رغم استمرار الهدنة.. لماذا توجه مليشيات إيران في العراق هجماتها للخليج؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

على وقع الهجمات المنطلقة من العراق التي نالت الإمارات والسعودية، شنت شخصيات سياسية وإعلامية هجوما حادا على السلطات العراقية في بغداد كونها لم تحرّك ساكنا في التصدي للمليشيات المسلحة الموالية لإيران، خصوصا في ظل الهدنة بين طهران وواشنطن.

في 20 مايو/ أيار 2026، قالت الخارجية الإماراتية في بيان إنها “تدين بأشد العبارات الاعتداءات الإرهابية الغادرة بطائرات مسيّرة قادمة من الأراضي العراقية”. مؤكدة أن إحدى هذه المسيّرات استهدفت محطة "براكة" للطاقة النووية في منطقة الظفرة.

وقبل ذلك بثلاثة أيام، أعلنت وزارة الدفاع السعودية خلال بيان لها، اعتراض 3 مسيّرات وتدميرها بعد دخولها المجال الجوي للمملكة قادمة من الأجواء العراقية، مؤكدة أنها "تحتفظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين".

الصعود للهاوية

على صعيد الردود الإماراتية والسعودية، فإن بعضهم دعا إلى التفريق بين العراق الذي ينتمي للعالم العربي، وبين "عراقٍ ثانٍ" أسسته إيران بعد عام 2003 من المليشيات الطائفية، فيما شدد آخرون على ضرورة أن تأخذ السلطات العراقية دورها الحقيقي في ردع هذه الجهات.

وقال الكاتب السعودي عبد الرحمن الراشد خلال مقال نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" في 21 مايو، إن "الحالة العراقية أننا أمام دولة هجينة، مثل لبنان، المليشيا تهاجم والحكومة تتبرأ".

وتابع: "لا تكمن خطورة المليشيات فقط في امتلاك السلاح، بل في تحولها إلى بنية موازية للدولة بموارد مالية ونفوذ سياسي وشرعية جزئية. وطبعاً، صارت لديها قدرة على إدارة القرار السيادي العراقي أو تعطيله".

وأشار إلى أن "جبهة العراق فتحت، حيث فعلت إيران مليشياتها العراقية للتحايل على الهدنة. وواشنطن ردت بسيفين واحد ضد المليشيات العراقية، تلاحق قياداتها الذين يظنون أنهم محصنون، والثاني بدأت تجفيف مواردها المالية".

وخلص إلى أن "طهران اعتادت الالتفاف على التفاهمات المباشرة عبر نقل التصعيد إلى ساحات الوكلاء، وهو ما يجعل ملف المليشيات جزءاً عضوياً من معادلة الأمن الإقليمي، لا ملفاً منفصلاً عنها".

من جهته، كتب الكاتب السعودي حسين الغاوي على منصة "أكس" في 19 مايو، إن هناك عراقيْن الآن، وليس عراقا واحدا، فيه عراق بغداد الرشيد وسوق المتنبي، هذا نحبه، بيننا وبينهم دم ولهجة ونسب، وعمره ما كان غريبا عنّا ، لا على الخليج ولا على السعودية تحديدا".

وتابع: "لكن للأسف في عراق ثانٍ، صنعته إيران بعد عام 2003، وهو عراق المليشيات والمحاصصة والسرقات والولاءات الخارجية.. عراق نوري المالكي (رئيس الوزراء العراقي الأسبق) وشلّته".

وزاد الكاتب قائلا: "تخيل حكومة لا تدري ماذا يحصل في صحاريها، ومليشيات تطلق المسيّرات على جيرانها باسم السيادة، أي سيادة وفوقها قواعد سرية إسرائيلية تتحرك على أرضها ثم يطلعون يتكلمون عن حماية الوطن.. أي وطن؟ الوطن اللي يسرقونه؟ أم الوطن الذي يبيعون قراره؟".

