بعد 60 يوما من الهدنة.. لماذا عادت الصواريخ بين طهران وتل أبيب؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بعد ستين يوما فقط على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، عادت إيران وإسرائيل إلى تبادل الضربات العسكرية في مواجهة خاطفة استمرت نحو 14 ساعة، لتطرح مجددا تساؤلات حول هشاشة الهدنة وحدود قدرتها على احتواء الصراع بين الطرفين.

وشهدت جولة التصعيد التي اندلعت في 7 يونيو/حزيران 2026، هجمات صاروخية إيرانية وغارات إسرائيلية متبادلة استهدفت في معظمها مواقع عسكرية، قبل أن تنجح الضغوط الأميركية في احتواء الموقف ومنع انزلاقه إلى مواجهة أوسع.

ورغم أن الولايات المتحدة كانت طرفا رئيسا في التفاهمات التي أفضت إلى وقف إطلاق النار، فإنها بقيت خارج هذه الجولة العسكرية القصيرة؛ حيث انصبّ جهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على احتواء التصعيد ودفع الطرفين للعودة إلى مسار المفاوضات المتعثرة، سعيا لإحياء اتفاق محتمل مع طهران.

وبينما انتهت المواجهة سريعا، فإنها أعادت فتح ملف الأسئلة الكبرى بشأن مستقبل الهدنة، وما إذا كانت الضربات المتبادلة تمثل حادثا عابرا أم مؤشرا على مرحلة جديدة من الاشتباك المنضبط، الذي قد يتكرر كلما تصاعد التوتر في ساحات النزاع الإقليمية، لا سيما في لبنان.

معادلة جديدة

وعقب انتهاء تبادل الضربات بين طهران وتل أبيب، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قائلا: "لقد أحبطنا تهديد إيران النووي. لو لم نتحرك في الوقت المناسب وبقوة، لما كنا هنا اليوم. أتعهد مرة أخرى: لن تمتلك إيران سلاحًا نوويا".

وأضاف نتنياهو خلال مقطع مرئي في 8 يونيو، أنه "في الأربع والعشرين ساعة الماضية حاولت إيران وحزب الله فرض معادلة جديدة لا تُحتمل علينا. هذا لم يحدث ولن يحدث. أؤكد بقوة على حقنا في العمل ضد أعدائنا".

وجاء الهجوم الإيراني ردا على غارة إسرائيلية استهدفت ضاحية بيروت الجنوبية، رأتها طهران انتهاكا صارخا لـ"خطوطها الحمراء" وتقويضا لجهود التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار مع واشطن.

ومع تسارع وتيرة الردود المتبادلة، أعلن مقر "خاتم الأنبياء" في 8 يونيو، تعليق العمليات ضد إسرائيل، واضعا معادلة ردع تقضي بأنه "في حال استمرار الاعتداءات خصوصا في جنوب لبنان سيكون ردنا أشد قوة".

وأوضح المتحدث باسم المقر إبراهيم ذو الفقاري، أن القوات المسلحة نجحت في ضرب أهداف مهمة وحساسة داخل الأراضي المحتلة، ضمن ما وصفها بعمليات "دقيقة وذكية وثقيلة"، مؤكدا أن "العدو تحمّل خسائر كبيرة ومؤلمة".

وأضاف البيان "ردٌ كان ينبغي أن يتعظ منه الكيان الصهيوني الزائف وأنصاره. وبناءً على ذلك، يُعلن تعليق العمليات العسكرية؛ مع التأكيد على أنه في حال استمرار هذه الاعتداءات والفظائع، بما في ذلك في جنوب لبنان، فسيتم اتخاذ إجراءات أشدّ قسوةً وسحقًا".

وفي المقابل، أخذت التهدئة غطاء سياسيا مع كشف القناة 12 العبرية عن قرار إسرائيلي بوقف الغارات على إيران، نزولا عند رغبة وطلب مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وذكرت القناة العبرية، نقلاً عن مصدر (لم تسمه)، أن إسرائيل ستواصل هجماتها على الضاحية الجنوبية للبنان بشدة، إذا استمرت هجمات حزب الله.

وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" في 8 يونيو، نقلا عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصدر تعليمات للجيش بوقف الاستعدادات لشن هجوم آخر على إيران.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال حديث للصحفيين في 8 يونيو: إن إيران وإسرائيل وافقتا على وقف إطلاق النار المتبادل بينهما عقب أخطر تصعيد للتوترات بين الجانبين منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 8 أبريل.

وأضاف ترامب أنه لا يلوم نتنياهو على رده على الهجوم الإيراني، مضيفا أنه أجرى معه "مكالمة رائعة"، وذلك، بعدما قرر شن هجوم على إيران، رغم مطالبة ترامب له بعدم الرد على صواريخ إيران، وتحذيره من أنه "قد يجد نفسه يقاتل إيران وحده".

وتابع: "أجرينا مكالمة رائعة، تعرض (نتنياهو) للقصف، ورد بضربات، ولا ألومه في ذلك، والآن توقفا، وسيترك بعضهما البعض وشأنهما لمدة أسبوع أو شيء من هذا القبيل".

وأكد ترامب، أن الولايات المتحدة في المراحل الأخيرة مما سيكون "اتفاقا جيدا مع طهران"، وإن التوقيع على الاتفاق قد يحدث في غضون يومين أو ثلاثة، مضيفاً أن الصفقة ستمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وستؤدي لإعادة فتح مضيق هرمز فوراً.

تكتيك أميركي

وبخصوص دلالة اندفاع إيران للرد على هجمات إسرائيل على الضاحية الجنوبية، قال الباحث في شؤون الشرق الأوسط إياد ثابت: إن "رفض حزب الله اللبناني  للاتفاق الذي رعته واشنطن بين لبنان وإسرائيل لإيقاف إطلاق النار، دفع الولايات المتحدة لإعطاء ضوء أخضر للتصعيد على الضاحية الجنوبية".

وأوضح الباحث في حديث لـ"الاستقلال" أن "حرب الإبادة على عزة عقب طوفان الأقصى، أثبتت أن جرائم الاحتلال كلها كانت بدعم وتنسيق ومباركة أميركية، بالتالي إسرائيل والولايات المتحدة شريكان في محاولة صياغة ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد الذي تكون فيه اليد العليا لإسرائيل".

ولفت إلى أن "التصعيد الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية وضع إيران في موقف لا تحسد عليها، ولم يكن أمامها سوى التحرك، لكن الأمر باعتقادي كان تكتيكا أميركيا ضغط على إيران حتى تقبل بالاتفاق بعد ذلك، حصوصا أن واشنطن ظهرت بأنها هي من تدفع باتجاه التهدئة".

وشدد على أن "نتيجة الهجوم الإيراني لم يدفع إسرائيل لإيقاف هجماتها أو تخفيفها في لبنان والضاحية الجنوبية تحديدا، وهذا أيضا بضوء أخضر أميركي، لإحداث المزيد من الضغط على إيران وحزب الله للقبول باتفاق وفق الرؤية الأميركية- الإسرائيلية".

وفي المقابل، رأى المحلل السياسي الإيراني، حسين أحمديان، أن الهجوم الإيراني في يونيو ٢٠٢٦، كان بمثابة جولةٌ تُرسّخ الواقع الجديد، وأن عصر الصبر الإستراتيجي انتهى، ولا رجعة فيه.

وأضاف أحمديان خلال تدوينة على "إكس" في 8 يونيو، أن "إيران وحلفاءها عازمون على فرض قواعد اشتباك جديدة وترسيخها ضد خصمهم، ولا أرى لهم أي تراجع".

وتابع: "الانسحاب أمام من يرتكبون الإبادة الجماعية لن يُفضي إلا إلى دمارٍ شاملٍ في أرجاء المنطقة. أما المقاومة، فهي الرد الحضاري الوحيد ذو الجدوى في مواجهتهم".

وصرّحت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني، أن طهران تعتزم توظيف مساري الدبلوماسية والقدرات الدفاعية بشكل متكامل، في إطار سعيها لحماية حقوق الشعب الإيراني.

وفي معرض ردها على تساؤلات الصحفيين في 9 يونيو، شددت مهاجراني على أن العلاقة بين إيران ولبنان لا تقوم على أساس الوكالة أو التبعية، مؤكدة أن "كلا من البلدين لا يقاتل نيابة عن الآخر".

