حدود التهدئة الهشة في غزة.. كيف حولتها إسرائيل إلى "غابة" إعدامات ميدانية؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

لم يعد "الخط الأصفر" في غزة مجرد حد ميداني ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار، بل تحوّل إلى منطقة خطر مفتوحة لا تظهر حدودها بوضوح ويستهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي من خلالها المدنيين.

وتكشف شهادات جنود إسرائيليين حديثة أن الاقتراب من الخط قد يُعامل كسبب لإطلاق النار، وهكذا يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام خط لا يرونه، لكنه يحدد عمليًا أين يمكن أن يتحركو وأين قد يُقتلون.

أوامر إطلاق النار

قُدِّمت الشهادات خلال الأيام الأخيرة من مايو/أيار 2026 عبر تحقيق موسع لوكالة أسوشييتد برس، تحدث فيه ثلاثة جنود احتياط خدموا بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 (شهر اتفاق وقف إطلاق النار) ويناير/كانون الثاني 2026 وقالوا: إن أوامر إطلاق النار قرب الخط الأصفر كانت واسعة وفضفاضة.

وصف أحدهم الخط بأنه “غابة” تُطلق فيها النيران أحيانًا بمجرد الاشتباه، وأكد أن الجنود كانوا بعيدين عن الهدف لدرجة أنهم لم يتمكّنوا من التمييز بين مدني ومقاتل، قائلا: "بعد وقف إطلاق النار كان الأمر: إذا عبر أحد الخطَّ تطلق النار عليه".

 جندي آخر كشف أن تعليمات قادته كانت قتل أي شخص يقترب، ورأى أن أرواح الفلسطينيين لم تعد ذات قيمة. وأكد أن قادته رأوا في وضع الخط الطويل على الأرض “عملاً مرهقًا” وأن المدنيين “يجب أن يعرفوا أين يقع”، ما يعني عمليًا أن التقاطعات غير المعلَّمة تصبح نقاط قتل.

وفقًا لشهادة ثالثة، كان الضغط النفسي كبيرًا لدرجة أن بعض الجنود “يتلهفون” لرؤية أشخاص يقفون قرب الخط كي يستهدفوهم. وتحدث الجنود بشرط عدم كشف هوياتهم خشية التعرض للعقوبات أو النبذ داخل المجتمع العسكري الإسرائيلي. 

وبحسب "أسوشييتد برس"، فإن تقريرًا داخليًا متداولًا بين منظمات إغاثة خلص إلى أن الضربات الإسرائيلية في غزة أصبحت “أكثر استباقية”.

 فيما أظهرت بيانات مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة "ACLED" أن عدد الشهداء المسجلين قرب الخط الأصفر أو بين من عبروه ارتفع بأكثر من 25 بالمئة بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2026، من 58 إلى 73 شهيدا.

وتتقاطع هذه الشهادات مع بيانات شاركها مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مع "رويترز"، أظهرت أن 152 من أصل 453 فلسطينيًا قتلتهم إسرائيل منذ بدء وقف إطلاق النار وحتى 5 فبراير/شباط 2026 كانوا قرب "الخط الأصفر"، بينهم 24 صبيًا و11 فتاة. 

وقال رئيس المكتب في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أجيه سونغاي، إن المعلومات المتاحة تثير مخاوف جدية من قتل مدنيين لمجرد قربهم من الخط، بما قد يرقى إلى جرائم قتل غير مشروعة، مبينا أن "لا أحد يعرف أين يبدأ الخط وينتهي وكيف يتحرك".

وأوضح الجنود لـ “أسوشييتد برس” أن التحذيرات التي يطلقها الجيش غالبًا ما تكون مجرد طلقات تحذيرية ثم إطلاق نار بهدف القتل، وإن الضباط استخدموا تعبير “احتمالات” بدل الأدلة في تحديد الأهداف. 

اللافت أن عدد الضحايا لا يقتصر على محيط الخط؛ إذ أظهرت بيانات وزارة الصحة في غزة  استشهاد أكثر من 900 فلسطيني منذ بدء وقف إطلاق النار، ما يجعل توصيف "الهدنة" نفسه موضع تشكيك في شهادات الجنود أنفسهم.

ولم يوقف اتفاق وقف إطلاق النار القصف الإسرائيلي، مع تركيز خاص للنيران قرب الخط الأصفر؛ حيث تُسجّل عمليات قتل تبدو متصلة بوجود هذا الحد الغامض. 

عبور قاتل

ظهر الخط الأصفر كجزء من ترتيبات وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، وكان يفترض أن يحدد منطقة سيطرة جيش الاحتلال على نحو 53 بالمئة من مساحة غزة.

 تُرسم الحدود على الخرائط العسكرية وتُميَّز أحيانًا بكتل خرسانية صفراء، إلا أن منظمة  “غيشا” الحقوقية الإسرائيلية أشارت إلى أن سكان غزة يضطرون  إلى تخمين موقع الخط، وأن 15 شخصًا قُتلوا في محيطه خلال الأيام الخمسة الأولى من وقف إطلاق النار.

وقد أكدت تقارير أخرى أن الجيش نقل تلك الكتل غربًا موسِّعًا نطاق السيطرة، وأن كثيرًا من المواقع لا توجد فيها علامات مرئية. وعمليًا، يعيش عشرات الآلاف من الفلسطينيين في مخيمات أو منازل مدمرة قرب هذا الحد غير الواضح. 

