أندي بورنهام.. رئيس وزراء بريطانيا يطارده إرث احتلال العراق وتختبره غزة وإيران

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

يحمل أندي بورنهام إلى رئاسة الحكومة البريطانية إرثًا سياسيًا يصعب فصله عن الأذى الذي ألحقته بلاده في الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين. 

وأصبح بورنهام رئيسًا للوزراء في 20 يوليو/تموز 2026، عقب عودته إلى البرلمان نائبًا عن ميكرفيلد وانتخابه زعيمًا لحزب العمال، من خلال انتقال للسلطة داخل الأغلبية البرلمانية القائمة ومن دون انتخابات عامة جديدة. 

وصل إلى داوننغ ستريت بخبرة طويلة في السياسة الداخلية والحكم المحلي، وبخبرة خارجية محدودة، فيما وجد أمامه ملفات غزة وإيران والخليج والعلاقة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفها اختبارات فورية لجدية تحوله.

“ملك الشمال”

ولد أندرو موراي بورنهام في 7 يناير/كانون الثاني 1970، ونشأ في أسرة كاثوليكية من الطبقة العاملة في شمال غربي إنجلترا، بين ليفربول ومانشستر. 

كان والده مهندسًا في شركة الاتصالات البريطانية، وعملت والدته موظفة استقبال، وأصبح مع إخوته أول جيل في العائلة يصل إلى الجامعة.

درس الأدب الإنجليزي في جامعة كامبريدج؛ حيث التقى ماري فرانس فان هيل التي أصبحت زوجته، ثم عمل لفترة قصيرة في الصحافة المتخصصة قبل انتقاله إلى العمل باحثًا ومستشارًا لسياسيين عماليين. 

رسمت هذه الرحلة صورة ابن الشمال الذي وصل إلى قلب المؤسسة، مع أن مساره المهني انحصر منذ وقت مبكر داخل شبكات حزب العمال ووستمنستر.

انتُخب نائبًا عن دائرة "لي" عام 2001، وصعد داخل حكومات توني بلير وغوردون براون حتى شغل مناصب كبير أمناء الخزانة ووزير الثقافة والإعلام والرياضة ووزير الصحة، ثم تولى في المعارضة حقائب الصحة والتعليم والداخلية. 

وخلال هذه الفترة أصبح جزءًا كاملًا من المؤسسة التي ينتقد مركزيتها اليوم، وشارك في قراراتها الداخلية والخارجية، وفي مقدمتها حرب العراق. 

جاءت نقطة التحول الأكثر أهمية في صورته العامة من كارثة هيلزبره، التي قُتل فيها 97 من مشجعي ليفربول عام 1989 بسبب الازدحام والتدافع أثناء الخروج، ثم واجهت عائلاتهم سنوات من التضليل والتستر الرسمي. 

انخرط بورنهام في حملة العائلات من أجل فتح تحقيق جديد وتصحيح الرواية ومحاسبة المسؤولين، وربط لاحقًا بين هيلزبره وطريقة استخدام مؤسسات الدولة قوتها لحماية نفسها في مواجهة المواطنين.

في مقابلة نشرتها مجلة تريبيون البريطانية في 10 مايو/أيار 2024، قال بورنهام: إن هيلزبره غيّرت نظرته إلى وستمنستر، وإن تعامله مع العائلات دفعه إلى الابتعاد عن ثقافة الصعود الشخصي داخل الحزب.

غير أن هذه المراجعة جاءت بعد مسيرة طويلة في المناصب المركزية، وظلت جزءًا من سردية سياسية أعاد بها بناء نفسه عقب خسارته سباق زعامة العمال مرتين، عامي 2010 و2015. 

انتقل عام 2017 إلى رئاسة بلدية مانشستر الكبرى، فحوّل الحكم المحلي إلى منصة وطنية، وقدم نفسه ممثلًا للمدن والبلدات التي أهملتها لندن.

ارتبط أبرز إنجازاته في مانشستر بإعادة شبكة الحافلات إلى السيطرة العامة، ضمن نموذج يجمع الاستثمار العام والخاص في النقل والإسكان والبنية التحتية. 

