زيارة الزيدي لواشنطن.. لماذا تبدي إدارة ترامب تفاؤلا حذرا إزاء نجاحه؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

نشرت مجلة "ذا ناشيونال إنترست" الأميركية مقالا لديفيد شينكر، الزميل الأول في معهد واشنطن ومدير برنامج ليندا وتوني روبين للسياسة العربية، تناول فيه زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن، في 14 يوليو/تموز 2026.

ويرى شينكر، الذي عمل مساعدا وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى من عام 2019 إلى 2021، أن الرئيس دونالد ترامب متفائل بشأن العراق ورئيس وزرائه الجديد، بعدما وصف ترامب تعيين الزيدي بأنه "بداية فصل جديد وهائل بين البلدين".

ورغم ذلك، ظلت العلاقة بين واشنطن وبغداد معقدة منذ الغزو الأميركي عام 2003 الذي أطاح بصدام حسين، بحسب الكاتب.

توقعات عالية

وأشار الكاتب إلى أن الأسابيع الأولى من ولاية الزيدي كانت واعدة، مستدركا بأن النفوذ الإيراني المفرط في العراق يبقى عائقا أمام تحسن العلاقات الأميركية-العراقية، وعقبة سيصعب على رئيس الوزراء الجديد تجاوزها.

وأوضح شينكر أن فريق ترامب يضع سقفا عاليا من التوقعات لعراق الزيدي، وأن أولوية الإدارة الأميركية القصوى هي نزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران ضمن "الحشد الشعبي" وحلّها.

وذكر أن هذه الجماعات، المصنفة أميركيا إرهابية، وتشمل "كتائب حزب الله" و"حركة حزب الله النجباء" و"عصائب أهل الحق" وغيرها، تمولها الدولة العراقية لكنها تأتمر بأوامر طهران.

ولفت الكاتب إلى أن هذه الفصائل استهدفت لعقد تقريبا موظفين وأصولا أميركية دبلوماسية وعسكرية وحلفاء لواشنطن في أنحاء المنطقة، مذكّرا بأن إحدى الميليشيات حاولت عام 2021 اغتيال رئيس الوزراء العراقي آنذاك، مصطفى الكاظمي، بعدما اتخذ خطوات لكبح جماحها.

وأضاف شينكر أن لواشنطن أهدافا أخرى في العراق، منها تعميق العلاقات التجارية والاستثمارية وتأمين عقود للشركات الأميركية، وإنهاء اعتماد بغداد على الطاقة الإيرانية.

وذكر أن إدارة ترامب تضغط، بحسب تقارير، على العراق للتعاون مع سوريا والأردن على مشاريع أنابيب نفط جديدة إلى المتوسط لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، إضافة إلى ترسيخ عراق الزيدي شريكا موثوقا في مكافحة الإرهاب.

ورأى الكاتب أن أجندة الزيدي تتقاطع كثيرا مع أجندة ترامب، لكنه استدرك بأن الزعيم العراقي الجديد قد لا ينجح، فهو مبتدئ سياسيا يشغل أول منصب حكومي له.

وأضاف أنه يواجه معارضة كبيرة ليس فقط من عراقيين موالين أيديولوجيا لإيران، بل أيضا من مسؤولين يستفيدون من الفساد المستشري الموالي لإيران داخل الدولة.

وأوضح شينكر أن الزيدي، بصفته رجل أعمال سابقا، يدرك على الأرجح أن الاستثمار الأميركي مرهون إلى حد بعيد بالبيئة الأمنية العراقية، لكنه شدد على أن تحسن العلاقات مع واشنطن يبقى مستبعدا دون تقدم في نزع سلاح الميليشيات وتقليص هيمنة إيران الطاغية على العراق.

ومع ذلك، يرى الكاتب أن الزيدي انطلق بخطى سريعة؛ فبعد أقل من شهرين في منصبه، وقّعت حكومته عقودا مع شركات طاقة أميركية عدة، منها "شيفرون" و"هاليبرتون" و"كي بي آر".

وأضاف شينكر أن حكومة الزيدي وقّعت أيضا اتفاقا مع "ستارلينك" لتوفير خدمات إنترنت فائق السرعة في أنحاء البلاد، وهي صفقات سيرحب بها البيت الأبيض وستفيد العراق أيضا.

وذكر الكاتب أن العراق كان يواجه عجزا هائلا حتى قبل حرب ترامب مع إيران، وأن بغداد تركز لموازنة الموازنة على زيادة إنتاج المحروقات، الذي بات يشكل نحو 90 بالمئة من إيرادات الدولة.

وأضاف أن العقود الجديدة تستهدف رفع إنتاج النفط من 5 إلى 7 ملايين برميل يوميا، وتمكين احتجاز الغاز المصاحب لإنتاج النفط بدل حرقه، ما سيخفف الاعتماد على واردات الغاز الإيراني.

وأشار شينكر إلى أن الزيدي انطلق أيضا بسرعة في مكافحة الفساد؛ إذ أطلق أواخر يونيو/حزيران حملة اعتقالات واسعة كلّف فيها جهاز مكافحة الإرهاب باحتجاز نحو 50 مسؤولا ونائبا حكوميا.

