بعد بئر "أم سليبة".. هل ينهار آخر معاقل الدعم السريع في غرب دارفور؟

داود علي | منذ ٨ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في تطور قد يعيد رسم خريطة المعارك في غرب دارفور، أعلنت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، في 12 يوليو/تموز 2026، استعادة السيطرة على منطقة بئر أم سليبة، الواقعة على بعد نحو 30 كيلومترا شمال مدينة الجنينة، عقب معارك مع مليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيا، في عملية وصفتها بأنها خطوة جديدة ضمن التقدم نحو عاصمة الولاية.

ولا تبدو أهمية بئر أم سليبة نابعة من حجمها أو عدد سكانها، بقدر ما ترتبط بموقعها على المحور الشمالي المؤدي إلى الجنينة، آخر مدينة كبرى لا تزال خاضعة لسيطرة مليشيا الدعم السريع في غرب دارفور منذ استيلائها عليها في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

ومنذ ذلك الحين، تحولت الجنينة إلى مركز عسكري وإداري رئيس لمليشيا الدعم السريع في الإقليم، فيما بقي الجيش السوداني والقوة المشتركة خارجها، رغم محاولات متكررة للتقدم نحوها.

وتأتي هذه العملية بعد أيام من انسحاب القوة المشتركة من مدينة كلبس، في خطوة وصفتها بأنها إعادة تموضع تكتيكية، قبل أن تعلن استعادة بئر أم سليبة، في مؤشر على انتقال العمليات من الدفاع عن المواقع الحدودية إلى محاولة الاقتراب من الجنينة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من القتال قد تكون الأكثر تأثيرا في غرب دارفور منذ اندلاع الحرب.

معركة الجنينة

رغم أن بئر أم سليبة ليست من المدن الكبرى في غرب دارفور، فإن موقعها جعلها إحدى أكثر النقاط حساسية في المعارك الدائرة حول الجنينة.

فالمنطقة تقع على بعد نحو 30 كيلومترا شمال عاصمة الولاية، على المحور الذي يربط الجنينة بمنطقتي جبل مون وكلبس، ما يمنح الطرف المسيطر عليها قدرة أكبر على مراقبة التحركات العسكرية والاقتراب من المدينة من جهتها الشمالية.

وخلال الأشهر الماضية، تحولت بئر أم سليبة إلى نقطة تنافس مستمر بين الجيش السوداني والقوة المشتركة من جهة، ومليشيا الدعم السريع من جهة أخرى؛ إذ سعت الأخيرة إلى استخدامها خط دفاع متقدما لإبعاد المواجهات عن الجنينة، بينما حاولت القوة المشتركة اختراق هذا الخط تمهيدا للوصول إلى المدينة.

وتكتسب المنطقة أهميتها أيضا من ارتباطها بشبكة الطرق الداخلية في غرب دارفور؛ إذ تمر عبرها خطوط الحركة بين الجنينة والمحاور الشمالية الغربية، لا سيما باتجاه جبل مون وكلبس، وهما منطقتان شهدتا مواجهات متقطعة منذ مطلع العام الجاري.

لذلك، فإن السيطرة عليها لا تعني الاستيلاء على تجمع سكاني فحسب، بل نقل خط الاشتباك إلى مسافة أقرب من عاصمة الولاية، وتقليص المساحة التي كانت تتحرك فيها مليشيا الدعم السريع شمال المدينة.

كما تمنح السيطرة على بئر أم سليبة القوات المتقدمة موقعا ملائما لتجميع القوات والآليات، وتنفيذ عمليات استطلاع بالطائرات المسيرة، ورصد التحركات الخارجة من الجنينة، وهو ما يفسر وصف القوة المشتركة للعملية بأنها جزء من خطة لتضييق الخناق على مليشيا الدعم السريع في غرب دارفور.

وتزداد أهمية المنطقة إذا ما قورنت بما جرى قبلها بأيام. ففي أعقاب انسحاب القوة المشتركة من كلبس، اعتقدت مليشيا الدعم السريع أنها نجحت في إبعاد خطر الهجوم عن الجنينة، غير أن استعادة بئر أم سليبة أظهرت أن الانسحاب لم يكن نهاية العمليات، بل جزءا من خدعة إستراتيجية وانتقالا إلى محور آخر أقرب إلى الهدف الرئيس.

