معهد عبري: هكذا تسعى أنقرة لمحاصرة إسرائيل عبر المتوسط وسوريا وغزة

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في مؤشر على تنامي مخاوف الكيان الإسرائيلي من الدور التركي، حذّر معهد عبري من أن أنقرة قادرة على خنق إسرائيل تجاريا وعسكريا، داعيا إلى التعامل مع هذا التهديد بعقلية القوة الإقليمية.

وجاء التقرير المنشور في معهد "القدس للإستراتيجية والأمن" بقلم كل من العقيد (احتياط) البروفيسور غابي سيبوني وهو مستشار أول للجيش ومؤسسات أمنية إسرائيلية أخرى، والعميد (احتياط) إيريز وينر، الذي كان مساعدا لرئيس الأركان.

الأزمة الكبرى

وقال المعهد: إن العلاقات بين تركيا وإسرائيل شهدت أوجها خلال الفترة الممتدة بين 1996 و2008، حين تطوّرت إلى شراكة حقيقية شملت اتفاقيات تعاون عسكري وأمني.

وارتفع حجم التبادل التجاري من 300 مليون دولار سنويا في التسعينيات إلى أكثر من مليار دولار مطلع الألفية الثالثة.

لكن بدأ التحوّل بعد وصول رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، ووجّه السياسة الخارجية التركية نحو دعم الفلسطينيين وجماعة الإخوان المسلمين. بحسب المعهد.

وجاءت الأزمة الكبرى في 31 مايو/ أيار 2010 مع حادثة سفينة "مرمرة"، حين اعترضت البحرية الإسرائيلية السفينةَ التركية المشاركة في أسطول كسر الحصار على غزة.

وأسفر الاعتراض عن مقتل تسعة أتراك ومواطن أميركي، وأفضى إلى انهيار العلاقات وسحب السفراء ووقف التعاون العسكري.

ولم تُجدِ محاولات التطبيع اللاحقة نفعا، ابتداء من اعتذار إسرائيل عام 2013، مرورا باتفاق المصالحة عام 2016 وزيارة رئيس الاحتلال الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أنقرة عام 2022، وصولا لتبادل السفراء من جديد.

وواصلت تركيا استضافة قيادات “حماس” والسماح بنشاطها من أراضيها، وبعد عملية 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحوّلت أنقرة مكانا لقادة الحركة، فيما شبّه أردوغان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ"هتلر".

عثمانية جديدة

وادعى التقرير  أن التهديد التركي تصاعد بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 ودخول تركيا إلى سوريا.

وفي أبريل/نيسان 2026، أعلن أردوغان صراحة: "كما دخلنا قره باغ وليبيا، سنفعل الأمر ذاته معهم"، في إشارة إلى إسرائيل. 

كما وصف وزير الخارجية هاكان فيدان إسرائيل بأنها "دولة لا تستطيع العيش بلا عدو"، وأصدر المدعون العامون الأتراك لوائح اتهام بحق نتنياهو و34 مسؤولا إسرائيليا آخر.

ويرى المعهد أن هذا التحوّل يرتكز على أيديولوجية راسخة هي “العثمانية الجديدة” التي صاغ إطارها الفكري رئيس الوزراء الأسبق، أحمد داود أوغلو، في كتابه "العمق الإستراتيجي" عام 2001، داعيا إلى جعل تركيا القوة المهيمنة في الشرق الأوسط.

وبحسبه، فقد حوّل أردوغان هذه الرؤية من نظرية إلى سياسة خارجية فعلية تمزج القومية التركية بالإسلام السياسي، وتعد إسرائيل "تشويها تاريخيا" يجب تصحيحه.

وتجلى ذلك، بحسب التقرير، في تدخلات عسكرية واسعة؛ ففي سوريا نفّذت تركيا عمليات "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، وتُشغّل حاليا نحو 80 قاعدة عسكرية في شمال غرب البلاد بأكثر من 20 ألف جندي.

وفي ليبيا، مدّد البرلمان التركي في ديسمبر/كانون الأول 2025 الولاية العسكرية حتى 2028. وفي القوقاز، أسهم الدعم العسكري التركي لأذربيجان في انتزاع النصر على أرمينيا في حربي قره باغ عامي 2020 و2023.

وامتد ذلك أيضا، يقول المعهد، إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط؛ إذ أنشأت تركيا قواعد عسكرية في الصومال وقطر وليبيا، وأبرمت اتفاقيات دفاعية مع دول إفريقية وعربية عدة.

وتوفّر منظمة الدول التركية التي تضم أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان إطارا مؤسسيا للتعاون العسكري، شمل مناورات مشتركة بدأ تنفيذ بعضها عام 2026.

