"كذبوا عليكم".. حملة غزية تفضح زيف التهدئة وتصاعد العدوان الإسرائيلي

حسن عبود | منذ ١٢ ساعة

12

طباعة

مشاركة

“كذبوا عليكم حين قالوا: إن الحرب توقفت، توقفت فقط عن تصدّر الأخبار”.. بهذه العبارة لخّص الصحفي الفلسطيني أحمد حمدان الوضع في قطاع غزة بعد شهور على تهدئة هشة لم يتوقف فيها القصف الإسرائيلي.

فمنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، واصل جيش الاحتلال الغارات وإطلاق النار، ووسّع مناطق سيطرته العسكرية، وشدد القيود على الحركة والعلاج والعمل الإغاثي.

“كذبوا عليكم”

بحلول 15 يوليو/تموز 2026، سجلت وزارة الصحة في غزة استشهاد 1,123 فلسطينيًا وإصابة 3,616 آخرين خلال فترة الاتفاق، بينهم عشرات قضوا في البيوت والخيام ومراكز النزوح. 

وبالتوازي، اتسعت المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة والقيود العسكرية المشددة إلى 64.9 بالمئة من مساحة القطاع، ودُفع معظم السكان إلى رقعة ساحلية مكتظة تفتقر إلى الخدمات الأساسية.

وسط هذا الواقع، أطلق ناشطون وصحفيون من غزة  في منتصف يوليو حملة رقمية بعنوان “كذبوا عليكم”، إلى جانب الصيغة الإنجليزية #they_lied_to_you. 

تهدف الحملة لإعادة القطاع إلى واجهة الاهتمام، بعدما تحولت “التهدئة” إلى عنوان سياسي وإعلامي يقدم غزة على أنها تعيش مرحلة التعافي واستعادة الحياة الطبيعية.

وبدأ المشاركون في الحملة بنشر صور الضحايا ومشاهد القصف وشهادات المرضى والنازحين على منصات التواصل الاجتماعي، وإبراز الظروف التي تجعل الحياة اليومية داخل القطاع أكثر قسوة وخطرًا.

وتزامن إطلاق الحملة مع تراجع حضور غزة في التغطية، خاصة بعد أن استحوذت الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران على اهتمام وسائل الإعلام، فيما ظل أثر العدوان حاضرًا في الخيام والمستشفيات والشوارع.

وتكشف حملة “كذبوا عليكم” الفجوة بين صورة التهدئة التي وصلت إلى العالم وبين الحياة المليئة بالمعاناة داخل قطاع غزة مع استمرار العدوان وتضييق الاحتلال على السكان بما يجعل كل يوم بمثابة معركة يومية للبقاء.

ورأى الكاتب الغزي جهاد حلس أن العالم انفض عن القطاع بعد انخداعه بما سماه “حيلة التهدئة”، فيما ركز الصحفي الفلسطيني طلال إبراهيم على خطاب “المناطق الآمنة”. مؤكدًا أن المنازل والمدارس والشوارع ما تزال عرضة للقصف وإطلاق النار. 

ووثق الصحفي بدر طبش استمرار القصف اليومي في مقاطع مصورة، فيما نشر مراسل الجزيرة مباشر والمصور الصحفي أيمن الهسي مشاهد من استهداف خيمة للنازحين غرب مدينة غزة، وعدها واحدة من الخروقات المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار.

ويقول الصحفي الغزي ياسر محمد: إنه “منذ إعلان وقف إطلاق النار، بقينا نوثق ارتقاء الشهداء والقصف والنزوح يومًا بعد يوم، بينما تراجعت غزة في نشرات الأخبار وكأن حياة الناس عادت إلى طبيعتها”.

وأردف لـ"الاستقلال": “أطلقت الحملة لأن العالم يحتاج إلى رؤية ما يحدث خارج التصريحات السياسية، فالخيام تُستهدف بشكل شبه يومي، والمرضى يموتون وهم ينتظرون السفر، والعائلات تُدفع من مكان إلى آخر داخل مساحة تضيق باستمرار”.

ولفت إلى أن “التهدئة الشكلية خففت الاهتمام بما يجري، وتركت الفلسطينيين يواجهون أشكالًا أخرى من العدوان بعيدًا عن الكاميرات. نريد أن يعود اهتمام العالم إلى غزة، وأن يسمعوا شهاداتها، وأن يدركوا أن الاتفاق الهش لم يمنح السكان الأمان”.