وارتفعت شعبيته خلال جائحة كورونا عندما واجه حكومة بوريس جونسون بسبب القيود المفروضة على مانشستر وحجم التعويضات المقدمة للسكان والشركات، فاكتسب لقب “ملك الشمال”. 

وقد منحه هذا الصدام صورة السياسي القادر على الوقوف في وجه الحكومة المركزية، وهي الصورة التي مهَّدت عودته إلى البرلمان وصعوده إلى رئاسة الوزراء.

سجل مانشستر يحمل أيضًا وعودًا متعثرة، وفي مقدمتها تعهده بإنهاء النوم في الشوارع بحلول عام 2020، فقد أطلقت إدارته برامج إيواء ودعم ساعدت فئات من المشردين، ثم عادت أعداد من ينامون في الشوارع إلى الارتفاع خلال السنوات الأخيرة من ولايته. 

كما واجه انتقادات بفعل تراجعه عن بعض الخطط البيئية والإسكانية، وبسبب قدرته على تسويق تجربة مانشستر على نطاق أوسع من نتائجها الفعلية. 

وعاد بورنهام إلى البرلمان في يونيو/حزيران 2026 بعد فوزه في الانتخابات الفرعية بدائرة ميكرفيلد، ثم حصل على دعم 379 نائبًا عماليًا و23 منظمة منتسبة، وأعلن الحزب انتخابه زعيمًا في 17 يوليو. 

ورأى فيه نواب العمال فرصة لمواجهة حزب “ريفورم يو كيه” اليميني بقيادة نايجل فاراج واستعادة مناطق الطبقة العاملة، بينما بقي برنامجه التفصيلي أقل وضوحًا من صورته العامة. 

وانتقل إلى رئاسة الحكومة بعد استقالة كير ستارمر مستندًا إلى أغلبية العمال التي انتُخبت عام 2024، فأصبح مطالبًا بإثبات قدرته على إدارة الدولة التي بنى جزءًا كبيرًا من شعبيته عبر انتقادها.

من العراق إلى غزة

في 18 مارس/آذار 2003، صوّت أندي بورنهام لمصلحة القرار الذي مهّد لمشاركة بريطانيا في غزو العراق، وكان نائبًا صاعدًا داخل حزب يفرض انضباطًا شديدًا على كتلته البرلمانية. وأكد موقفه في مجلس العموم في 17 مايو 2004 عندما قال إنه أيد نشر القوات في ذلك “التصويت المصيري”.

وضعه هذا القرار ضمن الطبقة السياسية البريطانية التي منحت توني بلير الغطاء لغزو بُني على مزاعم أسلحة الدمار الشامل، وانتهى باحتلال العراق وتفكيك مؤسساته واتساع العنف والفوضى التي تحمل العراقيون كلفتها لسنوات.

واحتاج بورنهام إلى أكثر من 20 عامًا ليعلن موقفًا واضحًا من تصويته؛ إذ قال في مقابلة “تريبيون” إنه كان سيصوت بطريقة مختلفة لو عاد به الزمن، وربط مراجعته بغياب خطة لما بعد إسقاط الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وبطريقة اختزال قرار الحرب في خيار حزبي مبسط. 

كما حمّل نظام الانضباط الحزبي جزءًا من المسؤولية، موضحًا أن التهديد بالحرمان من المناصب أو العزل داخل الكتلة يؤثر في قرارات النواب. وتحمل هذه الكلمات اعترافًا مباشرًا بالخطأ، وقد جاءت بعد عقدين من وقوع الكارثة وبعد انحسار نفوذ بلير وتحول حرب العراق إلى عبء ثقيل على حزب العمال.

خلال المرحلة نفسها التي أيّد فيها الحرب، بدأت علاقته المؤسسية بتل أبيب؛ إذ يسجل سجل مصالح أعضاء مجلس العموم رحلة أجراها بين 18 و23 يناير 2004 إلى إسرائيل والضفة الغربية. 

وتكفلت بتكاليف السفر والإقامة جماعة أصدقاء إسرائيل بحزب العمال ووزارة الخارجية الإسرائيلية، وشملت الرحلة لقاء مسؤولين إسرائيليين وفلسطينيين تحت عنوان دعم عملية السلام، وذلك في وقت كان فيه بورنهام جزءًا من الجيل العمالي المنخرط بالتحالفات الأميركية والإسرائيلية التي رسخها بلير.

