولة.
