على الصعيد ذاته، قال الخبير العسكري السعودي، أحمد الفيفي على "أكس" في 18 مايو، إن "جس النبض الذي قامت به المليشيات الإرهابية في العراق من استهداف لبعض دول الخليج العربي، بعد تعيين رئيس حكومة عراقي جديد، هو بمثابة (الصعود إلى الهاوية)".

وأشار إلى أن هذا الأمر سيجعل الحكومة العراقية بين خيارين أحلاهما مر: أما نزع أسلحة هذه المليشيات بالقوة أو يتم القضاء عليها من دول الخليج. لكن بقاءها في وضع البلطجة واستهداف دولنا غير ممكن إطلاقا".

من جانبه، قال الكاتب الإماراتي القريب من السلطات، علي خليفة، على حسابه بمنصة "إكس" في 19 مايو، إن "الحكومة العراقية أصبحت مثالا حيًا لشاهد ما شفش حاجة".

وأشار إلى "العدوان على الكويت والسعودية، واستهداف لكردستان العراق، وقواعد تُستخدم إسرائيلية في صحرائه، واعتداء إرهابي على محطة براكة النووية، وكل ذلك تنفذه مليشيات تأتمر بأوامر إيران، بينما حكومة بغداد آخر من يعلم… أو تتظاهر بأنها كذلك".

وتساءل خليفة، قائلا: “إلى متى يبقى العراق رهينة هذا الاختطاف، وتبقى الدولة مجرد واجهة فيما القرار الحقيقي يأتي من خارج حدوده؟”

رسالة للحكومة

وفي المقابل، قال الكاتب والمحلل السياسي القطري، علي الهيل، إنه "ليست ثمة هدنة حرب التسعة وثلاثين أو الأربعين بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، يوما ما تزال مستمرة حتى اللحظة لماذا".

وأضاف الهيل لـ"الاستقلال" أن "أمريكا خرقت وقف إطلاق النار بحصارها للموانئ الإيرانية في الجنوب الإيراني وبحصارها لمضيق هرمز الذي تديره وتسيطر عليه إيران".

ورأى الخبير القطري أن "المليشيات العراقية هذه من أذرع إيران بالمنطقة وهي تدّعي أنها ردت على الهجمات السعودية والإمارتية عليها في أثناء الحرب الأميركية على إيران في 28 فبراير واستمرت 40 يوما".

ولفت إلى أن "تزامن الهجمات مع بداية تشكيل الحكومة العراقية برئاسة الزيدي، ربما لإعطاء انطباع أن الأخيرة ليست قادرة على لجم المليشيات الإيرانية، وبالتالي هي رسالة لها بشأن ملف حصر السلاح بيد الدولة، أنكم لستم قادرين عل نزع سلاح المليشيات الإيرانية". 

وشدد على أنه "ليس من مصلحة العراق ان تقوم هذه الفصائل بفعل ذلك إلا إذا كانت موجهة من إيران، لافتا إلى دولتي الإمارات والسعودية تصدتا للهجمات، ولكن ليس من الحكمة أن ندخل في حربا مع الجانب الإيراني سواء مباشرة أو من خلال مليشياتها".

وكان رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، قد أعرب عن إدانته واستنكاره للعمل الإجرامي الذي استهدف المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، الشقيقتين، حسبما كتب على منصة "أكس" في 21 مايو.

وقال الزيدي: إنه وجه بكشف ملابسات هذه الاعتداءات الإجرامية، وجرى تشكيل لجنة تحقيقية رفيعة في أول اجتماع للمجلس الوزاري للأمن الوطني، مؤكدا أهمية أن يكون التحقيق مشتركاً مع الأشقاء في البلدين، بهدف الاطلاع على جميع الأدلة وما يثبت استخدام الأراضي العراقية في الاعتداءين، من أجل اتخاذ الإجراءات الأمنية والقانونية كافة بحق المتورطين.

وختم الزيدي حديثه بالقول: "نعبر عن رفضنا لاتخاذ أرض العراق وسمائه منطلقاً للاعتداء على الدول الشقيقة والصديقة، ونشدد على كونه منطقة التقاء للمصالح المشتركة".

