هل يصبح نتنياهو "كبش فداء" ترامب لتجاوز مأزق إيران؟.. فورين بوليسي تجيب

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

اعتاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتهاج سياسة تقوم على التهديد والضغط، سواء تجاه الخصوم أو الحلفاء، ملوحا بعواقب قاسية في حال عدم الاستجابة لمطالبه، في إطار أسلوبه الخاص في توظيف نفوذ الرئاسة لتحقيق أهدافه.

وقد أثمر هذا النهج في بعض المحطات، كما حدث عندما نجح في دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى قبول خطة سلام من 20 بندا بشأن غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد أن لوح بإمكانية سحب دعمه.

إلا أن هذه المقاربة لم تحقق النجاح نفسه في ملفات أخرى، من بينها محاولاته الضغط على الدول الأوروبية في قضية غرينلاند، أو دفع إيران إلى القبول بالشروط الأميركية للتوصل إلى اتفاق.

ويضاف إلى ذلك تهديده الأخير لعُمان بـ"تفجيرها" إذا تجاوزت قيادتها الخطوط الحمراء المرتبطة بملف مضيق هرمز.

وخلال الأسبوع الجاري، عاد ترامب إلى استخدام أدوات الضغط الرئاسية في تعامله مع إسرائيل؛ إذ أدلى بتصريح غير مسبوق من رئيس أميركي بشأن أحد القادة الإسرائيليين. مؤكدا أن نتنياهو "سيفعل كل ما أريده منه بشأن إيران".

وفي هذا السياق، رأت مجلة "فورين بوليسي" أن الصفقة المحتملة التي يسعى ترامب إلى إبرامها مع إيران قد تضع نتنياهو في موقف حرج، في وقت يستعد فيه لخوض انتخابات بالغة الأهمية بالنسبة لمستقبله السياسي.

وجاء هذا الطرح في مقال مشترك للباحث البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي هارون ديفيد ميلر، والسفير الأميركي الأسبق لدى مصر وإسرائيل دان كرتزر.

حساب الانتخابات

وأضاف الكاتبان: "يبدو أن نفوذ ترامب على نتنياهو حقيقي إلى حد كبير، لا سيما أن نتنياهو يحتاج إلى دعم ترامب للبقاء في السلطة. كما أن ترامب يحظى بشعبية في إسرائيل تفوق شعبية نتنياهو، وأي إشارة إلى سحب دعمه قد تكلف رئيس الوزراء خسارة الانتخابات المقررة في أكتوبر/تشرين الأول".

وفي هذا الإطار، يستحضر المقال قرار الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب عام 1991 بحرمان رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق شامير من ضمانات قروض إسكان خُصصت لاستيعاب المهاجرين اليهود الروس، بعدما رفض شامير استبعاد إعادة توطينهم في الأراضي المحتلة.

وقد ألحق ذلك ضررا سياسيا بشامير، وأسهم في هزيمته الانتخابية عام 1992 أمام إسحاق رابين الذي حصل على ضمانات القروض بعد أشهر قليلة.

في المقابل، أسهمت حزمة "الهدايا" التي قدمها ترامب لنتنياهو خلال ولايته الأولى -بما في ذلك الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، إلى جانب الدعم العسكري المتواصل- في ترسيخ صورة نتنياهو بصفته راعيا استثنائيا للعلاقات الأميركية-الإسرائيلية وشخصية لا غنى عنها للحفاظ عليها.

أما اليوم، وفي ظل ما يواجهه نتنياهو من نقاط ضعف، لا سيما بعد إخفاقه في حسم المواجهة مع حزب الله وحماس، والآن مع إيران، فإنه بات بحاجة إلى ترامب ليؤدي دورا داعما ومؤثرا في حملته الانتخابية، وفق ما يورده المقال.

ورغم أن ترامب لا يملك القدرة على ضمان فوز نتنياهو في الانتخابات، فإن غياب دعمه، أو تراجعه عن تقديم رئيس الوزراء الإسرائيلي بصفته الشخصية الأقدر على الحفاظ على متانة العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، من شأنه أن يفاقم نقاط ضعف نتنياهو السياسية.

ويرى المقال أن اختبار حجم نفوذ ترامب وتأثيره قد يقترب قريبا، مع انتقال المفاوضات الأميركية الإيرانية إلى مراحلها النهائية سعيا للتوصل إلى مذكرة تفاهم.

