يديعوت أحرنوت: الإمارات تقف وراء مبادرة بشأن أزمة مياه الأردن مع إسرائيل

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

يواجه الأردن منذ سنوات أزمة مائية متصاعدة، نتيجة محدودية موارده المائية وازدياد عدد السكان، في وقت يُصنف فيه ثاني أكثر دول العالم معاناة من شح المياه. وقد أسهم توالي موجات الجفاف وتداعيات التغير المناخي في تفاقم هذه الأزمة.

ويُقدر العجز السنوي بين كميات المياه المتاحة وحجم الطلب بنحو نصف مليار متر مكعب، ما يجعل مواجهة أزمة المياه وتقليص هذه الفجوة من أبرز أولويات المملكة.

وفي هذا الإطار، أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية بأن إسرائيل تدرس مقترحًا لعقد قمة ثلاثية للطاقة في أبوظبي، تجمعها بالأردن والإمارات العربية المتحدة، لبحث عدد من القضايا.

ومن بين الملفات المطروحة اتفاق جديد للمياه، ينص على تزويد الأردن بخمسين مليون متر مكعب إضافية سنويًا، إلى جانب الكمية المماثلة التي تنقلها إسرائيل إليه بموجب معاهدة السلام.

ووفقًا للصحيفة، ستبحث القمة أيضًا مشروع "الازدهار"، الذي يتضمن إنشاء إسرائيل محطة لتحلية المياه بهدف تزويدها وتزويد الأردن بالمياه، مقابل إقامة المملكة الهاشمية محطة للطاقة الشمسية توفر الكهرباء لكل من الأردن وإسرائيل.

ومن المتوقع أن تتناول القمة المقترحة كذلك سبل تحسين العلاقات بين الأردن وإسرائيل، في ظل استمرار حالة الفتور بينهما، إذ لا تحتفظ عمّان بسفير لدى إسرائيل منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023، فيما لا يوجد سفير إسرائيلي في الأردن منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وتنص معاهدة السلام الموقعة بين الأردن وإسرائيل عام 1994 على أن تزود إسرائيل الأردن سنويا بـ50 مليون متر مكعب من المياه مقابل سعر رمزي.

وفي عام 2021، وقعت الحكومة الإسرائيلية اتفاقا يقضي بزيادة الإمدادات بنحو 50 مليون متر مكعب إضافية سنويا، بسعر مخفض قليلا، ولمدة ثلاث سنوات. 

وفي المقابل، طلبت عمان تمديد الاتفاق خمسة أعوام إضافية، ورفع حصة المياه إلى 80 مليون متر مكعب.

خزانات فارغة

في هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى أن "وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين كان يجدد الاتفاق كل ستة أشهر بعد تردد كبير في الجانب الإسرائيلي بشأن جدوى توفير هذه الكميات الإضافية".

ووفقا لها، "فقد وافقت  إسرائيل على تمديد الاتفاق نتيجة ضغوط أميركية، وكذلك بسبب مساهمة الأردن في اعتراض طائرات مسيرة إيرانية، في حين كان استمرار وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، في توجيه انتقادات لإسرائيل أحد أسباب التردد الإسرائيلي".

مع ذلك، لم يجدد كوهين الاتفاق منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وهو ما أدى، بحسب الصحيفة، إلى "زيادة التوتر بين البلدين وإثارة استياء واسع في عمان". مشيرة إلى أن الأردن "لم يحصل على الكميات الإضافية من المياه منذ ثمانية أشهر".

ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي رفيع قوله: "نحن نزود الأردن بالمياه التي نلتزم بتقديمها بموجب معاهدة السلام، ولسنا ملزمين بتزويده بكميات إضافية، وإذا توفرت إرادة طيبة بين البلدين، فسنقدم لهم تلك الكميات".

وأردف المسؤول: "ولا ينبغي أن ننسى أن عام 2025 كان الأكثر جفافا خلال المئة عام الماضية، ولذلك أردنا ملء خزاناتنا لصالح مزارعينا الذين لهم الأولوية على مزارعيهم".

في هذا الصدد، أوضحت الصحيفة أن إسرائيل "تدرس حاليا المبادرة الخاصة بعقد القمة الثلاثية لوزراء الطاقة، مشيرة إلى أن الإمارات تقف وراء هذه المبادرة وتسعى إلى توفير "مظلة من حسن النيات" للطرفين".