وبذلك، انتقلت المبادرة العسكرية مجددا إلى الجيش السوداني والقوة المشتركة، بعدما تحول القتال من الدفاع عن المدن الحدودية إلى التقدم نحو مركز الثقل العسكري لمليشيا الدعم السريع في غرب دارفور.

ويذكر أن رئيس أركان الجيش السوداني السابق، هاشم عبد المطلب، قال في تصريح لصحيفة "الشرق الأوسط" السعودية، نُشر في 2 يوليو/تموز 2026، قبل استعادة بئر أم سليبة: إن عمليات الجيش والقوة المشتركة في غرب وشمال دارفور تمثل مناورة ناجحة أعادت المعارك إلى داخل الإقليم.

ورأى أن الجيش استعاد زمام المبادرة، وأن التقدم في المناطق الغربية والشمالية يأتي ضمن خطة أوسع سبق أن تحدث عنها مساعد القائد العام، ياسر العطا.

ومع ذلك، فإن السيطرة على بئر أم سليبة لا تعني أن الطريق إلى الجنينة أصبح مفتوحا بالكامل، إذ لا تزال المدينة محمية بعدة خطوط دفاع، كما تحتفظ مليشيا الدعم السريع بقدرة على الدفع بتعزيزات من محاور أخرى.

إلا أن استعادة المنطقة غيّرت معادلة الميدان؛ إذ بات الجيش وحلفاؤه، للمرة الأولى منذ أشهر، يقفون على تخوم المدينة، ويملكون نقطة ارتكاز متقدمة يمكن البناء عليها في أي عملية عسكرية لاحقة.

معركة فاصلة

ولم يعد التقدم نحو الجنينة مجرد تحرك ميداني لاستعادة مدينة، بل أصبح اختبارا لمستقبل السيطرة على غرب دارفور بأكمله. فعقب انسحاب الجيش والقوات النظامية منها، تحولت الجنينة إلى أكبر مركز عسكري وإداري لمليشيا الدعم السريع في الولاية، ومنها أدارت عملياتها العسكرية، ورسخت نفوذها على امتداد الشريط الحدودي مع تشاد.

وتختلف الجنينة عن بقية مدن غرب دارفور؛ إذ لا تمثل عاصمة إدارية فحسب، بل تعد عقدة مواصلات تربط وسط الإقليم بحدوده الغربية، ومركزا رئيسا للتجارة وحركة البضائع والوقود، فضلا عن كونها بوابة العبور الأساسية نحو مدينة أدري التشادية.

ولهذا اكتسبت المدينة، طوال سنوات ما قبل الحرب، أهمية اقتصادية كبيرة، قبل أن تتحول مع اندلاع القتال إلى مركز لوجستي وعسكري بالغ الحساسية.

ومن هذا المنطلق، تبدو استعادة بئر أم سليبة أكثر من مجرد تقدم ميداني، فهي تضع مليشيا الدعم السريع أمام تحدي الدفاع عن أهم معاقلها في غرب دارفور، بعدما ظلت المعارك تدور في الأطراف الشمالية والغربية بعيدا عن المدينة نفسها.

ويأتي ذلك في وقت تشير فيه تحركات القوة المشتركة إلى اعتماد أسلوب التقدم التدريجي، عبر السيطرة على المواقع المحيطة قبل التوجه إلى المدينة، بدلا من خوض مواجهة مباشرة داخل الأحياء السكنية.

فبعد الانسحاب من كلبس، أعادت القوة تموضعها على محور جبل مون، ثم تقدمت إلى بئر أم سليبة، في مسار يوحي بمحاولة تطويق الجنينة من شمالها، وتقليص هامش حركة مليشيا الدعم السريع خارجها.

ولا تقتصر أهمية الجنينة على بعدها العسكري، بل ترتبط أيضا بما تمثله سياسيا، فهي آخر عاصمة ولاية في إقليم دارفور لا تزال خاضعة بالكامل لسيطرة مليشيا الدعم السريع، كما تمثل رمزا لهيمنتها على غرب الإقليم منذ أكثر من عامين.

