من "تصحيح المسار" إلى غضب الشارع.. ماذا بقي من مشروع قيس سعيد؟

شدوى الصلاح | منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

تزامنًا مع حلول الذكرى الـ69 لإعلان الجمهورية التونسية، والذكرى الخامسة لقرارات 25 يوليو/تموز 2021 الاستثنائية التي تصفها المعارضة بـ"الانقلاب"، والتي اتخذها الرئيس قيس سعيّد، شهدت شوارع العاصمة التونسية مظاهرات حاشدة ومسيرات احتجاجية دعت إليها قوى المعارضة والحراكات المدنية.

وفي 25 يوليو/تموز 2026، شهدت العاصمة تونس، إلى جانب عدد من المدن والبلدات، بينها نابل والمنستير ومدنين وقابس وصفاقس وأريانة وحي التضامن، مسيرات حاشدة قادتها المبادرة المواطنية "نفس"، بمشاركة طيف واسع من القوى والأحزاب المعارضة، أبرزها جبهة الخلاص الوطني وحركة النهضة.

وردَّد آلاف المتظاهرين الذين جابوا شارع الحبيب بورقيبة وساحة القصبة هتافات من بينها: "الشعب يريد إسقاط النظام"، و"لا ضوء، لا ماء، الحبس والغلاء"، كما رفعوا شعار "ديغاج" (ارحل) في وجه السلطة الحاكمة.

وتزامنت هذه التحركات مع موجة حر قياسية لامست 50 درجة مئوية، رافقها انهيار شبه كامل في شبكة الكهرباء، وانقطاعات متكررة للمياه الصالحة للشرب، ونقص في السلع الأساسية.

قرارات يوليو 2021

تشكل قرارات 25 يوليو/تموز 2021 نقطة التحول التي أعادت رسم المشهد السياسي في تونس بالكامل، ولا يزال الشارع والمشهد السياسي منقسمين، بعد مرور خمس سنوات على صدورها، بين معسكرين واضحين: الأول يتبنى رواية السلطة وأنصارها، والثاني يعكس رؤية المعارضة والمنظمات الحقوقية.

ويرى المعسكر الأول أن المسار الذي اتخذه الرئيس قيس سعيّد كان خطوة إنقاذية فرضتها الظروف، واستجابة للمطالب الشعبية الرامية إلى تصحيح مسار ثورة 2011، وإنهاء حالة الشلل المؤسساتي والمحاصصة الحزبية التي طبعت العقد الماضي، وضمان استقرار مؤسسات الدولة.

في المقابل، ترى المعارضة أن تلك التدابير مثلت انقلابًا صريحًا على المكتسبات الديمقراطية والدستور، وكرست هيمنة السلطة التنفيذية على بقية السلطات. مشيرة إلى تقلص هامش الحريات العامة وحرية التعبير، وملاحقة الخصوم السياسيين استنادًا إلى تشريعات ومراسيم جديدة.

وفي مثل هذا اليوم من عام 2021، استند قيس سعيّد إلى تأويله للمادة 80 من دستور 2014، ليعلن حزمة من التدابير الاستثنائية، بدأت بتجميد اختصاصات البرلمان، ورفع الحصانة عن أعضائه، وإقالة الحكومة، وتولي الإشراف المباشر على النيابة العامة، قبل أن يعزز نفوذه على المؤسسة القضائية.

ولم يتوقف هذا المسار عند الإجراءات الأولى، بل تطور تدريجيًا ليشمل حل البرلمان نهائيًا، وإلغاء دستور 2014، ثم صياغة دستور جديد أُقر عبر استفتاء شعبي، كرس نظامًا رئاسيًا يركز الصلاحيات التنفيذية والتشريعية بيد رئيس الجمهورية، ويمنحه السيطرة الكاملة على السلطة التنفيذية.

كما أصدر الرئيس الأمر الرئاسي رقم 117 في سبتمبر/أيلول 2021، الذي ألغى العمل بالهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين، ومنحه سلطة التشريع عبر مراسيم رئاسية لا تقبل الطعن، إضافة إلى حل المجلس الأعلى للقضاء واستبداله بمجلس مؤقت يعين رئيس الجمهورية أعضاءه.

وتعود جذور الأزمة الراهنة إلى عاملين رئيسين: الأول سياسي يتمثل، وفق المعارضة، في تركيز السلطة بيد الرئيس، والثاني اقتصادي يرتبط بأزمة هيكلية تراكمت على مدى سنوات.

