خلف الكواليس.. هل تدفع شركات التأمين العالمية نحو إزاحة نتنياهو؟

منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

"لقد اتخذت الحرب في الشرق الأوسط منعطفا خفيا؛ فالقرار اتُخذ بالفعل خلف الكواليس، بل إن هذا القرار سينال المحرض الرئيس والمستفيد من الصراع مع إيران، وهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو". 

هذا ما يراه المستشرق والمحاضر في جامعة موسكو الحكومية للغات والجامعة الروسية الحكومية الاجتماعية، سعيد غفوروف. 

وقال الباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية: "تمتد الحرب في الشرق الأوسط لتشمل الخليج العربي وشرق البحر المتوسط وفلسطين، لكن الحديث هنا لا يدور حول الأسباب التقليدية الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، بل عن دوافع شخصية تقف وراء هذه الحرب".

وأشار غفوروف إلى أنه "بمجرد انتهاء العمليات القتالية، فإنه من المرجح بدرجة كبيرة أن تُوجّه إلى نتنياهو اتهامات في عدد من القضايا المرتبطة بأدائه خلال فترة توليه رئاسة الحكومة".

وأضاف: "طالما استمرت العمليات العسكرية، فإن التصويت على سحب الثقة من الحكومة يظل أمرا غير مرجح".

واستدرك: "أما بعد انتهائها، فمن المتوقع أن تعود النيابة العامة إلى ملاحقة نتنياهو الذي يواجه وضعا قانونيا معقدا؛ إذ إنه تخلى رسميا عن الحصانة البرلمانية، وحتى في حال تمكن من استعادتها، فإن البرلمان قد يصوت على رفعها مجددا".

وفي هذا السياق، أبرز غفوروف في مقاله بموقع "إي إيه ديلي" الروسي أهمية فهم القوى التي قد تشكل تهديدا مباشرا لنتنياهو على المستوى الشخصي.

لاعب خفي 

واستهل حديثه قائلا: "هناك قطاع يؤثر في السياسة العالمية بدرجة تفوق ما هو متداول، وهو قطاع التأمين وإعادة التأمين العالمي".

وتابع: "فعادة ما يُشار إلى شركات النفط أو البنوك أو الشركات الكبرى أو الصناعات العسكرية، بينما نادرا ما يُذكر دور شركات التأمين".

ومع ذلك، أكد الكاتب على أهميتها: "تمتلك هذه الجهات موارد مالية هائلة وتتمتع بإمكانية الوصول إلى أرخص مصادر التمويل".

وأردف: "يقوم نشاطها أساسا على حساب المخاطر، سواء كانت حروبا أو هجمات أو كوارث، وبناء على هذه الحسابات تحدد فعليا ما يمكن القيام به، وما يصبح مكلفا إلى حد غير مقبول بالنسبة للعالم".

وحول آلية عمل هذا القطاع، قال غفوروف: "يحصل قطاع التأمين على الأموال مسبقا عبر أقساط التأمين، ثم يستثمرها في السندات والأسهم والبنية التحتية".

وبذلك، يعد من أكبر حاملي الديون السيادية، الأمر الذي يمنحه، بحسب الكاتب، "تأثيرا غير مباشر على السياسات العامة من خلال الصناديق وجماعات الضغط ومراكز الدراسات والهياكل القانونية".

ووفقا له، فإن "الأكثر أهمية أن هذه الشركات لا تحب المخاطرة، وتدافع دائما عن الاستقرار والحفاظ على الوضع القائم".

وبحسبه، "فعادة ما تتحرك هذه الجهات بعيدا عن الأضواء، لكن عندما تبدأ في ملاحقة جهة ما أو شخص معين، تكون النتائج قاسية".

واستشهد الكاتب بقضية "إنرون"؛ حيث لعبت شركات التأمين دورا محوريا في التحقيق ومحاسبة الإدارة. 

وقد انهارت شركة الطاقة الأميركية "إنرون" عام 2001 بعد فضيحة احتيال محاسبي ضخمة، وكانت شركات التأمين العالمية طرفا مباشرا في الأزمة؛ لأنها كانت تغطي أنشطة الشركة التجارية والمالية. 

ومع الانهيار اضطرت هذه المؤسسات إلى دفع تعويضات بمليارات الدولارات، ما جعلها من أكبر المتضررين وأجبرها على التدخل في التحقيقات وكشف الفساد، لكن دور شركات التأمين لم يتوقف عند التعويض، بل تحولت إلى طرف فاعل في ملاحقة المسؤولين عن الانهيار، سعيا لاسترداد أموالها. 

فقد شاركت في دعم التحقيقات والضغوط القانونية ضد الإدارة المتورطة، وهو ما جعلها نموذجا على قدرة هذه الشركات على التحرك بقوة عندما تتضرر مصالحها، وليس الاكتفاء بدورها التقليدي كممول للتعويضات، وهو ما يبرز دورها في التأثير على اقتصاد وسياسات الدول الكبرى.

مكلف للغاية

من هنا، واستنادا إلى المنطق ذاته، لم يستبعد غفوروف أن "ينطبق الأمر على نتنياهو؛ إذ إن شركات التأمين لا تنسى ولا تتسامح مع مصادر الخطر".

وتابع: "بينما يراقب السياسيون نتائج الانتخابات والمناورات العسكرية، خلصت شركات التأمين العملاقة إلى استنتاج مفاده أن بقاء نتنياهو في السلطة بات مكلفا للغاية بالنسبة للنظام العالمي".

