كابلات بحرية وحسابات عسكرية.. سوريا محطة مهمة بمعركة نفوذ تركيا وإسرائيل

"الرهان الحقيقي ليس من يُطالب بمساحة بحرية أوسع، بل من يستطيع تحويل جغرافيا متنازع عليها لهياكل سلطة مستقرة"
تعد عقيدة “الوطن الأزرق” إحدى أبرز الرؤى الإستراتيجية التي تطورت داخل الأوساط القومية التركية خلال السنوات الأخيرة، وتعكس تصورا لموقع تركيا الجيوسياسي، في ظل ما تصفه بـ"الضغط الجغرافي" والتحديات الإقليمية المتزايدة، من شرق المتوسط وبحر إيجه وصولا إلى التحولات الجارية في سوريا.
وترى تركيا التي تطل على ثلاثة بحار، أنها تواجه خطر الانحصار داخل نطاق ساحلي ضيق بسبب انتشار الجزر اليونانية وقربها من السواحل التركية، إضافة إلى تعقيدات الوضع المرتبط بجزيرة قبرص، وما تعده أنقرة تنافسا متزايدا على النفوذ والمجالات البحرية في المنطقة، بما فيها التطورات المرتبطة بسوريا ما بعد الأسد.
وفي هذا السياق، أشار معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي (IARI) في تقرير له إلى أن التطور الأبرز عام 2026 يتمثل في انتقال مفهوم "الوطن الأزرق" من كونه شعارا سياسيا للتعبئة إلى محاولة لتحويله إلى إطار قانوني وتشريعي.

رهانات جيوسياسية
وبحسب التقرير، تشير مصادر تركية ويونانية إلى وجود مسودة قانون للمناطق البحرية تهدف إلى توحيد الأحكام والقواعد والاختصاصات والمعايير المتعلقة بالمجالات البحرية ضمن إطار تشريعي واحد.
وأوضح المعهد أن هذا التحول، في حال تأكده ضمن الصيغة النهائية للقانون، ستكون له دلالة سياسية تتجاوز الجوانب الفنية، إذ من شأنه تحويل العقيدة البحرية التركية إلى مرجعية مؤسساتية تستند إليها أجهزة الدولة، بما فيها الإدارة والبحرية والدبلوماسية، في إدارة الملفات البحرية والمفاوضات والنزاعات المستقبلية.
وأشار إلى أن جوهر التحول لا يرتبط فقط بعملية التقنين، بل أيضا بتزامنه مع تداخل ثلاثة ملفات رئيسة: الخلافات في بحر إيجه وقضية قبرص، وتطورات البنية التحتية للطاقة، إضافة إلى التنافس التركي-الإسرائيلي في سوريا ما بعد الأسد.
ووفقا للمعهد، فقد أدى هذا التداخل إلى توسع نطاق التوتر ليتجاوز الخلاف التقليدي بين تركيا واليونان، ليشمل شبكة أوسع من المصالح والصراعات الإقليمية.
وعلى المستوى القانوني والدبلوماسي، تقدم أنقرة موقفها بصفته دفاعا عن حقوق بحرية ومحاولة لإعادة التوازن في مواجهة ما تعده ترتيبات مجحفة بحقها.
وقد انتقدت وزارة الخارجية التركية مرارا الخرائط والمبادرات اليونانية والقبرصية الرومية المتعلقة بالنشاطات البحرية في شرق المتوسط، مقدرة أن بعضها يتجاهل حقوق القبارصة الأتراك ويمتد إلى مناطق ترى أن لها فيها حقوق اختصاص بحرية.
في المقابل، يرى الجانب اليوناني-القبرصي الرومي والاتحاد الأوروبي أن عقيدة "الوطن الأزرق" تهدف إلى تثبيت مطالب بحرية تتعارض مع قواعد قانون البحار التي تعتمدها أثينا ونيقوسيا وبروكسل.
ويتمحور الخلاف الأساسي حول تفسير مبادئ قانون البحار؛ إذ تستند اليونان وقبرص الرومية إلى مبدأ أن الجزر تتمتع بالقدرة الكاملة على إنشاء مناطق بحرية خاصة.
بينما ترى أنقرة، التي لم تنضم إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، أن تطبيق هذه المبادئ بشكل كامل في مناطق مغلقة أو شبه مغلقة ومليئة بالجزر، مثل بحر إيجه، يؤدي إلى نتائج غير عادلة بحق تركيا.
وذكر المعهد أن مشروع "الوصلة الكبرى للبحار"، الكابل الكهربائي الرابط بين اليونان وقبرص الرومية وإسرائيل مستقبلا، هو الحالة التقنية الأكثر كشفا للمعادلة.
فقد أشارت وكالة "أسوشيتد برس" الأميركية إلى أن الاتحاد الأوروبي استثمر نحو 800 مليون يورو في مشروع تبلغ تكلفته الإجمالية 1.94 مليار يورو، يمتد على نحو 1208 كيلومترات حتى إسرائيل.
وأوضح المعهد أن المسألة تتجاوز البُعد الكهربائي، فكابل تحت البحر يُحدّد مسارات المسح وأذونات التأمين والحضور البحري والمعايير الأمنية، ويعبر مناطق متنازعا عليها، وبذلك يحوّل خطا في قاع البحر إلى حقيقة جيوسياسية.
ولفت المعهد إلى أن تركيا لا تحتاج إلى وقف أي مشروع فيزيائيا لتعطيل مساره المستقبلي؛ ففي سياقات النزاعات البحرية، تكفي الشكوك وحدها حول التراخيص والولاية القضائية والتغطية التأمينية لرفع الكلفة السياسية والمالية لأي بنية تحتية.
وخلص المعهد إلى أن السيادة البحرية الحديثة تُمارَس بالقدرة على جعل وصول الآخرين إلى تلك المساحات أكثر كلفةً وإبطاءً وخطورة، بقدر ما تُمارَس بالبوارج والمثاقب.