أشكال جديدة للعدوان

ظل سجل الضحايا يتسع طوال أشهر الاتفاق؛ إذ أورد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة “أوتشا”، خلال تقرير في 17 يوليو 2026، استشهاد 40 فلسطينيًا وإصابة 127 آخرين بين 8 و15 من نفس الشهر.

شمل القصف الإسرائيلي خلال الأسبوع نفسه غارات على مواقع للشرطة شمال غزة أدت إلى استشهاد 12 شخصًا، ضمن سلسلة استهدافات طالت مقار هذا الجهاز المسؤول عن حفظ النظام العام داخل القطاع.

وفي 17 يوليو، استهدفت غارة إسرائيلية جنازة فلسطيني استشهد في قصف سابق خلال اليوم نفسه، ما أدى إلى استشهاد سبعة مشيعين وإصابة 22 آخرين.

وامتد الاستهداف إلى مراكز نزوح تؤوي عائلات فقدت منازلها خلال مراحل العدوان السابقة. ففي 10 يوليو، دمرت غارة إسرائيلية خيامًا وملاجئ داخل مواقع للنزوح في منطقة المواصي بخان يونس، وهجّرت 78 عائلة من جديد، وألحقت أضرارًا بملاجئ 130 عائلة أخرى.

وقبلها في 29 يونيو/حزيران، استشهدت أم وطفلتها الرضيعة في غارة على المنطقة نفسها، ودُمرت خيام أكثر من 150 عائلة، وتضررت خيام 250 عائلة أخرى.

وسجلت أوتشا وفاة طفل في الصف الخامس متأثرًا بجروح أصيب بها قرب مساحة تعليم مؤقتة، واستشهاد فتاة في السابعة عشرة من عمرها خلال توجهها لتقديم امتحان الثانوية العامة.

وتترك هذه الهجمات النازحين تحت خطر دائم حتى داخل الخيام ومواقع الإيواء التي لجؤوا إليها بعد تدمير منازلهم، فيما تقيد الدبابات والطائرات المسيّرة حركتهم بين تلك المواقع.

وبالتوازي مع القصف، وسّع الاحتلال نطاق “الخط الأصفر” والمناطق المحظورة داخل القطاع، وحول الانتشار العسكري المؤقت إلى واقع يدفع السكان نحو مزيد من النزوح.

عند إعلان وقف النار، حدد هذا الخط مساحة انتشار عسكري إسرائيلي مؤقت تعادل نحو 53 بالمئة من القطاع. وبعد إدخال “الخط البرتقالي” وتحريكه أكثر من مرة، وصلت المساحة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية المشددة والمباشرة إلى 64.9 بالمئة.

وكانت المنطقة الواقعة بين الخطين، عند توسيع “الخط البرتقالي” في يونيو، تضم عشرات المنشآت الصحية والتعليمية والإغاثية وشبكات المياه والصرف الصحي، إلى جانب عشرات آلاف المدنيين الذين تعرضوا لضغوط متزايدة للمغادرة. ومع استمرار تحرك الخطوط والعمليات العسكرية، تعطلت الخدمات في مواقع عدة ونزحت عائلات أخرى.

وتحقق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من استشهاد 196 فلسطينيًا قرب “الخط الأصفر” بين 10 أكتوبر 2025 ومطلع أبريل/نيسان 2026، بينهم 18 امرأة و43 طفلًا. 

وقال سكان لأوتشا: إن إطلاق النار يصل يوميًا إلى منازلهم، بينما رسمت كتل إسمنتية صفراء قرب الأحياء حدودًا ميدانية متحركة، من دون خرائط واضحة يستطيع المدنيون الرجوع إليها.

وفي أواخر يونيو، فرّت عائلات من بيت لاهيا شمالي القطاع بعدما تقدمت الدبابات وألقت طائرة مسيّرة ذخيرة حارقة أشعلت ثلاث خيام، ثم مُنعت بعض الأسر من العودة بعدما وضعت القوات كتلة صفراء جديدة وسعت المنطقة المحظورة.

وفي شمال رفح جنوبي القطاع، قطعت التحركات اليومية للدبابات الإسرائيلية الوصول إلى 11 موقعًا للنزوح بين 6 و13 يوليو، وعرّضت نحو 1,600 نازح لتهجير جديد. وتوقفت الخدمات الإنسانية داخل المواقع، وانقطع الوصول إلى مصدر المياه الرئيس الذي تعتمد عليه الأسر. 

حصار الحياة

داخل المساحة التي ضيقها الاحتلال، تآكلت شروط البقاء خلال أشهر التهدئة، فقد عملت المستشفيات بقدرات جزئية، وانتظر آلاف الجرحى فرصة السفر، فيما واجهت مواقع النزوح نقص المياه وتراكم الصرف الصحي والنفايات. وفي مقابل هذه الصورة، روّجت إسرائيل أرقامًا عن الشاحنات والأسعار لتقديم الوضع الإنساني بوصفه مستقرًا.

