الحية يخلف السنوار في قيادة حماس.. رسالة تماسك في قلب المعركة

يعد الحية أحد أبرز القيادات السياسية في حماس وكبير مفاوضيها
يعيش قطاع غزة مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها التحولات السياسية داخل حركة حماس مع تصعيد عسكري إسرائيلي متواصل، في مشهد يعكس استمرار الحرب على المستويين الميداني والسياسي.
ففي الوقت الذي أعلنت فيه الحركة انتخاب خليل الحية رئيسا لمكتبها السياسي خلفا ليحيى السنوار، واصلت إسرائيل غاراتها المكثفة على القطاع، مخلّفة عشرات الضحايا، وسط تعثّر جهود تثبيت وقف إطلاق النار.
وفي 20 يوليو/تموز 2026، أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) انتخاب القيادي خليل الحية رئيسا جديدا لمكتبها السياسي، خلفا ليحيى السنوار الذي استشهد خلال اشتباك مع القوات الإسرائيلية في رفح جنوب قطاع غزة، في أكتوبر/تشرين الأول 2024.
وجاء الإعلان في بيان مقتضب أصدرته الحركة، بعد اقتراع داخلي حسم لصالح الحية بحصوله على 35 صوتا، متقدما بفارق صوت واحد على رئيس الحركة في الخارج خالد مشعل، وفق ما أورده مدير مكتب الجزيرة في فلسطين وليد العمري.
ويأتي انتخاب الحية بعد مسيرة سياسية وتنظيمية بارزة، تصدر خلالها قيادة وفد الحركة المفاوض لأكثر من عامين في ظروف استثنائية، فقد خلالها أربعة من أبنائه، فيما أصيب نجله الوحيد المتبقي في قصف إسرائيلي استهدف مدينة غزة العام الماضي.
وكان السنوار قد شغل منصب قائد الحركة في قطاع غزة، قبل أن يتولى الحية قيادة الحركة في القطاع إلى جانب رئاسته الوفود المفاوضة في المحادثات غير المباشرة مع إسرائيل بشأن وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.
وخلال اتصال هاتفي تلقاه من رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد الذي هنأه بانتخابه، شدد الحية على مواصلة العمل مع مصر وقطر وتركيا لتثبيت وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
مفاوض بارز
ويعد الحية أحد أبرز القيادات السياسية في حماس وكبير مفاوضيها، ويأتي انتخابه في ظل استمرار إسرائيل في استهداف قيادات الحركة، بعد اغتيال عدد منهم منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما في ذلك محاولة استهداف وفدها المفاوض برئاسته في الدوحة خلال سبتمبر/أيلول 2025.
ووُلد خليل الحية عام 1960، وحصل على درجة الدكتوراه في السنة النبوية من جامعة السودان عام 1997. وانتخب عضوا في المجلس التشريعي الفلسطيني عن غزة عام 2006، قبل أن يتولى عددا من المناصب القيادية داخل الحركة، أبرزها رئاسة مكتب العلاقات العربية والإسلامية عام 2021.
وبرز اسمه بصورة لافتة خلال الحرب على غزة؛ إذ قاد وفد الحركة في جولات التفاوض التي رعتها مصر وقطر والولايات المتحدة وتركيا، وتمسك بمطالب شملت انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، وتبادل الأسرى، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات الإنسانية، والبدء بإعادة الإعمار.
وفي ظل قيادته للوفد، أعلنت حماس استعدادها لتسليم إدارة قطاع غزة إلى لجنة فلسطينية، وقبول وجود قوة دولية للإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار.
كما تعرض الحية لعدة محاولات اغتيال إسرائيلية، أبرزها قصف منزله في غزة عام 2007، الذي أدى إلى مقتل عدد من أفراد عائلته، كما قتل نجله حمزة خلال المواجهات مع الجيش الإسرائيلي عام 2008.
ونجا الحية أيضا من محاولة اغتيال استهدفت وفده المفاوض في الدوحة عام 2025، وأسفرت عن مقتل نجله همام، ومدير مكتبه جهاد لبد، وثلاثة من مرافقيه، إضافة إلى عنصر أمن قطري، بحسب بيانات رسمية صدرت آنذاك.
سياسيا، يدعم الحية عملية "طوفان الأقصى"، ويرى أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، كما يدعو إلى محاكمة القيادة الإسرائيلية، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة مع ضمان حق عودة اللاجئين، بالتوازي مع مواصلة الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار.
ويرى مراقبون أن انتخابه في هذا التوقيت يحمل رسالة تؤكد استمرارية البنية القيادية لحماس رغم الاغتيالات، مع إعطاء أولوية لوقف الحرب، وإعادة الإعمار، ورفض أي مشاريع للتهجير.
تصعيد ميداني
ميدانيا، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة ارتفاع حصيلة ضحايا الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 73 ألفا و283 شهيدا، و173 ألفا و864 مصابا.