لذلك، فإن أي تغير في ميزان القوى داخل المدينة سيحمل دلالات تتجاوز حدود غرب دارفور، وقد يعيد رسم خريطة النفوذ في الإقليم بأسره.

وذكرت صحيفة "سودان تربيون" المحلية، في تقرير لها، أن الاقتراب من الجنينة لا يعني بالضرورة أن معركة السيطرة عليها أصبحت وشيكة؛ إذ يختلف القتال داخل المدن عن السيطرة على المناطق المفتوحة، ولا تزال مليشيا الدعم السريع تمتلك وحدات متمركزة داخل المدينة ومحيطها، فضلا عن قدرتها على استدعاء تعزيزات من محاور أخرى.

وأضافت الصحيفة أن المرحلة المقبلة قد تكون الأصعب؛ إذ ستحسم ما إذا كان التقدم الحالي سيبقى مكسبا تكتيكيا محدودا، أم سيتحول إلى اختراق إستراتيجي يفتح الطريق أمام استعادة الجنينة، آخر معاقل مليشيا الدعم السريع في غرب دارفور.

الحرب في دارفور

وقال الباحث السياسي السوداني محمد نصر، في حديثه لـ"الاستقلال": إن استعادة بئر أم سليبة تمثل تحولا ميدانيا مهما، لكنها لا تعني حسم معركة غرب دارفور، بل تشير إلى انتقالها إلى مرحلة جديدة أكثر حساسية.

وأضاف أن سقوط الجنينة، إذا تحقق، "لن يقتصر على استعادة عاصمة ولاية، بل سيعيد تشكيل ميزان القوى في دارفور بأكملها؛ لأنه سيمنح الجيش السوداني أول انتصار حقيقي داخل غرب دارفور منذ اندلاع الحرب، بعد أشهر ظل فيها وجوده داخل الولاية محدودا".

وأوضح أن استعادة المدينة ستوفر للجيش والقوة المشتركة موطئ قدم في واحدة من أكثر المناطق حساسية على الحدود الغربية، بما يسمح بتوسيع العمليات نحو بقية محليات الولاية وربط الجبهات الممتدة بين شمال وغرب ووسط دارفور.

ويرى نصر أن الخسارة ستكون أكثر تعقيدا بالنسبة لمليشيا الدعم السريع، لأن "الجنينة ليست مجرد مدينة أو مقر قيادة، بل مركز إداري ولوجستي تُدار منه العمليات العسكرية وخطوط الإمداد في غرب دارفور، وفقدانها سيجبرها على إعادة توزيع قواتها ومراكز قيادتها، والبحث عن قواعد بديلة، وهو ما سيؤثر في قدرتها على المناورة في بقية جبهات الإقليم".

واستدرك بالقول إن التقدم الحالي لا يعني أن المعركة حُسمت، بل إن استعادة بئر أم سليبة "نقلت خطوط القتال إلى أبواب الجنينة، ووضعت آخر معاقل مليشيا الدعم السريع في غرب دارفور تحت ضغط مباشر، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام معركة قد تكون من أكثر معارك الحرب السودانية تعقيدا".

وأشار إلى أن تعقيد المعركة لا يرتبط بالبعد العسكري وحده، موضحا أن الجنينة تحمل رمزية سياسية وإنسانية خاصة، بعدما شهدت منذ بداية الحرب واحدة من أعنف موجات القتل والتهجير، وارتبط اسمها بتقارير أممية ومنظمات حقوقية تحدثت عن انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، ولا سيما أبناء المساليت.

وختم نصر بالقول: "أي مواجهة واسعة داخل الجنينة ستتجاوز آثارها الميدان العسكري، إذ قد تدفع آلاف المدنيين إلى موجة نزوح جديدة نحو الحدود التشادية، وهو ما يجعل المعركة المقبلة اختبارا لقدرة الأطراف على تحقيق أهدافها العسكرية دون تكرار الكارثة الإنسانية التي شهدتها المدينة خلال العامين الماضيين".