كما أوضح تقرير لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” أن العائلات التي تحتمي داخل كيلومتر واحد من الخط تبيت وهي تستعد للهروب بسبب الرصاص والشظايا التي تصيب بيوتها أو خيامها كل ليلة. 

وقال محمود قويدر من حي التفاح شرق مدينة غزة لـ"الاستقلال": "الخط هنا اليوم، تنام ثم تستيقظ فتجد أنه مرَّ من فوقك".

وأوضح أنه عاش لفترة في خيمة على أنقاض منزله مع عائلته، لكن التوغل الإسرائيلي المتسارع من شرق المدينة إلى غربها، دفعهم للمغادرة.

وأردف أن المناطق القريبة من هذا الخط تفتقر للخدمات خاصة المياه والطعام بفعل عمليات النسف والتجريف الإسرائيلية المتواصلة وخشية منظمات الإغاثة من العمل بالمنطقة.

وأكد قويدر أن المشكلة الأساسية أن الخط لا يظهر على الأرض، بل يوجد فقط على خرائط عسكرية لا يملكها المدنيون ولا يصرح بها الجيش.

 وعلى الرغم من ادعاء جيش الاحتلال أن الخط بات “مميزًا بوضوح”، تؤكد تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش وبتسيلم أنه تحوّل إلى منطقة غير محددة تتوسع باستمرار. 

وفي ظل هذا الغموض، لم يكن من المستغرب سقوط شهداء قرب الخط، ففي حوادث منفصلة وثّقتها مصادر أممية وصحفية خلال مارس/آذار، قُتل مدنيون، بينهم نساء وأطفال، في مناطق قريبة من خطوط السيطرة أو في مناطق نزوح مكشوفة.

وسجل مكتب الأمم المتحدة استشهاد أكثر من 224 فلسطينيًا شرق الخط أو بالقرب منه خلال الأشهر الأولى للاتفاق في جرائم مستمرة حتى اليوم؛ حيث تعلن مستشفيات غزة ووزارة الصحة باستمرار عن شهداء وجرحى قرب تلك المنطقة خارج سيطرة الاحتلال.

الخط البرتقالي

عندما وقع اتفاق وقف إطلاق النار، كان ينص على أن تنسحب قوات الاحتلال إلى شرق قطاع غزة وتسيطر على ما يقارب 53 بالمئة من مساحته، لكن مع مرور الوقت، لم يثبت الخط الأصفر بل امتد. 

منظمة “فورينسيك أركيتكتشر” وجدت في ديسمبر/كانون الأول 2025 أن إسرائيل تسيطر على 58 بالمئة من القطاع بعد نقل الكتل الخرسانية غربًا.

ثم ابتدعت قوات الاحتلال خطا جديدا يعرف بالخط البرتقالي في مارس/آذار 2026 لتضيف 11 بالمئة من الأراضي إلى سيطرتها.

بإضافة هذه المساحة إلى المنطقة الواقعة شرق الخط الأصفر، يقدر جاد إسحاق مدير معهد الأبحاث التطبيقية في القدس (ARIJ) أن السيطرة أو التقييد الإسرائيلي يشمل نحو ثلثي القطاع (64  بالمئة)، وفق ما نقلت رويترز.

وقال إسحاق: إن ذلك يترك نحو مليوني فلسطيني محاصرين في شريط ساحلي ضيق، ويهدف إلى "وضع أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين في أصغر مساحة ممكنة لدفعهم إلى الرحيل".

لكن نقطة التحول الكبرى جاءت أواخر مايو/أيار 2026 عندما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه وجّه الجيش لـ"السيطرة على 70 بالمئة" من القطاع. 

وفي مؤتمر صحفي قال: "كنا في خمسين، انتقلنا إلى ستين. توجيهي هو الانتقال إلى – لنذهب خطوة خطوة – أولًا السبعين".

نتنياهو علّل التوسع بالحاجة إلى "مناطق عازلة" تحمي حدود إسرائيل، لكن الفلسطينيين ومسؤولي المنظمات الحقوقية رأوا فيه خطوة لتكريس احتلال طويل الأمد وإستراتيجية تهدف إلى تهجير السكان.

وفي نهاية مايو 2026، توعد وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس بأن خطة تهجير سكان قطاع غزة "ستُنفذ في التوقيت والطريقة المناسبين".

ويأتي هذا التوسّع في وقت تعجز فيه الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة عن الحصول على موافقات للوصول إلى المناطق الواقعة بين الخطين، ما يفاقم أزمة الغذاء والماء والدواء. 

ويعني أيضًا أن عشرات آلاف الفلسطينيين سيُساقون إلى مناطق أصغر وأكثر اكتظاظًا، وأن الأراضي الزراعية الواقعة شرق الخط ستُصبح خارج متناولهم. ومع عدم وجود خرائط أو تحذيرات واضحة، يتحول الخط إلى آلية لعزل السكان وتحديد من يستطيع الحركة ومن يُقتَل إذا اقترب.

ولا تقتصر المخاطر على السكان العاديين، فقد تحدثت رويترز عن استشهاد ثلاثة عاملين فلسطينيين في مجال الإغاثة منذ منتصف مارس في المنطقة الواقعة بين الخطين الأصفر والبرتقالي. 

كما استشهد متعاقدون يعملون في عمليات مرتبطة باليونيسف ومنظمة الصحة العالمية في حوادث منفصلة، ما يعكس اتساع الخطر حتى على الفرق التي يفترض أن تتحرك بتنسيق إنساني.