واستطرد: "لا يتعلق الأمر هنا بالسياسة، بل بالمخاطر الاقتصادية، وهذه المخاطر يجب القضاء عليها".

وأوضح هذه المخاطر: "بعد الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، اندلعت أزمة إقليمية واسعة النطاق، شملت ضربات مضادة نالت قواعد حلفاء الولايات المتحدة والبنية التحتية ومسارات النقل".

وبالنسبة لقطاع التأمين، أشار الكاتب إلى أن ذلك أدى إلى "حالة تأهب قصوى في قطاع التأمين؛ حيث ارتفعت أسعار تأمين النقل بشكل حاد، وفي بعض الحالات، أصبحت باهظة للغاية".

وأضاف: “وقد انعكس ارتفاع أقساط التأمين سلبا على قطاع اللوجستيات؛ حيث أصبحت عمليات النقل باهظة التكلفة، ما أدى إلى اضطراب سلاسل الإمداد”. 

كما تعرّض الشرق الأوسط، بوصفه مركز عبور رئيس، لضغوط متزايدة، في ظل إغلاق المجال الجوي واستهداف البنية التحتية، الأمر الذي عمّق الأزمة".

وتابع: "وقعت المخاطر الرئيسة على عاتق شركات إعادة التأمين التي تتخذ من سويسرا وألمانيا وبرمودا مقرا لها".

وعليه، شدد غفوروف على أن نتنياهو، بالنسبة لشركات التأمين، "لا يُنظر إليه كسياسي بقدر ما يُنظر إليه كمصدر لعدم الاستقرار؛ إذ يخلق مخاطر غير قابلة للتنبؤ".

واستطرد: "وبما أن الأداة الأساسية لإدارة المخاطر هي إزالة مصدرها، فإن التعامل معه يتم من هذا المنطلق، فشركات التأمين لا تتحرك بدوافع عاطفية، بل وفق حسابات بحتة: إذا كان عنصر ما يهدد استقرار النظام، فيجب إزالته".

ثمن الاستقرار 

وفصّل المقال كيف يمكن لشركات التأمين العالمية الدفع نحو عزل نتنياهو، وقال: "تُعد شركات التأمين من كبار حاملي السندات الحكومية، بما في ذلك السندات الإسرائيلية".

وأكمل: "وفي حال تطور الوضع نحو عزلة دولية، فإن قيمة هذه السندات قد تنخفض، ما يعرّض شركات التأمين لخسائر مباشرة".

وإلى جانب ذلك، “يتزايد الضغط المرتبط بالسمعة؛ إذ تصبح الاستثمارات في اقتصاد دولة منخرطة في صراع محل تحفظ، بل وقد تُصنف على أنها عالية المخاطر”. وفق غفوروف.

وأردف: "يميل رأس المال الكبير بطبيعته إلى تفضيل السياسيين القابلين للتوقع، بينما يُنظر إلى السياسات الحالية لإسرائيل على أنها غير مستقرة، وهو ما يرفع علاوة المخاطر ويزيد الضغوط على القيادة السياسية".

وعليه، رجح المقال أن "ينعكس هذا الضغط في مطالب متزايدة بخفض التصعيد".

وفي حال صدور إشارات واضحة من الشركاء الدوليين بشأن خفض التصعيد، توقع الكاتب أن "تعزز النخب الاقتصادية داخل إسرائيل ضغوطها على الحكومة، بما قد يفضي إلى الدفع نحو انتخابات مبكرة أو حتى استقالة الحكومة".

علاوة على ذلك، لفت المقال إلى أن "القضايا القضائية المرفوعة ضد نتنياهو لم تختف، بل أُجِّلت فقط".

ونوه الكاتب إلى أن هذه المخاطر ستظل قائمة حتى إذا توقفت الحرب، فرغم أن "شهر مارس/ آذار 2026 شكل نقطة تحول؛ إذ قامت كبرى شركات التأمين بتقليص تغطية المخاطر في المنطقة، بالتزامن مع ارتفاع حاد في أقساط التأمين، ما يعكس تقييم القطاع للوضع بوصفه غير قابل للسيطرة".

إلا أن غفوروف أكد أن "التهديدات الخارجية لم تعد هي العامل الرئيس للمخاطر، بل القرارات السياسية الصادرة عن القيادة الإسرائيلية".

بل ويرى أنه "حتى الضمانات الحكومية الأميركية لا يمكنها أن تعوض غياب الاستقرار السياسي".

من هنا، واستنادا إلى الرأي الذي يعتقد أن "ثمن هذا الاستقرار هو المستقبل السياسي لنتنياهو"، فإن النظام المالي، بحسب غفوروف، "سيكون قادرا على إيجاد الوسائل للدفع نحو مسار إزاحة نتنياهو، وعندها ستتدخل الآليات القانونية داخل إسرائيل لعزل رئيس الوزراء".

واختتم قائلا: "بالنسبة لشركات التأمين، لا تُقاس قضايا الحرب أو الإرهاب بتقديرات أيديولوجية، بل وفق حسابات المخاطر؛ إذ يقوم هذا القطاع على إدارة احتمالات الخسارة، وتُتخذ قراراته بناء على معايير حسابية بحتة، بعيدا عن أي تقديرات عاطفية".