بين الفشل الإستراتيجي والوهم التكتيكي.. هل يتجه الداخل الإسرائيلي نحو التفكك؟

"تتحول الهاوية إلى واقع لا يمكن تغييره"
في المجلس الوزاري الأمني والسياسي، حذر رئيس أركان الاحتلال الإسرائيلي أيال زامير من أن الجيش "على وشك الانهيار الذاتي"، قائلا: "أنا أرفع عشرة أعلام حمراء".
وأضاف زامير، في تصريحات له نهاية مارس/ آذار 2026، أن الجيش بحاجة إلى قانون تجنيد وقانون احتياط، وقانون تمديد الخدمة الإلزامية.
وأكد أنه "خلال وقت قصير، لن يكون الجيش جاهزا لمهامه الروتينية، وأن الاحتياط لن يصمد".

أهداف بعيدة
وجاءت هذه التصريحات أمام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وقادة منظومة الأمن والوزراء الذين شنوا هجوما على تصريح زامير.
وهو ما انتقده اللواء (احتياط) إسحاق بريك بقوله: إن "الهجوم على زامير بعد تحذيره في المجلس الوزاري من أن الجيش على حافة الانهيار، ليس حدثا عارضا، إنه عرض لمرض أعمق بكثير: تفضيل البقاء السياسي على حساب الأمن القومي".
وتابع بريك: "مهمة رئيس الأركان ليست إرضاء الوزراء، بل تقديم صورة دقيقة للوضع على طاولة المجلس".
وأكد على أنه "عندما يحذر زامير من أن نقص الأفراد يؤدي إلى انهيار لا يمكن تحمله، فهو لا يبث روحا انهزامية، بل يؤدي واجبه الأخلاقي والمهني".
وبحسب بريك، "الجيش ينهار فعليا لأن الحكومة ترفض اتخاذ قرارات صعبة مثل تمديد الخدمة الإلزامية، وفرض تجنيد متساو على الجمهور الحريدي، ومعالجة حقيقية لأزمة منظومة الاحتياط النازفة، وبدل الاستماع للتحذير، اختار المستوى السياسي تكتيكه المعتاد: الهجوم المباشر".
وأردف: "الادعاء بأن أقوال زامير تضعف إسرائيل أمام أعدائها ليس ظلما لرئيس الأركان فحسب، بل أيضا محاولة متعمدة لتحويل النقاش من فشل الحكومة إلى التشنيع على الرسول الذي ينقل الرسالة".
وفي افتتاحية مقاله، هاجم بريك الحكومة قائلا: "بعد عامين ونصف العام من القتال، تتفاخر إسرائيل بانتصارات تكتيكية مثيرة للإعجاب، لكنها تفشل فشلا ذريعا على المستوى الإستراتيجي".
وأضاف أن "أهداف الحرب ما زالت بعيدة، والمسؤولية تقع أولا على القائد الأعلى للجيش، رئيس الوزراء نتنياهو، ووزراء مجلسه".
ورفض بريك “محاولة تحميل الجيش وحده كل تبعات الإخفاق، من السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحتى اليوم”. مشيرا إلى أن هذا "يمثل خديعة عامة".
وأرجع ذلك إلى أن "الجيش ينفذ المهام المكلف بها، لكن من دون سياسة واضحة، ومن دون قوانين تجنيد مطابقة للواقع، ومن دون رؤية إستراتيجية أو خطة لما بعد الحرب، وهو ما يحول الانتصارات الميدانية إلى بلا قيمة".
انكسار الثقة
من منظور أوسع، يرى بريك أن "قائمة السياسات المتهالكة في ظل الحكومة الحالية، والتي تشمل مجالات عديدة من تعزيز القدرة على الصمود الوطني والتعليم وعجز الميزانية والنقل، وصولا إلى العلاقات الدولية، تُشير إلى خلل في الأولويات".
واستطرد: "عندما يُقيم كل تقدير أمني من منظور الحفاظ على تماسك الائتلاف، يتحول الأمن القومي إلى رهينة".
في هذا السياق، تناول اللواء الإسرائيلي مسألة "الصمود الوطني"، مشيرا إلى أنها "انهارت".
وقال: "انهيار الصمود يتعلق بأعمق نقطة ضعف في المجتمع الإسرائيلي اليوم، فالصمود الوطني لا يُقاس بعدد الطائرات أو الدبابات، بل بقدرة المجتمع على الصمود أمام صدمات مستمرة، والتعافي منها، والحفاظ على تماسك داخلي وثقة في مؤسسات الدولة".
واستعرض مظاهر هذا الانهيار، مشيرا إلى أن "أولى علامات هذا الانهيار تتجلى في انكسار الثقة بين الجمهور والقيادة؛ حيث إن أساس الصمود الوطني هو (العقد غير المكتوب) بين المواطن والدولة: المواطن يخدم، ويدفع الضرائب، ويخاطر بحياته، والدولة في المقابل تؤمن له الحماية وتتصرف بدوافع موضوعية".
إسقاطا على الحالة الإسرائيلية، قال بريك: "عندما يرى الجمهور أن قرارات مصيرية مثل قوانين التجنيد أو تمديد خدمة الاحتياط تُتخذ بدافع بقاء ائتلافي وليس بدافع حاجة عملياتية ملحة، يُخرق هذا العقد".
واستطرد: "الشعور بأن هناك من يتحمل العبء وهناك من يُعفى منه يضعف الدافعية ويخلق إحساسا بالخيانة".
بالإضافة إلى ذلك، أشار بريك إلى ظاهرة "الاستقطاب المتعمد كأداة سياسية". موضحا أن "جزءا لا يتجزأ من انهيار الصمود هو استخدام خطاب (نحن وهم)".
وأردف: "الهجمات على رئيس الأركان وقادة الجيش من قبل الوزراء وأعضاء الائتلاف ليست مجرد نقاش مهني؛ بل هي جزء من حملة تهدف إلى تصوير قادة الجيش كـ(نخبة) أو (مهزومين) لإبعاد المسؤولية عن الإخفاقات عن المستوى السياسي".
واسترسل: "عندما يصبح الجيش، وهو آخر مؤسسة تحظى بإجماع في المجتمع، هدفا لانتقادات سياسية حادة، ينهار العمود الفقري الاجتماعي لإسرائيل".
أما المظهر الثالث من مظاهر انهيار الصمود الوطني، فهو "تآكل منظومة الاحتياط والجبهة الداخلية". قائلا: "بعد عامين ونصف من القتال، يُختبر الصمود الوطني بقدرة (جيل الاحتياط)".
وبحسب تحليله، "يظهر الانهيار هنا على ثلاثة مستويات: أولا، الأسرة؛ إذ ترضخ آلاف العائلات تحت ضغط نفسي واقتصادي هائل".
وتابع: "وثانيا، المستوى الوظيفي، ويظهر ذلك في الأضرار الجسيمة التي تعرضت لها المشاريع الصغيرة، فضلا عن المسارات المهنية للأفراد الذين يتم استدعاؤهم للخدمة وترك وظائفهم".
وأخيرا، أشار بريك إلى الضرر النفسي، محذرا من أن "حالات ما بعد الصدمة والإرهاق النفسي لا تتلقى استجابة حكومية كافية".