اتخذت علاقته بفلسطين مسارًا أوسع بعد زيارة الضفة الغربية في سبتمبر/أيلول 2012 ضمن وفد رافقه فيه كريس دويل، مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني، وهو مؤسسة بريطانية تعمل على تطوير العلاقات مع العالم العربي والدفاع عن الحقوق الفلسطينية. 

وكتب دويل في 30 يونيو 2026 أن بورنهام أبدى صدمة أمام الحواجز والجدار والمستوطنات والمنشآت العسكرية، وسأله خلال الجولة عن المكان الذي يمكن أن تقوم فيه الدولة الفلسطينية الثانية. 

تقدم هذه الواقعة أساسًا مبكرًا لانتقاده الاستيطان، مع بقائه داخل إطار حل الدولتين الذي تبنته الحكومات البريطانية المتعاقبة من دون توفير أدوات تجبر الاحتلال على وقف تقويضه.

اتضحت معالم موقفه في رد نشرته حملة التضامن مع فلسطين، وهي منظمة بريطانية تدافع عن حقوق الفلسطينيين، في 21 يوليو 2015؛ إذ وصف بورنهام الدولة الفلسطينية بأنها حق يستوجب الاعتراف، وأيد إنهاء الاحتلال والاستيطان الذي وصفه بغير القانوني وغير الأخلاقي.

لكنه عدّ مقاطعة إسرائيل استجابة خاطئة، واقترح الاكتفاء بوضع علامات على منتجات المستوطنات والعمل على موقف أوروبي تجاهها. 

وجمع موقفه آنذاك بين الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وحماية العلاقة الاقتصادية والسياسية الطبيعية مع إسرائيل، وهو موقع قريب من الوسط التقليدي داخل حزب العمال.

بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدأ بورنهام بإدانة عملية طوفان الأقصى التي نفذتها حركة المقاومة الإسلامية حماس والتشديد على ما أسماه “أمن المجتمع اليهودي” في مانشستر، ثم انضم بنهاية نفس الشهر إلى قادة المجالس المحلية في مانشستر الكبرى للمطالبة بوقف إطلاق النار في غزة. 

صدر الموقف عن هيئة مانشستر الكبرى المشتركة، وهي السلطة الإقليمية التي كان يرأسها، وتقدم به على قيادة ستارمر التي كانت تدعم في تلك المرحلة هدنًا إنسانية محدودة. 

وأكسبه هذا الموقف مساحة لدى المعترضين على سياسة العمال، مع استمرار خطابه في منح إسرائيل مجالًا لعمليات عسكرية يصفها بالمحددة والخاضعة للقانون الدولي.

بحلول يوليو 2026، رفع بورنهام سقف خطابه، فقد اعتذر عن موقف حزب العمال في بداية العدوان، وقال: إن بريطانيا تأخرت في المطالبة بوقف إطلاق النار، ودعا إلى مزيد من الضغط على الحكومة الإسرائيلية عبر عقوبات إضافية وإجراءات تحظر تجارة السلع القادمة من المستوطنات. 

تحدث أيضًا عن أدلة متزايدة على ارتكاب جرائم حرب، وانتقد التوسع الاستيطاني و"عنف" المستوطنين ومحاولات القضاء على إمكانية قيام دولة فلسطينية، في تحول ملموس عن موقفه عام 2015. خصوصًا في قبوله استخدام العقوبات والتجارة أدوات للضغط.

وأحال بورنهام توصيف الإبادة إلى المحاكم الدولية، وقال في يونيو 2026: إن موقعه عمدةً لمانشستر لا يسمح له بالحكم على مسألة بهذا الحجم، ثم كرر لاحقًا أن تحديد المسؤولية القانونية يعود إلى القضاء. 

كما تجنب دعم حظر شامل لصادرات السلاح، بما فيها المكونات البريطانية المستخدمة في مقاتلات “إف-35”، وهو ما دفع الحملة ضد تجارة السلاح، وهي منظمة بريطانية تراقب صادرات الأسلحة، إلى عدّ اعتذاره بلا قيمة عملية ما دامت الإمدادات مستمرة.

