جامعة "كيان".. ما الذي يعنيه انتقال جيش السيسي إلى التعليم المدني؟

يمثل القرار تحولا لافتا في مسار حضور المؤسسة العسكرية داخل المجال التعليمي المدني
أعلنت القوات المسلحة المصرية، في 10 يوليو/تموز، للمرة الأولى إطلاق جامعة "كيان" بوصفها جامعة مدنية، مع فتح باب التقديم للدفعة الأولى ضمن منظومة القبول الجديدة، التي تضم أيضاً الأكاديمية العسكرية والكليات العسكرية والمعاهد الصحية والمدارس العسكرية الرياضية، على أن تبدأ الدراسة في أكتوبر/تشرين الأول 2026 من مقرها بمدينة العلمين الجديدة.
ويمثل القرار تحولاً لافتاً في مسار حضور المؤسسة العسكرية داخل قطاع التعليم؛ إذ لم يعد دورها يقتصر على إعداد الضباط والكوادر العسكرية، بل امتد إلى تأسيس جامعة تستقبل طلاب الثانوية العامة والأزهرية في تخصصات مدنية، من بينها الطب والهندسة والصيدلة والذكاء الاصطناعي، لتدخل بذلك قطاعاً ظل تاريخياً من اختصاص الجامعات التابعة لوزارة التعليم العالي، إلى جانب مؤسسات التعليم العام والخاص.
وأعاد الإعلان فتح نقاش قديم حول حدود دور الجيش في الحياة المدنية، في ظل اتساع حضور المؤسسة العسكرية خلال العقد الأخير في قطاعات الاقتصاد والإسكان والطرق والصناعة والخدمات، وصولاً إلى التعليم الجامعي.
كما أثار تساؤلات بشأن ما إذا كانت جامعة "كيان" تمثل مجرد إضافة جديدة إلى منظومة التعليم العالي، أم أنها تعكس مرحلة مختلفة من إعادة توزيع الأدوار بين المؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة المدنية.
وتزداد أهمية هذه التساؤلات عند وضع الإعلان في سياقه الأوسع؛ فمنذ سنوات توسعت الأكاديمية العسكرية في تدريب موظفي الجهاز الإداري للدولة، غير أن الجدل الذي أثارته الجامعة الجديدة لم يقتصر على تبعيتها للقوات المسلحة، بل امتد إلى اسمها، وموقعها، وآلية القبول فيها، ودلالات دخول الجيش إلى سوق التعليم الجامعي، في وقت يشهد فيه القطاع توسعاً ملحوظاً في الجامعات الخاصة والأهلية، مقابل استمرار الانتقادات الموجهة إلى أوضاع التعليم الحكومي.

لماذا "كيان"؟
لم يكن الإعلان عن جامعة "كيان" مجرد الكشف عن مشروع جامعي جديد، بل جاء محاطاً بتساؤلات سبقت حتى انطلاق الدراسة فيها. فإلى جانب كونها أول جامعة مدنية تتبع القوات المسلحة المصرية، أثار الإعلان نقاشاً حول طبيعة المؤسسة الجديدة، وحدود دورها، وحتى الاسم الذي اختير لها.
وتقع الجامعة في مدينة العلمين الجديدة، على الطريق الساحلي بين الإسكندرية ومرسى مطروح، إلى جوار جامعة العلمين الدولية والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري.
وتضم الجامعة كليات للطب البشري، وطب الأسنان، والعلاج الطبيعي، والصيدلة، والهندسة، والحاسبات، والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى مستشفى جامعي، ومراكز للمحاكاة، والبحث العلمي، والتأهيل.
ورغم الإعلان الرسمي، لا تزال تفاصيل أساسية غائبة، من بينها التكلفة الإجمالية للمشروع، وعدد الطلاب المستهدفين، والمصروفات الدراسية، وآلية التمويل. كما أن تبعية الجامعة للقوات المسلحة لم تكن معلنة بصورة واضحة قبل الكشف الرسمي عنها؛ إذ سبق أن تحدث مسؤولون حكوميون عن إنشاء جامعة خاصة بمدينة العلمين، دون الإشارة إلى الجهة التي ستتولى إدارتها.
إلا أن أكثر ما أثار الانتباه كان اسم الجامعة. فكلمة "كيان" تحمل في الوعي العربي دلالات سياسية ارتبطت لعقود باستخدام تعبير "الكيان الصهيوني"، ما فتح باباً واسعاً للنقاش على منصات التواصل الاجتماعي، وبين عدد من الباحثين والمراقبين.
ورأى بعضهم أن التسمية اختيار لغوي لا يحمل أبعاداً سياسية، فيما رأى آخرون أنها تستحق التوقف عندها، نظراً إلى ارتباط المصطلح بتاريخ طويل من الخطاب السياسي العربي.
غير أن الاسم لم يكن سوى جانب من الجدل؛ إذ يرى منتقدو المشروع أن القضية الأساسية لا تتعلق بالتسمية، بقدر ما ترتبط بالجهة التي تقف وراء تأسيس الجامعة. فجامعة "كيان"، من وجهة نظرهم، لا تمثل مجرد مؤسسة تعليمية جديدة، بل تعكس انتقال المؤسسة العسكرية إلى مجال ظل لعقود من اختصاص الجامعات المدنية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة هذا التحول، وكيف وصل الجيش المصري إلى هذه المرحلة من الحضور داخل قطاع التعليم.