وتابع المسؤول الرفيع حديثه للصحيفة: "إذا هدأت أجواء الحرب الآن، فمن الممكن أن يعود هذا الاتفاق. الأردنيون غاضبون بالفعل، ويواجهون ضغوطا كبيرة لأنهم بحاجة إلى المياه".

واستدرك المسؤول: "لكن عندما تساعد جيرانك، فإنك تتوقع أن تكون العلاقات أكثر دفئا. ليس لديهم سفير في إسرائيل، وإذا عُقد لقاء في المستقبل، فستطرح جميع القضايا، بما في ذلك التطبيع. وستكون قضية المياه حاضرة أيضا، وهناك توقعات بأن تستخدم كأداة لتعزيز العلاقات بين البلدين".

في المقابل قال مصدر مقرب من السلطات الأردنية لهيئة البث الإسرائيلية "كان": "قضية المياه مهمة جدا بالنسبة لنا، وهي جزء من معاهدة السلام".

فيما نقلت الصحيفة عن مصادر أردنية قولها: "نشعر بإحباط إزاء تحول قضية المياه التي شكلت لسنوات جزءا لا يتجزأ من تنفيذ معاهدة السلام، إلى ورقة تفاوض من وجهة النظر الإسرائيلية".

وأكدت المصادر أن "المملكة الهاشمية تواجه أزمة حادة في المياه. مشيرة إلى أن استمرار تأخر تجديد الاتفاق قد يؤدي إلى تعميق أزمة العلاقات بين البلدين".

ضغوط سياسية

وقال المحلل الأردني المختص بشؤون الشرق الأوسط دهام مثقال الفوز في حديث لصحيفة “يديعوت أحرونوت”: إن "الحكومة اليمينية الحالية في إسرائيل تنتهج منذ وصولها إلى السلطة سياسة تقوم على إضعاف العلاقات مع الأردن، وذلك على خلفية الخلاف بشأن اتفاق تزويد المملكة بكميات إضافية من المياه".

وأوضح أن "إسرائيل تواصل تزويد الأردن سنويا بـ50 مليون متر مكعب من المياه وفقا لما تنص عليه معاهدة السلام، بينما يدور الخلاف حول اتفاق منفصل لم يجدد منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وينص على تزويد الأردن بـ50 مليون متر مكعب إضافية سنويا بأسعار مخفضة".

وشدد الفوز على أنه "لا ينبغي استخدام المياه أداة للضغط السياسي؛ لأنها ترتبط مباشرة بالأمن المائي واحتياجات ملايين الأردنيين".

ومن وجهة نظره، فإن "عدم تجديد اتفاق الكميات الإضافية يندرج ضمن سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية التي اتبعت منذ توليها السلطة نهجا يقوم على تقويض العلاقات مع الأردن وإضعاف الثقة المتبادلة، بل وإخضاع معاهدة السلام لاختبارات متكررة عبر سلسلة من الخطوات والتصريحات التصعيدية".

وأكد الفوز أن الأردن "يتمسك بالاتفاقيات الموقعة، مشددا على أن احترام الالتزامات المتبادلة هو أساس الحفاظ على الاستقرار".

وأردف: "إن استخدام المياه كأداة مقايضة سياسية لا يخدم السلام، بل يرسل رسالة سلبية مفادها أن الاتفاقيات قابلة للخضوع للحسابات السياسية الداخلية".

ويعتقد المحلل الأردني أن "هذه التطورات يجب أن تدفع عمّان لتسريع جهودها لتحقيق الأمن المائي عبر تنويع مصادر المياه وتطوير محطات التحلية، بحيث لا تتمكن أي حكومة -بغضّ النظر عن توجهها السياسي- من استخدام هذا الملف كوسيلة ضغط على الأردن".

في هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى أن الأردن "يسعى بالفعل خلال السنوات الأخيرة إلى تقليل اعتماده على المياه الإسرائيلية، وإن كانت جهوده لم تحقق نجاحا كبيرا حتى الآن".

