منصة إسرائيل "السرية".. لماذا أثار تقرير "سي إن إن" غضب أذربيجان؟

"أذربيجان باتت في نظر إسرائيل عمقا إستراتيجيا لا يُتنازل عنه"
في ظل التصعيد بين إسرائيل وإيران، تتجه الأنظار إلى الأدوار الخفية التي تؤديها بعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها أذربيجان، وسط تساؤلات بشأن تأثير تحالفاتها الأمنية على توازنات المنطقة.
ونشرت شبكة "سي إن إن" تقريرا حول العمليات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية في أذربيجان خلال الحرب ضد إيران، وهو ما قد يكون جزءا من سياق أوسع يتجاوز التغطية الإعلامية التقليدية، بحسب مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية.

جبل جليد
ووفق قراءة تحليلية للمجلة، فإن هذا التقرير قد يندرج ضمن مخطط أميركي-إسرائيلي مدروس يهدف إلى تقييد هامش خيارات باكو، ودفعها نحو انحياز أوضح لصالح إسرائيل في أي مواجهة مستقبلية محتملة مع إيران.
وأشارت إلى أن الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، وصف قبل سنوات علاقة بلاده بإسرائيل بأنها "جبل جليد، 90 بالمئة منه مخفي تحت الماء"، وأضافت أن شبكة "سي إن إن" حاولت في تقريرها الأخير سحب الجزء المخفي إلى العلن.
واستندت الشبكة في تقريرها إلى أربعة مصادر مجهولة الهوية تبدو على دراية بأنشطة عسكرية واستخباراتية إسرائيلية بالغة الحساسية في منطقة الشرق الأوسط الكبير.
وأكدت "ريسبونسبل ستيتكرافت" أن طبيعة المعلومات المُسرَّبة تشير بقوة إلى أن هذه المصادر أميركية أو إسرائيلية أو وثيقة الصلة بالمؤسستين الأمنيتين في البلدين.
وأفادت المصادر لشبكة "سي إن إن" بأن إسرائيل نشرت سرا وحدات عسكرية واستخباراتية نخبوية في مواقع متعددة جنوب أذربيجان إبان الحرب الأخيرة مع إيران، وشملت هذه الوحدات قوات العمليات الخاصة وعناصر من الموساد وفرق إنقاذ بالمروحيات.
هذه القوات انطلقت من مواقع تبعد نحو 60 ميلا فقط عن مدينة تبريز الإيرانية الكبرى في الشمال؛ إذ نفّذت عمليات مسيّرات وزرعت أجهزة تنصت، وأسهمت في التمهيد لاغتيال مسؤول استخباراتي رفيع في الحرس الثوري.
ووضعت "سي إن إن" كل ذلك في سياق مواقع سرية أخرى استخدمتها إسرائيل في العراق والإمارات وإقليم "أرض الصومال" الانفصالي خلال الحرب، مشيرة إلى أن هذه المواقع تشكّل طوقا من النقاط المتقدمة حول إيران.
وجاءت ردة فعل باكو غاضبة؛ إذ وصفت وزارة الخارجية التقرير بأنه "لا أساس له من الصحة" ومخالف لأخلاقيات الصحافة، مؤكدة أن "أذربيجان لم تسمح قط ولن تسمح باستخدام أراضيها لمثل هذه الأغراض".
وطالبت باكو "سي إن إن" بسحب ما وصفته بـ"الادعاءات التي لا سند لها".
عمليات سرية
وتساءلت المجلة عن توقيت هذا التسريب، مشيرة إلى أن العلاقة الإستراتيجية بين إسرائيل وأذربيجان ليست وليدة اليوم، إذ طالما خضعت للتدقيق الإقليمي.
فإسرائيل تزوّد أذربيجان بأسلحة متطورة، إذ تستورد منها ما يصل إلى 70 بالمئة من احتياجاتها الدفاعية وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "سيبري"، فيما تشتري منها نحو 40 بالمئة من استهلاكها النفطي.
في المقابل، تحصل إسرائيل على موطئ قدم على حدود إيران، فيما تحظى أذربيجان بدعم اللوبي الموالي لإسرائيل في واشنطن.
وذكّرت المجلة بأن الباحث الراحل في معهد كوينسي، مارك بيري، كشف في مقال مفصّل نشرته مجلة "فورين بوليسي" عام 2012 أن أذربيجان كانت "منصة إسرائيل السرية" في مواجهة إيران.
وأفادت بأنه رغم غياب أي ادعاءات رسمية، فإن أحد التفسيرات المحتملة لتوقيت التسريب هو أن واشنطن وإسرائيل تريدان ضمان عدم تراجع باكو عن تعاونها، مقدرة أن الإعلان عن القواعد المزعومة يُسقط عن باكو ورقة التوت؛ إذ لم تعد تستطيع إنكار ما جرى على أراضيها أمام طهران.
وربطت المجلة ذلك بنمط متكرر، إذ أشارت إلى تقارير سرّبت زيارة سرية لرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، إلى الإمارات في أعقاب المرحلة النشطة من الحرب؛ حيث نفى المسؤولون الإماراتيون الزيارة بشدة فيما تباهى نظراؤهم الإسرائيليون بها علنا.
ورأت المجلة أن التسريب كان مرتبطا جزئيا بتقديرات سياسية داخلية إسرائيلية؛ إذ يسعى نتنياهو إلى تعزيز صورته كرجل دولة في مواجهة منافسه الأبرز، نفتالي بينيت، في الانتخابات المرتقبة، غير أن أثره كان تقييد أبو ظبي وربطها بالموقف الإقليمي الإسرائيلي تجاه إيران.
وقالت: إن المنطق ذاته ينطبق على أذربيجان وهو تكبيل يديها، فإذا ردّت إيران على الإمارات أو أذربيجان أو كلتيهما، اضطرتا إلى اللجوء إلى إسرائيل طلبا للحماية، ما يُرسّخ تبعيتهما الأمنية للأخيرة.