وخلال نيسان/أبريل الجاري، رصدت واشنطن مكافآت مالية على زعماء "كتائب حزب الله" أبو حسين الحميداوي، و"كتائب سيد الشهداء" أبو آلاء الولائي، و"أنصار الله الأوفياء" حيدر الغراوي، بتهم تتعلق بـ"قتل عراقيين واستهداف منشآت دبلوماسية وقواعد عسكرية أميركية في العراق وسوريا".

علما أن الجهات الثلاث شاركت في الانتخابات العراقية وحصدت مقاعد في البرلمان، إذ تتبع كتلة "حقوق" النيابية "كتائب حزب الله"، فيما ينضوي نواب الولائي ضمن ائتلاف "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي، بينما دخل الغراوي ضمن تحالف "الإعمار والتنمية" برئاسة محمد شياع السوداني.

دلالة التوقيت

وعن تزامن الهجمات مع بداية تسلم علي الزيدي مهام عمله رئيسا للحكومة العراقية، قال الخبير في شؤون الشرق الأوسط، عماد الدين الجبوري، إنها "إشارة من إيران بأنه تبقى الإرادة السياسية في العراق تحت الضغط الإيراني وتحت السيطرة الإيرانية ولا مجال لتغيير هذا المسار".

وأوضح الجبوري لـ"الاستقلال" أن "هناك أخبارا تتحدث عن هجمات من سلاح الجو السعودي والكويتي على مقار هذه المليشيات خلال الحرب الأميركية- الإيرانية. سواء كان صحيح أم غير ذلك، فإن الهجمات الحالية جواب على هذا الفعل".

وأردف: "العملية السياسية برمتها في العراق لاتزال تحت الهيمنة الإيرانية، وأن الإدارات الأميركية لاتزال لا تريد إسقاط العملية السياسية ولا تريد تغيير شخوص السياسة الموجودين المتحكمين في القرار العراقي، وجلهم تابعين او خاضعين أو مسلوبي الإرادة".

وشدد الجبوري على ضرورة أن تتعامل دول الخليج العربي مع هذا الواقع، رغم أنها ليست غافلة عن هذه الحقيقة، وأن إيران هي المتحكمة عبر هذه المليشيات بمفاصل الدولة العراقية وبالقرار السياسي".

ودعا الخبير إلى "مجابهة الحقيقة المرة هذه، وضرورة إسقاط العملية السياسية التي باتت هي الطريق الوحيد لتحرير العراق من القبضة الإيرانية، وأن أي شيء غير ذلك، هو مجرد هواء في شبك، ونستمر في هذا الحال سواء تغير رئيس الوزراء أو استمر".

وبحسب الجبوري، فإن "هناك قوى عراقية موجودة ولها القدرة على المواجهة والدخول، ولكن الولايات المتحدة لا تريد هكذا دعم، بل أنها قبل أيام عقدت في واشنطن أتت بمن في العملية السياسية بدعوى العلاقات الأميركية العراقية وهذه حقيقة مرة ويجب مجابهتها".

وفي 13 مايو، كشفت وكال "رويترز" عن مصادر وصفتها بأنها "مطلعة" إن طائرات حربية سعودية قصفت أهدافا مرتبطة بجماعات مسلحة قوية متحالفة مع طهران في العراق خلال الحرب مع إيران، وردت الكويت بغارات أيضا على البلد نفسه.

وأوضحت الوكالة أن "هذه الغارات جزء من نمط أوسع من الردود العسكرية في منطقة الخليج، والتي ظلت طي الكتمان إلى حد بعيد خلال ​الصراع الذي امتد إلى منطقة الشرق الأوسط الأوسع منذ بدء الضربات الأميركية الإسرائيلي المشتركة على إيران هجمات في 28 فبراير".

وكان رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قد تعهد مع نيل تشكيلته ثقة البرلمان في 13 مايو بـ"حصر السلاح بيد الدولة"، ورسم في كلمة أمام النواب ثلاثة مسارات للعمل، منها "إصلاح المنظومة الأمنية، وتعزيز قدرات القوات الأمنية، وترسيخ ثقة المواطن بالديمقراطية".