اختبار المنطقة

أصبحت إيران أول ملف إقليمي يستخدم فيه بورنهام مراجعة العراق بوصفها أساسًا لموقف راهن، في ظلّ استمرار الضربات الأميركية على الجمهورية الإسلامية. 

فخلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية خلال العام 2026، حذر من افتراض أن إسقاط قيادة دولة سيقود سكانها تلقائيًا إلى تأييد التغيير، ووصف هذا التفكير بالتبسيط، ثم سأل عن مصير البلاد عند غياب خطة لليوم التالي. 

ونقلت مجلة تايم الأميركية في 24 يونيو 2026 تصريحاته التي ربط فيها خطر التورط في إيران بتجربة العراق، من دون أن يقدم تصورًا مفصلًا للبرنامج النووي الإيراني أو العقوبات أو شروط التسوية الدبلوماسية.

حذره من الحرب ترافق مع دعوة صريحة إلى توسيع القوة العسكرية البريطانية؛ فقد كتب في صحيفة “التايمز” في يوليو 2026 أن بريطانيا تحتاج إلى إعادة بناء “قوتها الصلبة”، وزيادة قدرات الجيش والصناعة الدفاعية وربط الإنفاق العسكري بإعادة التصنيع داخل البلاد. 

واستشهد بالحرب على إيران ضمن الأدلة على دخول العالم مرحلة أكثر خطورة، ودعا إلى تعزيز التعاون الدفاعي مع فرنسا وألمانيا وتقليل الاعتماد على المعدات المستوردة. 

يتركز اعتراض بورنهام المعلن على الحروب التي تبدأ من دون خطة لليوم التالي، فيما يدعو في الوقت نفسه إلى توسيع القوة العسكرية البريطانية وقدرتها على التدخل.

تظهر المعادلة نفسها في علاقته بالولايات المتحدة، فقد انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب سابقًا بسبب مساهمته في عدم الاستقرار والاستقطاب، وقال: إن العلاقة الجيدة مع واشنطن يجب أن تمنح لندن قدرة على مخالفة القرارات الأميركية. 

وبعد ساعات من توليه رئاسة الحكومة، أجرى اتصالًا بترامب أكد فيه الالتزام بالدفاع عن بريطانيا وحلفائها وبأمن الملاحة في مضيق هرمز. 

تعكس هذه البداية سعيًا إلى إدارة الخلاف من داخل التحالف الأميركي، مع بقاء السؤال المتعلق باستخدام القواعد البريطانية في الهجمات على إيران دون موقف تفصيلي معلن قبل وصوله إلى الحكم.

في الملف السعودي، يحمل بورنهام موقفًا سابقًا أكثر تشددًا فيما يتعلق بالتعاون الأمني، إذ يسجل سجل مداولات البرلمان البريطاني في جلسة 8 يونيو 2016 أنه طالب بإنهاء عقد دعم للشرطة والأدلة الجنائية السعودية بسبب مخاوف من المساهمة بتعقب أشخاص قد يتعرضون لتعذيب وانتهاكات. 

وفي الجلسة نفسها، تبنت المعارضة العمالية وقتها موقفًا يعدّ الأدلة كافية لوجود خطر جدي من استخدام الأسلحة البريطانية في انتهاكات للقانون الإنساني خلال حرب اليمن. 

أما علاقاته بالإمارات وقطر وتركيا، فقد تركزت خلال رئاسته مانشستر على الاستثمار والتجارة والدبلوماسية المحلية؛ إذ أدرجت سلطات مانشستر الإمارات وقطر ضمن الأسواق المستهدفة لجذب رأس المال، وتعامل بورنهام مع الوجود القنصلي التركي في المدينة ضمن خطط توسيع شبكاتها الاقتصادية الدولية. 

ولم يقدم خلال تلك السنوات رؤية علنية واسعة تجاه سياسات هذه الدول في المنطقة، كما بقي سجله محدودًا في ملفات سوريا ولبنان واليمن خارج قضية السلاح السعودي. 

وتكشف هذه الفجوة عن رئيس حكومة صعد أساسًا من بوابة الداخل البريطاني، في وقت تفرض عليه المنطقة قرارات تتجاوز الخبرة التي بناها في مانشستر.