قطاع التعليم الجامعي
لم تظهر جامعة "كيان" بوصفها تحولاً مفاجئاً، بل جاءت تتويجاً لمسار شهد اتساعاً تدريجياً لدور المؤسسة العسكرية في قطاعات الدولة منذ انقلاب 3 يوليو/تموز 2013. وخلال أكثر من عقد، تجاوز حضور الجيش نطاق الصناعات الدفاعية والمهام العسكرية التقليدية، ليمتد إلى مشروعات الإسكان والطرق والزراعة والصناعة والخدمات، وصولاً اليوم إلى قطاع التعليم الجامعي المدني.
وفي قطاع التعليم على وجه الخصوص، بدأت ملامح هذا التحول قبل الإعلان عن جامعة "كيان"؛ إذ لم تعد الأكاديمية العسكرية المصرية تقتصر على تأهيل الضباط، بل توسع دورها خلال السنوات الأخيرة ليشمل تدريب وتأهيل المعينين الجدد، والقيادات التنفيذية، والعاملين في عدد من الوزارات والهيئات الحكومية، في خطوة عدها مراقبون توسعاً في حضور المؤسسة العسكرية داخل الجهاز الإداري للدولة.
وشكل يناير/كانون الثاني 2026 محطة جديدة في هذا المسار، عندما أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال زيارة إلى الأكاديمية العسكرية، إنشاء أربع كليات عسكرية في تخصصات الطب والهندسة والبرمجيات والعلاج الطبيعي، إلى جانب دراسة إنشاء كليات أخرى تُدرّس تخصصات مدنية، مثل السياسة والاقتصاد، داخل المنظومة العسكرية، بإشراف عسكري ومناهج تجمع بين الدراسة الأكاديمية والتدريب العسكري.
وفي المناسبة نفسها، وصف السيسي التعليم الذي تقدمه الأكاديمية العسكرية بأنه "التعليم الحقيقي"، وهي تصريحات أثارت نقاشاً واسعاً بشأن مكانة التعليم المدني في مصر.
وبعد أقل من ستة أشهر، جاء الإعلان عن جامعة "كيان" ليضيف بعداً جديداً لهذا المسار؛ فبدلاً من إدخال التخصصات المدنية إلى المؤسسة العسكرية، أصبحت المؤسسة العسكرية نفسها تدخل إلى منظومة التعليم المدني، عبر جامعة تستقبل طلاب الثانوية العامة والأزهرية، وتنافس الجامعات الحكومية والخاصة في التخصصات الأكثر إقبالاً، مثل الطب والهندسة والصيدلة والذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، يرى الباحث الأميركي روبرت سبرنجبورج، في دراسته "مكافأة الفشل"، أن هذا النوع من التوسع لا يقتصر على النفوذ الاقتصادي أو الأمني، بل يمثل امتداداً لما يصفه بـ"القوة الناعمة" للمؤسسة العسكرية، من خلال توسيع حضورها في قطاعات التعليم والإعلام والخدمات العامة، بما يعزز ارتباط شرائح واسعة من المجتمع بالمؤسسات التي تديرها القوات المسلحة.

