بين أنقرة ونيامي.. كيف تحولت البراغماتية السياسية إلى شراكة إستراتيجية؟

"تركيا تبدو شريكا مناسبا لعدة اعتبارات أبرزها غياب الإرث الاستعماري"
محطة مهمة في مسار العلاقات بين أنقرة ونيامي عقب الزيارة الرسمية لرئيس النيجر عبد الرحمن تشياني إلى تركيا في يونيو/حزيران 2026؛ إذ تتجاوز في دلالاتها حدود البروتوكول الدبلوماسي التقليدي، لتكشف عن تحولات أعمق في البيئة الجيوسياسية لمنطقة الساحل الإفريقي.
فالزيارة جاءت في توقيت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب لموازين القوى الإقليمية والدولية، بالتزامن مع تراجع النفوذ الغربي التقليدي وصعود فاعلين جدد يسعون إلى توسيع حضورهم السياسي والأمني والاقتصادي في إفريقيا.
وقد أسفرت الزيارة عن توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات التعليم والصحة والتجارة والدبلوماسية، وهو ما يعكس رغبة الطرفين في الانتقال من التعاون الظرفي إلى بناء شراكة مؤسسية طويلة الأمد.
ونشر مركز "تاسام" مقالا للكاتبة التركية حورية يلديريم تشينار، شددت فيه على أن “أهمية الزيارة لا تكمن في الاتفاقيات الموقعة فحسب، بل في الرسائل السياسية والإستراتيجية التي تحملها بالنسبة لكل من تركيا والنيجر”.

الشراكة المؤسسية
وقالت يلديريم تشينار: إنه منذ الانقلاب العسكري الذي شهدته النيجر في يوليو/ تموز 2023، وجدت البلاد نفسها في مواجهة ضغوط وعقوبات إقليمية ودولية، خصوصا من قبل فرنسا والولايات المتحدة والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس).
لكن في الوقت الذي اتجه فيه العديد من القوى الغربية إلى سياسة العزل والضغط، اختارت تركيا نهجا مختلفا، يقوم على الحفاظ على قنوات الاتصال والتعاون مع السلطة الجديدة في نيامي.
هذا الموقف يعكس طبيعة السياسة الخارجية التركية في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، والتي تعتمد بدرجة كبيرة على البراغماتية السياسية وتغليب المصالح الإستراتيجية على التقديرات الأيديولوجية.
من هذا المنطلق، يمكن عدّ زيارة تشيَاني لأنقرة تتويجا لمسار بدأ عقب الانقلاب، وتحولا من مرحلة إدارة العلاقات إلى مرحلة إضفاء الطابع المؤسسي عليها عبر آليات تعاون دائمة ومتعددة الأبعاد.
وأردفت الكاتبة التركية بأن أهمية النيجر بالنسبة لتركيا تنبع من مجموعة من العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية؛ فالبلاد تقع في قلب منطقة الساحل، وهي إحدى أكثر المناطق الإفريقية حساسية من الناحية الأمنية والإستراتيجية.
كما تمتلك النيجر ثروات طبيعية مهمة، وعلى رأسها اليورانيوم الذي يمثل موردا إستراتيجيا في ظل توسع تركيا في مشاريع الطاقة النووية، خاصة بعد تشغيل محطة أكويو النووية.
بالإضافة إلى اليورانيوم، تزخر النيجر بمعادن إستراتيجية وعناصر نادرة تدخل في الصناعات الحديثة والتكنولوجية، وهو ما ينسجم مع توجه تركيا نحو تنويع مصادر المواد الخام وتعزيز حضورها في قطاع التعدين الإفريقي.
من زاوية أخرى، تمثل النيجر نقطة ارتكاز مهمة ضمن رؤية تركيا الأوسع لتعزيز نفوذها في القارة الإفريقية؛ حيث تسعى أنقرة إلى بناء شبكة من الشراكات الاقتصادية والأمنية، والتي تمنحها حضورا مؤثرا في مناطق تشهد تنافسا متزايدا بين القوى الدولية.
وأشارت الكاتبة إلى أن فهم التقارب التركي النيجري لا يمكن أن يكون بمعزل عن البيئة الأمنية المضطربة في منطقة الساحل، فالنيجر تقع في منطقة تنشط فيها جماعات مسلحة وتنظيمات مرتبطة بالقاعدة وتنظيم الدولة، إضافة إلى بوكو حرام.
وقد أدى انسحاب أو تراجع الوجود العسكري الغربي في السنوات الأخيرة إلى خلق فراغ أمني، دفع العديد من دول المنطقة إلى البحث عن شركاء جدد.
في هذا السياق، برزت تركيا كفاعل قادر على تقديم بدائل عملية في مجال التعاون الدفاعي والعسكري، مستفيدة من التطور الكبير الذي شهدته صناعاتها الدفاعية خلال العقد الأخير.
كما أن نموذج التعاون التركي، القائم على التدريب ونقل الخبرات وتوفير المعدات العسكرية بشروط أقل تعقيدا من الشروط الغربية، منح أنقرة جاذبية متزايدة لدى الحكومات الإفريقية.
لذلك، فإن النيجر لا تنظر إلى تركيا بوصفها شريكا اقتصاديا فقط، بل بوصفها أيضا شريكا أمنيا قادرا على المساهمة في تعزيز الاستقرار الداخلي ومواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.