وأضافت المتحدثة، أن طهران وبيروت تواجهان "عدوا مشتركا"، واصفة إياه بأنه "يريد تدمير لبنان وتجزئة إيران وإضعافها"، مما يستدعي تنسيق المواقف وتعزيز التعاون بين البلدين في مواجهة ما تصفه بـ"المخططات المعادية".

استثمار الحرب 

من جهته، رأى الباحث المختص في الشأن الإيراني، فراس إلياس، أن "أحد أهم الأسباب التي دفعت إيران إلى الاستجابة لطلب ترامب ووقف التصعيد مع إسرائيل لا يتعلق فقط بالحسابات العسكرية، بل بمحاولة تحويل المكسب العسكري المحدود إلى عائد سياسي أكبر".

وأضاف إلياس خلال تدوينة نشرها على "إكس" في 8 يونيو، أن "طهران تدرك أن استمرار المواجهة المفتوحة يمنح نتنياهو فرصة لإعادة توحيد الجبهة الإسرائيلية والدفع نحو توسيع الحرب، بينما يمنح وقف النار فرصة لإعادة نقل الصراع من الميدان إلى السياسة".

ولفت إلى أن "إيران تدرك أيضاً أن إدارة ترامب تبدو أكثر اهتماماً بمنع انفجار إقليمي واسع والحفاظ على مسار التفاوض، لذلك سعت إلى تقديم نفسها بوصفها الطرف الذي استجاب للوساطة الأميركية، مقابل إظهار نتنياهو بوصفه الطرف الأكثر اندفاعاً نحو التصعيد". 

وبذلك تحاول طهران تعميق التباين القائم بين أولويات واشنطن وأولويات تل أبيب، خاصة بعد التقارير التي تحدثت عن ضغوط مارسها ترامب على نتنياهو لاحتواء الردود العسكرية ومنح المسار الدبلوماسي فرصة إضافية، وفقا للباحث. 

الأكثر أهمية من ذلك، بحسب إلياس، فإن إيران لا تريد أن تُتهم بإفشال أي تسوية محتملة بعد الحرب، فهي تسعى إلى ترميم صورتها التفاوضية أمام المجتمع الدولي وإثبات أنها ما زالت متمسكة بخيار التفاوض رغم المواجهة العسكرية، لأن أي اتفاق مستقبلي مع واشنطن سيحتاج إلى سردية سياسية تقوم على أن طهران قبلت التهدئة عندما فُتحت أمامها نافذة دبلوماسية. 

وبناء على ذلك، يقرأ إلياس، إعلان إيران وقف العمليات العسكرية، بأنه ليس نهاية للصراع، بل خطوة محسوبة لإعادة تموضع إيران سياسياً، والحفاظ على أوراق الردع من جهة، وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً مع إدارة ترامب من جهة أخرى. 

في القراءة الإستراتيجية الأوسع، يؤكد الباحث أن "طهران تحاول الانتقال من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة استثمار الحرب، أي توظيف نتائج المواجهة لتعزيز موقعها التفاوضي وإبقاء التناقض الأميركي–الإسرائيلي حياً بدلاً من توحيد خصومها في جبهة واحدة. وهذا ربما يكون الهدف السياسي الأكثر أهمية بالنسبة لها في هذه المرحلة".

وبحسب موقع "أكسيوس" الأميركي، فإن ترامب نجح في إبعاد إسرائيل وإيران عن حافة مواجهة أوسع، لكن من غير الواضح إلى متى سيستمر ذلك. وبعد مرور 100 يوم على اندلاع الحرب، لا يزال الرئيس الأميركي عاجزاً عن التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع.

وأفاد تقرير الموقع الأميركي خلال تقرير نشره في 9 يونيو، بأن ترامب وجد نفسه أمام "معضلة"، فمن جهة، كان يدرك أن من الصعب على نتنياهو تجاهل هجوم صاروخي إيراني مباشر، ومن جهة أخرى كان يخشى أن يؤدي تبادل الضربات إلى حرب شاملة.

وقال ترامب للموقع الأميركي، في مقابلة هاتفية، إنه "حذر نتنياهو من أنه إذا عاد إلى الحرب مع إيران، فقد يجد نفسه يقاتل وحيدا".