معركة نفوذ
وتابع المعهد الإيطالي أن الجبهة الثانية سوريا. فبعد سقوط نظام الأسد، باتت سوريا ساحة منافسة بين قوى خارجية وسلطات محلية ناشئة.
ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" انعقاد محادثات تقنية بين تركيا وإسرائيل لتفادي الصدام العسكري على الأراضي السورية، فيما تدعم أنقرة القيادة السورية الجديدة وتسعى تل أبيب إلى تقليص التهديدات على حدودها ومنع نشوء بنى عسكرية تعدّها معادية.
وأفاد المعهد بأن ذلك يُنتج خط احتكاك بريا يُكمل التوتر البحري دون أن يحلّ محله، فاللاذقية ومحور الفرات والجولان والقواعد المحتملة تنتمي جميعا إلى المنطق الإستراتيجي ذاته الذي يربط قبرص والمشرق وبحر إيجه.
وأشار المعهد إلى أن المنافسة التركية-الإسرائيلية تسابق على هوامش الأمن والنفوذ الإقليمي والسيطرة على الحدود.
فأنقرة تخشى الإقصاء من أي منظومة طاقوية وأمنية تصل إسرائيل بقبرص الرومية واليونان، وإسرائيل تقبل نفوذا تركيا في دمشق شريطة ألا يُفرز قواعد أو أسلحة تضيّق هامش حريتها شمالا، وفق التقرير.
وكلا الطرفين يتحاشى الصدام المباشر، لكنهما يتحركان في فضاء يكفي فيه سوء الحساب أو حادث بحري أو ضربة جوية لإشعال فتيل التصعيد بالخطأ.
ويرى المعهد أن أنقرة تسعى إلى رفع مضبوط لسقفها التفاوضي، وتقنين الوطن الأزرق تشريعيا سيمنح الوزارات والبحرية والإدارات والدبلوماسية والأجهزة الفنية إطارا أكثر تماسكا في مواجهة اليونان وقبرص الرومية وإسرائيل والاتحاد الأوروبي.
وقانون من هذا القبيل لا يُغيّر القانون الدولي تلقائيا، لكنه يُغيّر موقف الدولة، ويجعل التراجع أصعب والتنسيق بين الأجهزة أيسر وردّ الفعل على المبادرات المُعادِية أكثر مصداقية.
وأضاف المعهد فرضية أخرى مفادها أن تركيا تريد منع تحوّل مثلث اليونان-قبرص الرومية-إسرائيل إلى منصة إقصاء إستراتيجي دائم.
فمشروع “إيست ميد” كأنبوب غاز اصطدم بعقبات اقتصادية وسياسية على مر السنين، ومشروع الوصلة الكهربائية يحمل القيمة الجيوسياسية ذاتها؛ إذ يربط الشرق المتوسطي بأوروبا عبر ممر يتجاوز المركزية التركية.
وختم المعهد بأن المشهد الراهن لا يُشير إلى تخلٍّ عن الخليج بوصفه المحور الإستراتيجي الرئيس للمنطقة، بل يكشف عن جبهة ثانية آخذة في اكتساب كثافة هيكلية تشمل شرق المتوسط وبحر إيجه وقبرص وسوريا ومحور الفرات.
وهنا تتلاقى قضايا قانون البحار والطاقة والكابلات والقواعد والطيران والتحالفات الأوروبية والأمن الإسرائيلي وطموح تركيا إلى الاستقلالية الإستراتيجية.
وفي المدى القريب، يوصي المعهد برصد النص النهائي للقانون التركي وردود الفعل اليونانية والقبرصية الرومية والأوروبية، وكل نشاط مسح مرتبط بمشروع الوصلة الكهربائية.
وفي المدى المتوسط سيكون المحك قدرة المشاريع الطاقوية والبنية التحتية على التقدم دون أن تتحوّل إلى وقود للتصعيد.
أما المتغير الحاسم على المدى البعيد فهو مآل الدولة السورية؛ هل ستغدو منصة للعمق الإستراتيجي التركي، أم مساحة للاحتواء الإسرائيلي، أم أرضا لإزالة التوتر متعددة الأطراف.
والرهان الحقيقي، كما يُشير المعهد، ليس من يُطالب بمساحة بحرية أوسع، بل من يستطيع تحويل جغرافيا متنازع عليها إلى هياكل سلطة مستقرة.
