وبحسب ما هو متاح من معلومات، فإن النهج الذي تتبعه الإدارة الأميركية سيُنظر إليه، سواء من جانب نتنياهو أو خصومه في الداخل الإسرائيلي، بصفته صفقة خاسرة من جميع الأطراف.

ويضيف: "سيبقى النظام الإيراني قائما، بل ربما أكثر تشددا من السابق، من دون أن تتضمن التفاهمات أي شروط حقيقية تفضي إلى تغيير النظام".

ويتابع: "سيخرج النظام الإيراني أكثر تماسكا، فيما تكون قدرة الردع قد تعرضت لضرر نتيجة نجاح إيران في الصمود أمام هجوم أميركي واسع".

"كما ستكون قد امتلكت ورقة ضغط جديدة يمكن توظيفها مستقبلا متى شاءت، تتمثل في قدرتها على إغلاق مضيق هرمز وإبراز هشاشة دول الخليج".

وتابع: "لا توجد حتى الآن مؤشرات تدل على أن الولايات المتحدة قادرة على فرض قيود جوهرية على البنية التحتية النووية الإيرانية التي تعرضت لأضرار".

ويرى الكاتبان أن من سوء حظ نتنياهو أنه، رغم احتمال امتلاكه تأثيرا مهما في تحديد أسباب اندلاع الحرب وتوقيتها وطريقة انطلاقها، فإنه على الأرجح لن يكون له دور يذكر في رسم كيفية انتهائها أو توقيت ذلك.

وبحسب تقييم المقال، إذا مضت مذكرة التفاهم في المسار المتوقع، فإن وقف الأعمال القتالية سيفتح الباب أمام مرحلة من المفاوضات لمعالجة مختلف القضايا العالقة، كما سيقلص احتمالات استئناف الهجمات الأميركية الإسرائيلية.

ومع إعادة فتح مضيق هرمز، ولو بصورة تدريجية، ورفع الحصار الأميركي، ستبدأ مرحلة تبادل الاتهامات. ففي حين سيواصل نتنياهو انتقاد المسار المتبع، سيجادل بعض الشركاء السياسيين غير المعلنين بأن الولايات المتحدة أخفقت في تحقيق هدف تغيير النظام بسبب افتقارها إلى الإرادة الكافية.

ويؤكد أن ترامب لن يسمح لنتنياهو بإفشال اتفاق ينهي الحرب، كما سيعمل على تحصين نفسه من الانتقادات الداخلية في الولايات المتحدة عبر تحميل إسرائيل جزءا من مسؤولية التصعيد المفرط، لا سيما في لبنان.

كما يرجح الكاتبان أن ترامب لن يبدي أي تسامح مع اعتراضات نتنياهو أو مع أي خطوات عسكرية إسرائيلية إضافية قد تؤدي إلى جر الولايات المتحدة مجددا إلى دائرة الصراع.

ويشير المقال إلى أن ترامب سبق أن تجاوز نتنياهو سياسيا عندما نفذت إسرائيل عملية استهدفت قيادة حماس الخارجية في الدوحة، ومن غير المرجح أن يسمح مجددا بأن يدفعه نتنياهو نحو استئناف الحرب.

وفي هذا السيناريو، لا يبقى أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي سوى رهان واحد، يتمثل في أن تبالغ إيران في رد فعلها بما يؤدي إلى انهيار المسار التفاوضي بأكمله.

ويرجح الكاتبان أيضا أن ينتهي الملف اللبناني بصورة غير مواتية لنتنياهو. فحزب الله لم يلتزم بوقف إطلاق النار ولم يتخل عن سلاحه، كما أنه يستعيد عافيته بوتيرة أسرع وبقدرات أكبر مما كانت إسرائيل تتوقع.

وفي المقابل، تظهر الحكومة اللبنانية قدرا أكبر من التماسك، خاصة في استعدادها للانخراط في تواصل مباشر مع إسرائيل برعاية أميركية، لكنها لا تملك الإرادة أو القدرة اللازمة لنزع سلاح حزب الله بالقوة.

ويرى المقال أن إسرائيل تزيد المشهد تعقيدا من خلال استمرارها في احتلال أجزاء من جنوب لبنان، وإصدار أوامر بإخلاء مزيد من القرى، فضلا عن سقوط مدنيين لبنانيين خلال العمليات التي تنفذها ضد حزب الله.