فقدان الأمل
وعقب قائلا: "عندما تتجاهل الدولة هذا العبء وتستمر في فرض المزيد والمزيد من الأعباء على هذه الفئة الصغيرة، ينهار هذا الصمود ببساطة".
إضافة إلى ما سبق، نوه بريك إلى أن المجتمع يعاني من حالة "فقدان الأمل وغياب الأفق الإستراتيجي"، فوفق رأيه، "يمكن للمجتمع أن يتحمل المعاناة والحرب لفترة طويلة إذا كان يؤمن بوجود هدف نهائي و(ضوء في نهاية النفق)، وهو ما لا يتوفر في الوضع الحالي".
وعليه، يعتقد أن "الانهيار الحالي نابع من غياب (اليوم التالي) ومن غياب سياسة واضحة، فبدون رؤية إستراتيجية، يشعر الجمهور أنه عالق في (حرب بلا نهاية) تخدم مصالح سياسية، ما يؤدي إلى اليأس، وهجرة الكفاءات إلى الخارج (هروب العقول)، وإحساس عام بالإنهاك".
على الصعيد الاجتماعي، يرى بريك أن هناك حالة من "انهيار التضامن المجتمعي تظهر في تجاهل احتياجات النازحين في الشمال والجنوب لفترة طويلة، إلى جانب الإهمال في قضية إعادة الأسرى بسبب تقديرات سياسية".
وهو ما عُدّ أنه "يلحق ضررا عميقا بجوهر التضامن الإسرائيلي، فعندما يشعر الفرد أن الدولة قد تتخلى عنه في لحظة الحقيقة، فإن صموده الوطني يختفي".
في نهاية المطاف، خلص اللواء احتياط إلى أن "انهيار الصمود الوطني هو أخطر ما تواجهه إسرائيل على الإطلاق؛ لأنه ينبع من الداخل".
وأضاف: "يمكن إعادة بناء الجيش بالميزانيات والمعدات، لكن الثقة التي فُقدت والتماسك الاجتماعي الذي تفكك يحتاجان إلى أجيال من التعافي، وإلى قيادة ترى الدولة قبل أن ترى نفسها".
واستطرد: "انهيار الجيش يعني انهيار الدولة، ومن يَختَرْ مهاجمة رئيس الأركان لأنه قال الحقيقة خلف الأبواب المغلقة، يفضل أمنه السياسي على أمن مواطني إسرائيل".
واختتم مقاله محذرا: "لقد حان الوقت لكي يتوقف المستوى السياسي عن البحث عن مذنبين، وأن يبدأ بتحمل المسؤولية، قبل أن تتحول الهاوية التي نسير نحوها إلى واقع لا يمكن تغييره".

