أين تقف التجربة المصرية؟
يُستشهد بوجود مؤسسات تعليمية عسكرية في عدد من دول العالم لتبرير دخول الجيش المصري إلى قطاع التعليم، غير أن المقارنة تكشف أن الفارق لا يكمن في وجود جامعات تتبع القوات المسلحة، بل في طبيعة الدور الذي تؤديه.
فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، تمتلك مؤسسات عسكرية عريقة، مثل الأكاديمية العسكرية في ويست بوينت والأكاديمية البحرية الأميركية، فيما تمتلك بريطانيا الأكاديمية العسكرية الملكية في ساندهيرست، وتدير فرنسا أكاديمية سان سير العسكرية.
إلا أن هذه المؤسسات أنشئت لغرض محدد يتمثل في إعداد الضباط وتأهيل القيادات العسكرية، ولا تعمل بوصفها جامعات مدنية تنافس مؤسسات التعليم العالي التابعة للدولة أو القطاع الخاص.
ويظهر الأمر ذاته، وإن بصيغة مختلفة، في الصين؛ فعلى الرغم من اتساع دور الدولة والجيش داخل مؤسساتها، يدير جيش التحرير الشعبي جامعات ومعاهد متخصصة في الطب والهندسة والعلوم العسكرية، لكنها تخدم احتياجات المنظومة الدفاعية والبحث العسكري، ولا تستقبل الطلاب بوصفها جامعات مدنية تقدم التعليم الجامعي العام في مختلف التخصصات.
ومن هنا، يرى عدد من الباحثين أن خصوصية الحالة المصرية لا ترتبط بامتلاك الجيش مؤسسات تعليمية، وإنما بانتقاله إلى سوق التعليم المدني نفسه.
فجامعة "كيان" لا تستهدف إعداد ضباط أو متخصصين عسكريين، بل تنافس الجامعات الحكومية والخاصة في استقطاب طلاب الثانوية العامة، ما يجعلها أقرب إلى مؤسسة تعليم عالٍ مدنية، رغم تبعيتها للقوات المسلحة.
وفي هذا السياق، يرى الباحث الأميركي روبرت سبرنجبورج أن احترافية الجيوش ترتبط بتركيز مواردها البشرية والمالية والتنظيمية على مهمتها الأساسية، وهي حماية الدولة والدفاع عن أمنها القومي.
ويحذر من أن توجيه هذه الموارد إلى إدارة قطاعات مدنية، مثل التعليم، قد يؤدي إلى تداخل في الاختصاصات، ويضعف التركيز على الوظيفة الدفاعية للمؤسسة العسكرية، حتى وإن كان الهدف من هذه المشروعات تحقيق عوائد اقتصادية أو تنموية.

أزمة أعمق
يأتي إنشاء جامعة "كيان" في وقت يشهد فيه قطاع التعليم العالي في مصر توسعاً غير مسبوق في عدد الجامعات. فوفق بيانات وزارة التعليم العالي والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تضم البلاد نحو 135 جامعة، تشمل الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة والتكنولوجية، إلى جانب فروع جامعات أجنبية ودولية، فيما استقبلت هذه المؤسسات قرابة 4 ملايين طالب خلال العام الدراسي 2024/2025.
وتظهر البيانات أن غالبية الطلاب ما زالوا يعتمدون على التعليم الحكومي؛ إذ يدرس نحو 59.2 بالمئة منهم في الجامعات الحكومية وجامعة الأزهر، مقابل 12.4 بالمئة فقط في الجامعات الخاصة والأهلية وفروع الجامعات الأجنبية، بينما يتوزع الباقون على المعاهد العليا والتكنولوجية والأكاديميات.
ويعكس ذلك استمرار اعتماد الأسر المصرية على الجامعات الحكومية، رغم التوسع الكبير في المؤسسات التعليمية المدفوعة خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار، دفعت الدولة بقوة نحو إنشاء الجامعات الأهلية التي بدأت منذ سبتمبر/أيلول 2020 بصفتها نموذجاً وسطاً بين الجامعات الحكومية والخاصة، قبل أن تتوسع لاحقاً بإطلاق جامعات جديدة، كان آخرها قرار إنشاء "الجامعة الدولية للعلوم والفنون والتكنولوجيا" في العاصمة الإدارية الجديدة خلال يناير/كانون الثاني 2026.
ومع دخول جامعة "كيان" إلى هذا المشهد، تصبح القوات المسلحة طرفاً جديداً في سوق يشهد بالفعل منافسة متزايدة على استقطاب الطلاب في التخصصات الأعلى إقبالاً، مثل الطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة والذكاء الاصطناعي.
لكن الجدل لا يرتبط بعدد الجامعات فحسب، بل يمتد إلى أولويات الإنفاق على التعليم. فبينما ينص الدستور المصري على تخصيص 4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم قبل الجامعي، و2 بالمئة للتعليم الجامعي كحد أدنى، ترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن الإنفاق الفعلي لا يزال دون هذه النسب عند قياسه إلى الناتج المحلي، رغم ارتفاع مخصصاته الاسمية في الموازنة العامة.
وفي السياق نفسه، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير صدر مطلع عام 2026: إن الحكومة المصرية لا تخصص إنفاقاً كافياً لقطاعي التعليم والرعاية الصحية، بما يتوافق مع التزاماتها الدستورية والدولية.
وفي ظل هذا الواقع، يرى مراقبون أن النقاش الدائر حول جامعة "كيان" يتجاوز مسألة إنشاء مؤسسة تعليمية جديدة، ليطرح أسئلة أوسع تتعلق بطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة المدنية، وحدود أدوار كل منهما، وأولويات تطوير منظومة التعليم في مصر.
فبينما تنظر الحكومة إلى المشروع بصفته إضافة جديدة لمنظومة التعليم العالي، يرى منتقدوه أنه يعكس استمرار اتساع حضور المؤسسة العسكرية في مجالات مدنية تقليدية، وهو ما يجعل الجدل حول الجامعة مرشحاً للاستمرار، بصفته جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل إدارة القطاعات المدنية في البلاد.

