ورغم أن هذه العمليات الهجومية تحظى بتأييد داخل إسرائيل، لا سيما في التجمعات السكانية القريبة من الحدود الشمالية، فإنها تضع الحكومة اللبنانية أمام تحديات كبيرة وتضيق هامش حركتها.

هل يمتثل نتنياهو؟

ويرى الكاتبان أن المسألة الأكثر أهمية تتعلق بالموقع الذي قد يحتله لبنان ضمن مسار التفاعل الأميركي الإيراني. فإدارة ترامب منحت إسرائيل حتى الآن مساحة لمواصلة عملياتها العسكرية في لبنان.

لكن التطورات الأخيرة حملت مؤشرا مختلفا؛ إذ إنه بعد قرار إيران تعليق المفاوضات مع الولايات المتحدة إلى حين موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، أجرى ترامب اتصالا بنتنياهو وضغط عليه لوقف الضربات الإسرائيلية في محيط بيروت.

ويرى المقال أن هذه الحادثة قد تعكس ما يمكن أن يحدث إذا توصلت واشنطن وطهران إلى اتفاق. بل إن الكاتبين يذهبان إلى أبعد من ذلك، ويرون أنه إذا تحولت مذكرة التفاهم إلى اتفاق فعلي، وربطت إيران موافقتها بوقف إطلاق نار حقيقي في لبنان، فإن ترامب لن يتردد في ممارسة ضغوط مباشرة على نتنياهو، الذي لن يكون أمامه سوى الامتثال.

وفي سياق متصل، استخدم ترامب أخيرا نفوذه الرئاسي لمحاولة ربط الاتفاق مع إيران بانضمام دول خليجية إلى اتفاقات أبراهام.

إلا أن المقال يرى أن هذا الربط يفتقر إلى الواقعية ولا ينسجم مع المعطيات السائدة في الخليج. وربما يعتقد ترامب أن طرح هذا الشرط يوفر له غطاء سياسيا في مواجهة منتقديه داخل الولايات المتحدة إذا اضطر إلى ممارسة ضغوط على إسرائيل في الملفين الإيراني واللبناني.

لكن الكاتبين يستبعدان أن تقدم دول الخليج على ربط نفسها بحكومة إسرائيلية تمضي في توسيع سيطرتها على الضفة الغربية، وتواصل احتلال أجزاء من لبنان، وتبدو مستعدة لإطلاق عملية عسكرية واسعة جديدة في غزة.

وباستثناء الإمارات التي تبدو ماضية في تعميق علاقاتها مع إسرائيل، يرى المقال أن آخر ما تحتاج إليه بقية الدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية، هو إقامة علاقة علنية رفيعة المستوى مع حكومة نتنياهو.

ويخلص إلى أن أسلوب ترامب القائم على التهديد والضغط وتوظيف النفوذ حقق نتائج متباينة.

فحتى الآن، لم ينجح في التوصل إلى اتفاق مع إيران، كما لا يملك إجابة واضحة بشأن مصير اليورانيوم عالي التخصيب الموجود في المواقع الإيرانية المتضررة.

وفي الوقت نفسه، منح إيران ورقة ضغط إضافية مرتبطة بمضيق هرمز، بينما أخفق "مجلس السلام" الخاص بغزة في دفع حماس إلى التخلي عن سلاحها.

كما يتواصل التصعيد في الضفة الغربية بصورة يومية، من دون أن يبدو أن ذلك يحظى باهتمام كبير من ترامب أو فريقه المعني بملف السلام.

وفي ختام المقال، طرح الكاتبان تساؤلا بشأن ما إذا كانت هناك أي حدود قد تكبح ضغوط ترامب المحتملة على إسرائيل في حال التوصل إلى اتفاق مع إيران.

وأشارا إلى أن ممارسة ضغوط على إسرائيل قد تثير استياء بعض الداعمين الجمهوريين لها، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. غير أن ترامب يضع تقديرات مصلحته السياسية في المقام الأول، وقد صرح بالفعل بأنه لا يبدي اهتماما كبيرا بهذه الانتخابات.

وفي نهاية المطاف، سيكون هاجسه الأساسي هو الاتهامات التي قد توجه إليه بأنه ألحق أضرارا بإيران لكنه أخفق في تحقيق نصر سياسي واضح.

وبينما يتعرض لانتقادات من اليسار بسبب بدء الحرب، ومن جزء من اليمين بسبب طريقة إنهائها، فإنه سيبحث عن أطراف أخرى لتحميلها المسؤولية، وقد يكون نتنياهو في مقدمة تلك الأطراف.