وأوضحت الوزارة أن الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أسفرت وحدها عن استشهاد 1158 فلسطينيا وإصابة 3756 آخرين، إضافة إلى انتشال 802 جثمان من تحت الأنقاض حتى الآن.
وأفادت مصادر طبية ومحلية بأن سلسلة غارات إسرائيلية متزامنة استهدفت مناطق متفرقة من القطاع، وأسفرت عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين وإصابة 22 آخرين.
واستهدفت طائرات مسيرة إسرائيلية مركبة تابعة لشركات تأمين وإغاثة في منطقة مواصي خان يونس قرب المستشفى البريطاني، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة أشخاص.
كما قصفت آليات الاحتلال مركبة مدنية في شارع الجلاء بمدينة غزة، ما أدى إلى احتراقها بالكامل وسقوط ضحايا من المدنيين، بينهم نساء وأطفال.
وفي شمال القطاع، تعرض محيط مستشفى "اليمن السعيد" في مخيم جباليا، وبلدة بيت لاهيا، لقصف مدفعي مكثف، تزامنا مع إطلاق قنابل إنارة بكثافة فوق المناطق السكنية.
وفي وسط القطاع وجنوبه، استهدفت الآليات العسكرية المتمركزة شرق دير البلح ومخيم النصيرات خيام النازحين بالرصاص وقذائف المدفعية، فيما أصيب عدد من النازحين في مواصي رفح برصاص حي، وسط رصد إنشاء الجيش الإسرائيلي ساترا ترابيا ضخما لتوسيع المنطقة العازلة داخل القطاع.
وفجر 21 يوليو/تموز، قتلت أم فلسطينية وأطفالها الأربعة في غارة إسرائيلية استهدفت منزلهم وسط مدينة غزة، بالتزامن مع توغل آليات عسكرية شرقي مدينة دير البلح.
كما واصلت المدفعية الإسرائيلية قصفها للمناطق الواقعة جنوب شرقي حي الزيتون بمدينة غزة، وسط إطلاق نار كثيف من الآليات العسكرية.
في المقابل، جددت طواقم الدفاع المدني والإسعاف تحذيراتها من تفاقم الكارثة الإنسانية، مؤكدة وجود مئات الضحايا تحت الأنقاض وفي الطرقات، في ظل عجزها عن الوصول إليهم بسبب نقص المعدات؛ إذ لا يتوفر سوى ثلاث آليات ثقيلة صالحة للعمل في كامل القطاع، فضلا عن تعرض فرق الإنقاذ للاستهداف المباشر من الطائرات المسيرة الإسرائيلية.
ومنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وسع الجيش الإسرائيلي نطاق سيطرته داخل قطاع غزة، لترتفع مساحة الأراضي الخاضعة لسيطرته من 53 بالمئة إلى نحو 70 بالمئة، وفق تصريحات مسؤولين إسرائيليين.
خليفة السنوار
واحتفى ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي بانتخاب الحية كـ"استمرار لنهج السنوار" عادّين ذلك استمرارا لنهج المقاومة والتمسك بخيارها رغم الاغتيالات، مشددين على أن "القادة يسقطون والمقاومة مستمرة"، متداولين صورا للحية ومقاطع فيديو هو يؤكد أن "قتل الأبناء لن يرهبنا".
وأعربوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #خليل_الحية، #غزة، #يحيى_السنوار، #حماس، وغيرها، عن تفاؤل بـ"صلابة الحية التفاوضية"، عادّين الانتخاب خطوة تعزز الوحدة الداخلية لحماس في مواجهة الضغوط الإسرائيلية والدولية.
وأبدى ناشطون إعجابهم بقدرة الحركة على إجراء انتخابات داخلية حرة واقتراع سري تكلل بفرز الأصوات واختيار رئيسها الجديد وسط ظروف أمنية معقدة وحصار خانق، ورأوا في ذلك رسالة قوة وثبات تنظيمي، ووفاءً لدماء الشهداء، مع التركيز على تماسك الحركة واستمراريتها في مواجهة التحديات.
دلالات ورسائل
وسلط باحثون وناشطون ومحللون الضوء على دلالات انتخاب الحية رئيساً للمكتب السياسي لحركة حماس خلفاً للشهيد السنوار، وأبرزوا دلالة التماسك التنظيمي والحيوية الداخلية لحماس رغم الاغتيالات والضغوط الإسرائيلية الشديدة.
وعدوا أن الانتخاب (الذي جاء بفارق صوت واحد على خالد مشعل) رسالة تحدٍّ بأن الحركة قادرة على إدارة شؤونها الداخلية واستكمال انتخاباتها في ظروف أمنية بالغة الصعوبة، مما يعكس مركزية غزة في القرار واستمرار النهج المقاوم دون تراجع.
وأشاروا إلى أن اختيار الحية (المعروف بتاريخه في غزة وتضحياته العائلية) يؤكد التمسك بالجذور والولاء لـ"ولي الدم"، ويبعث برسالة وحدة واستمرارية للمحور رغم الخسائر، كما يمثل انتقالاً سلساً يحافظ على الثوابت الوطنية في مرحلة "ما بعد الحرب".