وذكرت أنه "في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، وخلال الأيام الأولى للحرب في قطاع غزة، أعلن وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أن المملكة لن تمضي في تنفيذ اتفاق "المياه مقابل الطاقة" مع إسرائيل، في ظل التوتر الذي تشهده العلاقات بين الجانبين".

وبموجب ذلك الاتفاق، كانت إسرائيل ستبيع الأردن مياها محلاة مقابل حصولها على كهرباء مولدة من الطاقة الشمسية.

وتابعت: "بعد اتخاذه هذا القرار، أعاد الأردن إحياء مشروعه الوطني الطموح المعروف باسم “الناقل الوطني للمياه” الذي يهدف إلى تحلية مياه العقبة ونقلها إلى مختلف مناطق المملكة".

وأفاد أحمد السمادي، المدير الفني للمشروع، بأن أعمال البناء ستبدأ في الربع الأخير من عام 2026 بعد اكتمال مراحل الإعداد النهائية، فيما تعمل الجهات المعنية حاليا على إعداد الاتفاقات التمهيدية وتهيئة الظروف لانطلاق التنفيذ.

وأردفت الصحيفة: "سيستغرق المشروع نحو أربع سنوات، من بدء أعمال البناء حتى بدء ضخ المياه، على أن تبدأ عمليات الضخ خلال الربع الأخير من عام 2030".

وبحسب السمادي فإن التكلفة التقديرية للمشروع تبلغ نحو 5.8 مليارات دولار بالشراكة مع جهات دولية. مشيرا إلى أن المشروع خضع لتعديلات مقارنة بالخطة التي طرحت عام 2016، وأن المخطط الحالي يستهدف إنتاج نحو 300 مليون متر مكعب من المياه سنويا، بما يغطي نحو 40 بالمائة من احتياجات المواطنين من مياه الشرب.

’’طعنة في الظهر’’

من جانبه، قال رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في الكلية الأكاديمية للجليل الغربي والباحث في مركز ديان لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا بجامعة تل أبيب، رونين يتسحاق: إن "الأزمة الحالية لن تؤدي إلى الإضرار بالعلاقات بين البلدين"، واصفا إياها بأنها "أزمة محدودة" تأتي ضمن سلسلة من التوترات المتكررة. 

وأوضح أن "إسرائيل وافقت عام 2021 على تزويد الأردن بالكميات الإضافية من المياه، لكنها امتنعت لاحقا عن تجديد الاتفاق بسبب مطالبتها الأردن بتخفيف حدة تصريحاته السياسية".

وأضاف يستحاق: "رفض الأردن الربط بين المواقف السياسية وملف المياه، مقدرا أنه تعرض للابتزاز، خاصة في ظل الرأي العام الأردني المعادي لإسرائيل".

وأردف: "لم يكن الأردنيون، الذين ما زالوا يؤيدون القضية الفلسطينية بقوة، مستعدين للتخلي عن هذا الدعم مقابل الحصول على المياه".

ووفقا له، "أثارت هذه القضية غضبا واسعا في الأردن؛ إذ إن ربط إسرائيل بين ملف المياه والمواقف السياسية كان خطأ".

وأشار يتسحاق إلى أن "توقيت إثارة هذا الملف يزيد من حساسيته، لا سيما بعد الحرب مع إيران". موضحا أن الأردن "قدم لإسرائيل وللولايات المتحدة دعما يفوق ما قدمته أي دولة أخرى، في وقت كان الرأي العام الأردني يعارض هذا الدعم".

واستطرد: "طرح قضية المياه في هذه الظروف يعزز لدى الأردنيين الشعور بأنهم تعرضوا لـ(طعنة في الظهر)".

وحول مآلات الأزمة الحالية، لا يعتقد يتسحاق أن الأزمة ستغير الواقع القائم، متوقعا "استمرار الاتصالات السرية بين الطرفين للتوصل إلى حل".

وعزا ذلك إلى أن "لإسرائيل أيضا مصلحة في إنهاء الأزمة، لأنها لا ترغب في زيادة التوتر أو زعزعة الاستقرار في الأردن بسبب ملف المياه".

لكنه حذر في الوقت نفسه من أن "الجدل العلني حول القضية يجعل من الصعب على الأردن الموافقة على تجديد الاتفاق، لأن ذلك قد يفسر داخليا على أنه تراجع عن موقفه من القضية الفلسطينية".