ففي 9 يوليو 2026، أصدرت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية “كوغات”، التابعة لوزارة الجيش والمسؤولة عن إدارة القيود والتنسيق المدني مع الأراضي الفلسطينية، تقريرًا، قدّم الوضع في غزة من خلال كميات الغذاء الداخلة وانخفاض بعض الأسعار.

ادعت الوحدة أن نحو 1.78 مليون طن من الغذاء دخلت غزة بين أكتوبر 2025 و7 يونيو 2026، وأن الكمية تقترب من ثلاثة أضعاف الاحتياجات التي حددها برنامج الأغذية العالمي.

 وزعمت أن أسعار الغذاء انخفضت بنحو 72 بالمئة، وأن كميات المياه المتاحة تفي بالمعايير الإنسانية، ثم حملت إدارة المساعدات وتوزيعها داخل غزة مسؤولية استمرار الصعوبات.

ولكن على أرض الواقع، تؤثر السيطرة العسكرية المتزايدة على فرص وصول السكان إلى الغذاء والمياه والعلاج، فضلا عن استمرار قتل المدنيين قرب خطوط الانتشار الإسرائيلي، وتعطل الخدمات مع تقدم الدبابات.

وانعكست هذه الصورة على اللغة الإعلامية المستخدمة في وصف المرحلة الحالية، ففي تقرير نشرته في 14 يوليو، وصفت وكالة رويترز البريطانية ما يجري بأنه “عنف متقطع”، رغم أن الفترة نفسها شهدت استشهاد أكثر من 1,100 فلسطيني منذ بدء الاتفاق. وجاء التعبير داخل خبر عن استشهاد 10 فلسطينيين في يوم واحد، بينهم طفل في العاشرة.

وفي 17 يوليو، كتبت وكالة أسوشيتد برس الأميركية أن “القتال العنيف انحسر”، داخل خبر يوثق استشهاد سبعة فلسطينيين خلال جنازة، ويشير إلى ارتفاع الحصيلة منذ بدء وقف إطلاق النار إلى 1,123 شهيدًا.

أما القطاع الصحي، فقد بقي عاجزًا عن استيعاب الجرحى والمرضى؛ إذ قالت منظمة الصحة العالمية في 21 مايو 2026: إن مستشفيات غزة تعمل بقدرات جزئية، وإن مستشفيات الشمال خرجت جميعها من الخدمة، مع نفاد أكثر من نصف الأدوية الأساسية وحاجة آلاف المرضى إلى إجلاء طبي عاجل.

وكتب المدير العام لوزارة الصحة في غزة الدكتور منير البرش، في 6 يوليو أن أكثر من 20 ألف جريح ينتظرون العلاج خارج القطاع، وأن أكثر من 1,500 مريض فقدوا حياتهم خلال انتظار التحويل والسفر. 

فيما أعلن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في 12 مايو 2026 أن الاحتلال دمر أكثر من 102 ألف مبنى كليًا، وأن ما لا يقل عن 330 ألف وحدة سكنية تعرضت لدمار كلي أو جزئي، بما يتجاوز 70 بالمئة من مساكن القطاع. كما هبط نصيب الفرد من المياه في بعض المناطق إلى ما بين ثلاثة وخمسة لترات يوميًا، مقابل حد إنساني أدنى يبلغ 15 لترًا.

وأفاد تقرير أوتشا الصادر في 17 يوليو بأن 60 بالمئة من السكان يعيشون على مسافة تقل عن عشرة أمتار من مياه الصرف أو الفضلات البشرية، فيما يعيش أكثر من 900 ألف شخص وسط تراكم النفايات داخل المناطق السكنية.

وأدت ندرة زيوت المحركات وقطع الغيار إلى تقليص ساعات ضخ المياه وتعطيل مرافق أساسية، فعلى سبيل المثال، تراجع تشغيل محطة ضخ الشيخ رضوان شمال غزة إلى خمس ساعات يوميًا، ما رفع منسوب مياه الصرف داخل حوض تجميع مياه الأمطار.

ويقول ياسر محمد: إنه من هنا تستمد حملة “كذبوا عليكم” معناها؛ إذ تعيد جمع الوقائع التي فرقتها لغة التهدئة، وتضعها أمام جمهور قد يكون تعرض للتضليل الإعلامي الإسرائيلي والدولي بشأن حقيقة ما يجري اليوم في غزة.