الخط الأحمر
وأشارت إلى أن الهجوم الإيراني بالمسيّرات على منطقة نخيجوان في مارس/آذار 2026، الذي وصفه علييف بـ"عمل إرهابي"، فُسِّر من المصادر الإيرانية على أنه طلقة تحذيرية لا بداية لعمليات أوسع.
وأضافت أن إيران آثرت طوال الحرب تجنّب فتح الجبهة الشمالية، مركّزة على الخليج وتبادل الصواريخ مع إسرائيل، مذكّرة بأن علييف، رغم تهديداته بالانتقام، لم يتخذ بعد أي إجراء، بل أرسل شحنات إنسانية إلى إيران بعد ذلك بوقت قصير.
وأكدت المجلة أن لا باكو ولا طهران كانتا تريدان مواجهة مفتوحة في تلك المرحلة، غير أن المعطيات الأخيرة قد توفر لطهران مبررا للتحرك ضد باكو في المرة القادمة إذا استُؤنفت الحرب.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي في تقدير المجلة؛ إذ إن استئناف الحرب قد يدفع إيران إلى عد أذربيجان هدفا عسكريا مشروعا، وعندئذ ستُضطر باكو إلى الاختيار بين الانحياز الكامل لإسرائيل وما يستتبعه من انتقام مدمّر، أو القطيعة مع شريكها الدفاعي الأهم جنبا إلى جنب مع تركيا.
وأشارت إلى تحفّظ في هذا السياق، مفاده أن ثمة فارقا هائلا بين التورط المباشر والعملياتي لباكو في أعمال محددة ضد إيران، كالسماح بانطلاق غارات إسرائيلية من أراضيها، وبين الأدوار اللوجستية كاستضافة وحدات الكوماندوز الإسرائيلية التي أسهمت في تصفية أحد جنرالات الحرس الثوري على الأراضي الإيرانية.
وقالت المجلة: إن هذا الفارق بالغ الأهمية، وقد يُعدّ سببا كافيا للحرب.
ولفتت إلى أن ردة الفعل الإيرانية المحدودة حتى الآن تشير إلى أن طهران ستدرس ادعاءات "سي إن إن" بعناية قبل أن تصل إلى استنتاجاتها؛ إذ إن الإجراءات الإيرانية الحالية تُظهر قدرا من التحسب، بحيث تحسب طهران جيدا ما إذا كان هذا الكشف مفيدا لها، وما إذا كان يمنحها نفوذا، أم أنه يستدرجها إلى التحرك قبل أن تكون مستعدة.
ممر ترامب
وأشارت المجلة إلى العامل التركي بوصفه معادلة موازية، فرغم الاحتكاكات الأخيرة، تبقى أنقرة الحليف الثابت لباكو، وإيران تنظر إلى تركيا بوصفها ندا عسكريا، ولن تُقدم على أي خطوة تضعها في مسار تصادم مع أنقرة.
وأوضحت أن أنقرة أدّت دورا مساعدا في تهدئة الجماعات الكردية وصرفها عن شنّ حملة ضد إيران في الأيام الأولى من الحرب الأميركية-الإسرائيلية التي انطلقت في 28 فبراير/شباط 2026، وهو ما لن تنساه طهران.
وأشارت المجلة إلى أن تقرير "سي إن إن" يُلحق ضررا بمشروع "طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي" (TRIPP)، المعروف بـ"ممر القوقاز" الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في إطار اتفاق السلام بين أذربيجان وأرمينيا.
وقالت: إن المشروع يُسوَّق بوصفه إسفينا إستراتيجيا في وجه النفوذ الروسي والإيراني في جنوب القوقاز، إذ يهدف إلى ربط أذربيجان برا عبر أرمينيا بجيبها "نخجوان" ثم تركيا، متجاوزا إيران.
وأكدت أن هذا المشروع يحتاج لاستقرار، فالمستثمرون بحاجة إلى ضمانات بأن المنطقة مركز عبور آمن ومحايد، وليس قاعدة عمليات متقدمة لوحدات الكوماندوز الإسرائيلية، موضحة أن أزمة جديدة في الجزء الأذري من الممر قد تُنفّر المستثمرين المحتملين، الذين سبق أن أصابهم الاضطراب جراء الحرب مع إيران.
وختمت المجلة بأن “إسرائيل لن تُفلت أذربيجان من قبضتها بسهولة، رغم أن المشروع يُعدّ واحدا من إنجازات ترامب السلامية الكبرى التي يأمل أن تُكسبه جائزة نوبل للسلام، فأذربيجان باتت في نظر إسرائيل عمقا إستراتيجيا لا يُتنازل عنه”.
وقالت: إن “هذا ربما يكون الهدف الحقيقي من تسريب (سي إن إن)، سواء أكان مقصودا أم لا هو إغلاق باب أي مصالحة أذربيجانية مستقبلية مع إيران، فجبل الجليد قد رُسم الآن، وعلى باكو وطهران وسائر الأطراف أن تبحر حوله، أو تحاول تفجيره”.


