وتتهم المعارضة السلطة بتفكيك المسار الديمقراطي، وصياغة دستور يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، إلى جانب توظيف القضاء لإقصاء الخصوم السياسيين، وسجن شخصيات معارضة، مثل راشد الغنوشي ولطفي المرايحي، وتقييد حرية التعبير عبر المراسيم الرئاسية.

في المقابل، يتصاعد الغضب الشعبي نتيجة عجز الحكومات المتعاقبة عن توفير السلع الأساسية، مثل الزيت والسكر والوقود، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، فضلًا عن الإخفاق في إدارة ملفي الكهرباء والمياه خلال موسم الصيف.

وجاءت تظاهرات أمس في سياق بالغ الرمزية؛ إذ تزامنت مع الذكرى الـ69 لإعلان الجمهورية، والذكرى الخامسة لإعلان الرئيس قيس سعيّد "الإجراءات الاستثنائية"، لتتحول المناسبة الوطنية إلى منصة شعبية لتقييم حصيلة خمس سنوات من الحكم الفردي، وفق توصيف المعارضة.

شعبوي أم استبدادي؟

قيس سعيّد، أكاديمي متخصص في القانون الدستوري، ولد عام 1958، وبرز كشخصية مستقلة خلال الانتخابات الرئاسية عام 2019، واشتهر بخطابه الشعبوي، ورفضه للنخب السياسية التقليدية، وطرحه فكرة "تصحيح المسار" في مواجهة ما يعدّه فوضى مرحلة ما بعد الثورة.

ويركز سعيّد في خطابه على السيادة الوطنية ومحاربة الفساد، لكنه يواجه في المقابل اتهامات بالاستبداد والتفرد بالسلطة.

ويعده مراقبون نموذجًا للصعود الشعبوي المحافظ الذي استفاد من خيبات تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس.

ورغم تسويقه لنفسه عبر خطابه باللغة العربية الفصحى، وأسلوبه الصارم الذي أكسبه لقب "الروبوكوب" بوصفه رمزًا للنزاهة والقطيعة مع الفساد، يرى منتقدوه أن تجربته كرَّست انحرافًا سلطويًا واضحًا، عبر تفكيك المؤسسات الدستورية وإضعاف آليات التوازن الديمقراطي.

وتحت شعار "محاربة الخونة والمحتكرين"، وظف سعيّد القضاء في ملاحقة خصومه السياسيين، والتضييق على الصحفيين والناشطين، فيما يرى خبراء اقتصاديون أنه اكتفى بإطلاق وعود دون تنفيذ، وتبنى مشروعًا غامضًا يعرف بـ"البناء القاعدي".

ويقوم هذا المشروع على نظام مجالس محلية متدرج، إلا أن التجربة العملية، بحسب منتقديه، أثبتت عجزه عن تقديم حلول حقيقية للأزمات الاقتصادية والخدمية، ليتحول حصاد سنوات حكمه، في نظرهم، من مشروع لـ"تصحيح الثورة" إلى غطاء قانوني لإعادة إنتاج منظومة الحكم الفردي، والتنصل من الإخفاقات الإدارية عبر الحديث المتكرر عن "غرف عمليات" و"مؤامرات".

تاريخ تنصيبه

فاز قيس سعيّد في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية عام 2019 بنسبة ساحقة، مرشحًا مستقلًا مدعومًا بقاعدة شعبية واسعة في مواجهة الأحزاب التقليدية.

وفي 25 يوليو/تموز 2021، استغل أزمة سياسية واقتصادية حادة، تمثلت في شلل البرلمان، وضعف الحكومة، وتداعيات جائحة كورونا، ليعلن إجراءات استثنائية استنادًا إلى المادة 80 من الدستور، شملت تجميد البرلمان، وإقالة رئيس الحكومة، وتولي السلطة التنفيذية.

وتبع ذلك حل البرلمان، والحكم بالمراسيم، وإقرار دستور جديد عام 2022، ثم إجراء انتخابات برلمانية شهدت مشاركة محدودة.

وأعيد انتخاب سعيّد في الانتخابات الرئاسية لعامي 2024/2025 بنسبة مرتفعة، لكن في ظل نسبة مشاركة منخفضة، ومع وجود عدد من قادة المعارضة في السجون أو خارج المشهد السياسي.

إخفاقات النظام

وعبر ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي عن جام غضبهم وإحباطهم من انقطاعات الكهرباء والمياه المتكررة في تونس، خاصة في ظل موجة حر شديدة تجتاح البلاد منذ أيام، عادين ذلك دليلاً واضحاً على فشل النظام في توفير الخدمات الأساسية. 

وحذروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #قيس_سعيد، #تونس، #ارحل، وغيرها، من أن "صيفا بدون كهرباء أو ماء" يدفع البلاد نحو "خريف الغضب"، وشاركوا فيديوهات وصورا لاحتجاجات ليلية تشمل قطع الطرق، إشعال الإطارات، وهتافات تذكر بثورة الياسمين. 

وأبرزوا تأثير ذلك على الحياة اليومية (مثل تلف الأجهزة، موت الدواجن في المزارع، معاناة المرضى وكبار السن)، وانتقدوا السلطات بشدة، مطالبين بمحاسبة المسؤولين وربطوا الأزمة بمشاكل هيكلية أعمق واستنكروا محاولة النظام تصوير المتظاهرين بأنهم أعداء للوطن.

ذكرى الانقلاب

وذكر ناشطون بأن يوم 25 يوليو 2026 هو الذكرى الخامسة لـ"انقلاب قيس سعيّد" على الدستور والبرلمان في 2021، واصفين اليوم بأنه بداية تحول تونس نحو حكم فردي ديكتاتوري، أدى إلى تفكك المؤسسات، قمع المعارضة، سجن سياسيين، انهيار الخدمات (مثل انقطاع الكهرباء والماء)، أزمة اقتصادية، وفقدان الحريات. 

وربطوا بينه وبين تردّي الأوضاع الحالية، مطالبين برحيل سعيّد واستعادة الديمقراطية، مع الإشارة إلى أن "الثورة عائدة" رغم القمع وأن الانقلاب يتزحزح إلى الهاوية وتمنوا أن تلحق مصر بتونس وتشهد ربيعا عربيا جديدا وتتخلص من حكم العسكر الجاثم على صدورهم برئاسة عبدالفتاح السيسي.

ربيع جديد

وبشر ناشطون بعودة الربيع العربي إلى تونس، وتفاخروا بمظاهرات الأمس، عادّين إياها شرارة انطلاق ثورة جديدة أو استمراراً للثورة الأولى ضد "الديكتاتورية والاستبداد"، معربين عن تفاؤلهم الكبير برؤية هتاف "الشعب يريد إسقاط النظام" يعود إلى الشوارع. 

وصفوا هذه التحركات بأنها "شرارة انطلاق الثورة من جديد"، وبداية "ربيع عربي واحد" يبدأ من تونس ليمتد إلى دول أخرى، عادّين إياها خلاصاً من "الديكتاتورية" وحكم "قيس تعيس" (لقب ساخر للرئيس قيس سعيد). 

ودعوا إلى استعادة الثقة والعزة، ورأوا في مظاهرات الأمس تجديداً لروح ثورة 2011، مع عبارات مثل "تونس تعود لأهلها" و"أيام قيس سعيد معدودة"، وتوقعات بانتشار الاحتجاجات إقليمياً. مؤكدين أن رحيل سعيد  من كرسي الحكم في تونس قاب قوسين او أدنى.

وكانت ثورة تونس قد اندلعت في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 عندما أحرق البائع المتجول محمد البوعزيزي نفسه احتجاجاً على مصادرة بضاعته والإهانة التي تعرض لها من قبل شرطية، في مدينة سيدي بوزيد. 

وأشعلت هذه الحادثة غضباً شعبياً عارماً ضد البطالة، الفساد، الفقر، والاستبداد في عهد الرئيس زين العابدين بن علي. 

وامتدت الاحتجاجات بسرعة إلى مختلف المدن، مدعومة بشباب متصلين عبر وسائل التواصل، وأدت إلى سقوط بن علي في 14 يناير 2011 بعد 23 عاماً من الحكم، معلنة بداية "الربيع العربي".

وكانت تونس مهد الربيع العربي؛ حيث ألهمت ثورتها شعوب دول عربية أخرى (مصر، ليبيا، اليمن، سوريا) للانتفاض ضد الأنظمة المستبدة. 

ونجحت تونس نسبياً في الانتقال الديمقراطي بإجراء انتخابات حرة وكتابة دستور 2014، رغم التحديات الاقتصادية والسياسية. 

ومع ذلك، أدت الأزمات المتكررة إلى إجراءات قيس سعيد في 25 يوليو 2021، التي عدّها معارضون "انقلاباً"، مما أعاد إحياء الجدل حول استمرارية الثورة أو تراجعها. واليوم، تعكس المظاهرات استمرار الروح الثورية في مواجهة التحديات.