وذكر أن الحملة، المعروفة بـ "صولة الفجر"، شملت اعتقال نائبي وزير نفط ومسؤولين في قطاع الكهرباء ونواب في البرلمان، وصودر خلالها أكثر من 100 مليون دولار نقدا وأصولا.

وأوضح الكاتب أن الحملة واجهت انتقادات داخلية، خصوصا من سياسيين، لكنها نالت إشادة واسعة في الغرب، متسائلا عما إذا كان الزيدي سيواصل حملته لتطال أعضاء "إطار التنسيق الشيعي" الحاكم الموالي لإيران، الذي أوصله فعليا إلى رئاسة الحكومة.

التحدي الأكبر

وشدد شينكر على أن مواجهة الفصائل المدعومة من إيران داخل "الحشد الشعبي" ستكون التحدي الأكبر أمام رئيس الوزراء، إذ إن التأييد الشعبي لهذه الجماعات منخفض عموما بسبب دورها في مجزرة المحتجين عام 2019، وضرباتها الصاروخية والمسيّرة الأخيرة على أكراد العراق.

ومع ذلك، لفت الكاتب إلى أن هذه الفصائل الموالية لإيران تحتفظ بقاعدة تأييد صغيرة لكن متحمسة داخل الوسط الشيعي.

واستشهد شينكر بالحشود الشيعية الكبيرة التي شيّعت في النجف وكربلاء مؤخرا المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي، حاملة لافتات تطالب بإعدام ترامب، وهو ما يوحي بأن لإيران قاعدة تأييد راسخة في العراق.

ومع ذلك، يرى الكاتب أن الزيدي يحرز تقدما متواضعا في ملف نزع السلاح؛ ففي يونيو/حزيران، وبعد مشاورات موسعة مع إدارته ورئيس مجلس القضاء الأعلى، أصدرت ميليشيتان بيانين يوحيان باستعدادهما لتسليم سلاحهما للدولة العراقية.

وأوضح شينكر أن من غير الواضح ما إذا كانت هذه الخطوة تحولا حقيقيا لا رجعة فيه أم مجرد محاولة لإيداع السلاح لدى "الحشد الشعبي" للحفاظ عليه.

وأضاف أن المتشككين في المبادرة يرونها حصان طروادة يهدف إلى تبييض ماضي هذه الجماعات الإرهابي ظاهريا، ليتيح لها التغلغل أعمق داخل الحكومة، مشيرا إلى أن ثلاثة فصائل عراقية مصنفة أميركيا على الأقل، من بينها الأخطر والأكثر نشاطا، ترفض حتى مناقشة تسريح نفسها.

فصل جديد؟

واعتبر شينكر أن لقاء البيت الأبيض مثّل فرصة للزيدي لعرض أجندته ولترامب ليوضح ما يتصوره "فصلا جديدا" في العلاقات الأميركية العراقية.

وأكد الكاتب أن العراق لن يقطع علاقته بإيران قريبا، لكن الإدارة الأميركية تحاول، على ما يبدو، فك قبضة طهران عبر تعميق الروابط مع الصناعة الأميركية وتقليل اعتماد بغداد على الطاقة الإيرانية وربطها بجيرانها العرب عبر أنابيب النفط.

ورأى الكاتب أن الخطة، إن كانت تستهدف استخدام تراجع الهيمنة الإيرانية على العراق لتسهيل التقدم في ملف فصائل "الحشد الشعبي"، فهي خطة جيدة، مشددا على أن نزع سلاح الحشد سيستغرق وقتا وإصرارا.

وذكر شينكر أن إدارة ترامب رفعت الإعفاءات التي كانت تسمح للعراق بشراء الطاقة الإيرانية تشجيعا لبغداد، وأنها جمّدت لفترة وجيزة في وقت سابق من العام تحويلات الدولار النقدية من بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى العراق.

وأضاف أن هذا التجميد اضطر الزيدي إلى تبني إجراءات أكثر صرامة لمنع تهريب هذه الدولارات إلى إيران، مشيرا إلى أن دولارات الخزانة الأميركية ستوفر مستقبلا للإدارة الأميركية ورقة ضغط مفيدة لإبقاء الزيدي مركزا على الميليشيات المدعومة من إيران.

وختم شينكر بأن ترامب أبدى حتى الآن حماسا تجاه الزيدي، وأن أداء رئيس الوزراء حتى الآن يبرر تفاؤل إدارته المعقول.

لكنه حذّر من أن رؤساء وزراء عراقيين آخرين بدوا واعدين سابقا، كمصطفى الكاظمي (2020-2026) ومحمد شياع السوداني (2022-2026)، فشلوا في الحد من النفوذ الإيراني، بل انتهى بهم الأمر أحيانا إلى تمكين فصائل إرهابية داخل "الحشد الشعبي".

ولذلك شدد الكاتب على أن نجاح العراق وتحسن العلاقة الأميركية-العراقية يستلزمان من واشنطن كبح تفاؤلها المفرط والالتزام بتعامل مستمر ومكثف مع بغداد، فالطريق أمامهما، وفق تعبيره، ستكون طويلة وشاقة.