وتعتمد تركيا عقيدة "الوطن الأزرق" التي تعدّ المتوسط فضاءً تركيا تاريخيا، وترفض اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتهدد عمليات التنقيب عن الغاز الإسرائيلية واليونانية والقبرصية.

وتعمل أنقرة على تشريع قانون بحري في البرلمان التركي يُرسّخ هذه المطالب، ويمنح الرئيس صلاحية إعلان مناطق بحرية خاصة يتطلب أي نشاط فيها موافقة تركية مسبقة.

طموح نووي

وأكد التقرير أن الجانب الأشد خطورة في الطموحات التركية يتمثل في الجمع بين التسلح المتسارع والطموح النووي الصريح.

ففي 2019، قال أردوغان: "بعض الدول تمتلك رؤوسا نووية، أما نحن فلا يحق لنا امتلاكها، هذا ما لا أستطيع قبوله". 

وفي يوليو/تموز 2025، كرّر الرسالة مستهدفا إسرائيل بالاسم: "لا أقبل أن تكون إسرائيل البلد الوحيد في المنطقة الذي يمتلك أسلحة نووية".

وفي فبراير/شباط 2026، حذّر فيدان، من أن امتلاك إيران السلاح النووي قد "يجرّ تركيا إلى سباق تسلح نووي إقليمي". 

وكشف استطلاع تركي في يوليو 2025 أن 71 بالمئة من الرأي العام التركي يؤيد امتلاك سلاح نووي وطني.

وأشار التقرير إلى أن محطة "أق قويو" النووية، المبنية بالشراكة مع شركة "روساتوم" الروسية، والمتوقع أن يبدأ وحدها الأول العمل التجاري عام 2026، توفّر لتركيا قاعدة تقنية وبشرية يمكن توظيفها في برنامج عسكري مستقبلا.

وبلغت الميزانية الدفاعية التركية لعام 2026 نحو 27.34 مليار دولار بارتفاع 30 بالمئة عن العام السابق، فيما رصد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) الإنفاق العسكري التركي بـ30 مليار دولار عام 2025.

وتجاوزت نسبة الاعتماد على الصناعة الدفاعية المحلية 80 بالمئة عام 2026، وبلغت صادرات الأسلحة رقما قياسيا بأكثر من 10 مليارات دولار عام 2025، بارتفاع 48 بالمئة مقارنة بعام 2024.

وفي معرض "ساها 2026" الدولي للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء في إسطنبول في مايو/أيار 2026، أبرمت الشركات التركية عقودا بقيمة ناهزت 8 مليارات دولار في أيامه الثلاثة الأولى.

وعلى هذا، رأى المعهد أن “على إسرائيل تطوير استجابة متعددة الطبقات تشمل الدبلوماسية وبناء التحالفات الإقليمية والاستعداد العسكري”.

وأشار إلى ضرورة تعميق التحالف الثلاثي بين إسرائيل واليونان وقبرص، مستشهدا بالخطة العسكرية المشتركة التي وقّعتها الدول الثلاث في ديسمبر/كانون الأول 2025، والتي تشمل مناورات جوية وبحرية مشتركة وتشكيل قوة تدخل سريع من 2500 جندي.

كما لفت إلى أن ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا يمثّل أداة محورية لتجاوز الممرات التركية، فضلا عن توسيع التعاون مع دول اتفاقيات أبراهام في مجالات الاستخبارات والتسليح والمناورات.

وخلص المعهد إلى أن العلاقة الإسرائيلية-التركية انتقلت من "شراكة براغماتية" إلى “تنافس إمبريالي"، وأن تركيا عام 2026 ليست "إيران ثانية"، بل أشد خطورة، فهي قوة ذات قاعدة صناعية أكثر تطورا واقتصاد أكبر وعضوية في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وبطموحاتها الإمبريالية -وفق وصف المعهد- باتت قادرة على تطويق إسرائيل بخناق تجاري وعسكري، خلافا لـ"حلقة النار" الإيرانية التي تعمل إسرائيل منذ عامين على تفكيكها.

غير أنه رأى في هذا التحدي فرصة أيضا؛ إذ يُسرّع التوتر مع أنقرة تشكّل "حلف شرق أوسطي جديد" يضم اليونان وقبرص وإسرائيل والهند ودول عربية، ما قد يحوّل إسرائيل مركزا إقليميا لا غنى عنه.

“فالدولة الساعية إلى الهيمنة على المنطقة قد تجد نفسها في نهاية المطاف مُعزولة، بينما ترسّخ إسرائيل موقعها بوابةً نحو أوروبا والغرب”، وفق زعم المعهد العبري.