فيما رأى آخرون أن اختيار الحية يعزز البراغماتية في المفاوضات مع الحفاظ على خيار المقاومة، خاصة أن الحية كان كبير المفاوضين، لكنهم حذروا من استمرار التحديات مثل الضغوط الإسرائيلية (بما في ذلك إدراجه هدفاً للاغتيال) والانقسام الفلسطيني.
إنسانية القائد
وركز ناشطون بشكل واسع على الجانب الإنساني، والسيرة الشخصية للحية، ووصفه بـ"والد الشهداء"، "رمز الصمود" الذي يجسد معاناة الشعب الفلسطيني نظراً لفقده معظم أفراد أسرته وأبنائه في الغارات الإسرائيلية، مقدرين أن عائلته تدفع ضريبة الدم كباقي العائلات الفلسطينية.
ملفات تنتظره
وتحدث ناشطون عن سيناريوهات إدارة ملف المفاوضات، لافتين إلى أن الحية يمتلك خبرة تفاوضية طويلة تؤهله للتعامل مع المقترحات الدولية وخطط ما بعد الحرب، مشيرين إلى الملفات التي تنتظره.
وأكدوا أن مهمته الأكثر إلحاحًا هي الحفاظ على كينونة الحركة وتماسكها، وإعادة ضبط مراكز القرار، وبلورة رؤية واقعية لدورها في المشهد الفلسطيني خلال الحرب وبعدها، واتخاذ قرارات تسهم في وقف الحرب، وإنهاء القتل، وفتح الطريق أمام الإغاثة والإعمار، وتمكين الناس من العودة إلى حياة طبيعية.
خشية الاحتلال
وأكد ناشطون أن الاحتلال الإسرائيلي يخشى الحية؛ لأنه يمثل استمرارية "الجناح الراديكالي" أو المتشدد في حماس، خاصة بعد خسارة قادة كبار مثل السنوار وهنية، عادين انتخابه صفعة مدوية على وجوهِ الاحتلال وذيوله.
وأشاروا إلى أن الحية هو ابن الشجاعية، فقد أبناءه الشهداء (أربعة على الأقل)، وله تاريخ طويل في المقاومة منذ تأسيس حماس، وكان رئيساً لوفد المفاوضات ويُنظر إليه كـ"صوت غزة" الذي يرفض التنازلات السهلة.
ولفت ناشطون إلى أن انتخاب الحية يُفسر كرسالة تحدٍّ وتمسك بالمقاومة رغم الضغوط والاغتيالات، مما يدفع إسرائيل لاستهدافه كأولوية أولى في قوائم الاغتيال؛ لأنه يعكس حيوية الحركة ورفضها للبراغماتية التي قد "تلين" المواقف.
وشددوا على أن هذا الخوف يعكس فشل إسرائيل في القضاء على الروح المقاومة، ويربطونه بمواقف الحية الداعمة للمحور والميدانيين في غزة.
إبادة مستمرة
وبالتوازي مع تركز الحديث عن انتخاب الحية، برز تفاعل قوي مع التطورات الميدانية الأخيرة، وتركزت على قصف إسرائيلي استهدف منزل عائلة المصري في شارع الثلاثيني بمدينة غزة فجر اليوم، مما أدى إلى استشهاد أسرة كاملة (الأب فراس، الزوجة سلسبيل، وأطفالهما الأربعة: نعيم، فريال، سلمى، وأميرة)، وتفحم الجثامين بسبب اندلاع حريق.
كما أفادت وزارة الصحة بارتقاء 10 شهداء و42 جريحاً خلال 24 ساعة (بعض المصادر ذكرت 13).
وانتشرت صور وفيديوهات لتشييع الشهداء الستة، مع تعليقات مثل "أسرة كاملة أُبيدت ومُحيت من السجل المدني" و"أجسادهم تفحمت.. جريمة جديدة تضاف إلى سلسلة استهداف المدنيين"، فيما عبر ناشطون عن صدمة خاصة لمقتل أطفال صغار.
ووصف البعض الحادث بـ"مجزرة" أو "جريمة حرب"، مؤكدين أن "الحرب لا تزال مستمرة رغم الوسطاء"، وأن استهداف العائلات يثبت نية الاحتلال في القتل الجماعي والتدمير.
وظهرت عبارات مثل "الشهداء يروون الأرض" و"المقاومة مستمرة"، مع ربط الحدث بانتخاب خليل الحية كدليل على "الاستمرارية رغم الخسائر".
وانتقد البعض "الصمت الدولي" أو "التواطؤ"، ودعوا إلى تحرك عربي وإسلامي أقوى، كما ظهرت تعليقات ساخرة أو محبطة حول "الوعود بالهدنة" التي لا تتحقق.
وانتشرت هاشتاجات مثل #غزة_تحت_النار و#شهداء_غزة، مع مشاركة واسعة لصور التشييع ودعوات للدعاء والتبرع.