تنويع الشراكات
بالنسبة للقيادة النيجرية، تمثل الزيارة جزءا من إستراتيجية أوسع، تهدف إلى كسر العزلة الدولية التي فُرضت على البلاد بعد الانقلاب، وإظهار قدرتها على بناء علاقات دولية جديدة خارج دائرة النفوذ الغربي التقليدي.
كما تسعى حكومة تشياني إلى جذب استثمارات وشراكات، قادرة على دعم جهود التنمية الاقتصادية وتحسين الخدمات الأساسية في بلد يُعد من بين الأفقر عالميا.
في هذا الإطار، تبدو تركيا شريكا مناسبا لعدة تقديرات؛ أبرزها غياب الإرث الاستعماري، واعتماد خطاب يقوم على الشراكة المتكافئة، إضافة إلى الجمع بين التعاون الأمني والمشاريع التنموية.
وتنسجم هذه المقاربة مع احتياجات النيجر الحالية التي تتطلب في الوقت نفسه تعزيز الأمن وتحقيق التنمية الاقتصادية من أجل ترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي.
وأضافت الكاتبة أن زيارة تشيَاني لأنقرة تعكس تحولا أوسع في المشهد الجيوسياسي لمنطقة الساحل.
فالتنافس على النفوذ في المنطقة لم يعد مقتصرا على القوى الغربية التقليدية، بل أصبح يشمل قوى صاعدة مثل تركيا وروسيا والصين التي تسعى إلى توسيع حضورها عبر أدوات مختلفة تجمع بين الاقتصاد والأمن والدبلوماسية.
كما تكشف الزيارة عن تطور في السياسة الإفريقية ِلتركيا نفسها؛ حيث انتقلت من التركيز على المساعدات الإنسانية والدبلوماسية العامة إلى بناء شراكات إستراتيجية متكاملة، تشمل الأمن والطاقة والتجارة والاستثمار والتنمية.
وختمت الكاتبة مقالها بأن زيارة الرئيس تشياني إلى تركيا تؤكّد أن العلاقات التركية-النيجرية دخلت مرحلة جديدة، تتجاوز الطابع التقليدي للتعاون الثنائي.
فأنقرة تنظر إلى النيجر بوصفها شريكا إستراتيجيا مهما في قلب الساحل الإفريقي، بينما ترى نيامي في تركيا قوة صاعدة قادرة على توفير الدعم الأمني والاقتصادي والتنموي الذي تحتاجه في هذه المرحلة الحساسة.
وفي ضوء المتغيرات المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل، يبدو أن مستقبل العلاقات بين البلدين مرشح لمزيد من التوسع، الأمر الذي قد يجعل من الشراكة التركية-النيجرية أحد النماذج البارزة لإعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات في إفريقيا خلال السنوات المقبلة.

















