من كامب ديفيد إلى الإنذار المبكر.. كيف تتحول التحركات المصرية إلى “خطر” في إسرائيل؟

داود علي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

لم يكن ما نشره محلل صور الأقمار الصناعية الإسرائيلي بن صهيون مكلس، في 11 مايو/أيار 2026، مجرد ملاحظة تقنية عابرة على قناة متخصصة.

فقد سلط، عبر صور وإحداثيات وتحليل بصري، الضوء على منشأتين مصريتين: مجمع جوفي قيد الإنشاء شرق القاهرة قرب طريق القاهرة ـ السويس، ومطار الجورة في شمال سيناء، على بعد نحو 14 كيلومترا غرب الحدود المصرية مع إسرائيل.

وفي المنشور الأول، أشار مكلس إلى قرب المجمع الجوفي من رادار "Rezonans-NE" الذي قال: إن مصر نصبته بين عامي 2019 و2020، متسائلا عن احتمال وجود صلة بين الموقعين. لافتا إلى أن الطرق المؤدية إلى مداخل الأنفاق جرى رصفها بالإسفلت.

أما في المنشور الثاني، فتحدث عن أعمال وصفها بغير المعتادة داخل مطار الجورة، شملت تسوية أراض داخل القاعدة ورصف المدرج المهجور، مع التذكير بأن جزءا من القاعدة يستخدمه المراقبون متعددو الجنسيات المكلفون بمتابعة تنفيذ اتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية.

للوهلة الأولى، تبدو هذه المعطيات جزءا من نشاط الاستخبارات مفتوحة المصدر؛ حيث يعتمد محللون مدنيون على صور الأقمار الصناعية التجارية لرصد التحولات العسكرية.

لكن أهمية هذه المنشورات لا تكمن في الصور وحدها، بل في السياق الذي تندرج ضمنه؛ إذ جاءت منشورات مكلس بعد أكثر من عام من تصاعد خطاب إسرائيلي رسمي وإعلامي يتحدث عن "تعاظم" الوجود العسكري المصري في سيناء، واتهامات بخرق ترتيبات اتفاقية السلام، إلى جانب دعوات لتحرك أميركي للضغط على القاهرة.

عند هذه النقطة، لا تعود الصورة مجرد دليل بصري، بل تتحول إلى حلقة ضمن مسار أوسع يبدأ بالرصد العلني، ثم التأويل الأمني، يليه التدوير الإعلامي، قبل أن ينتهي بتحويل القضية إلى ملف سياسي داخل إسرائيل والولايات المتحدة.

مكمن الخطورة

ما فعله مكلس يوضح كيف تغيرت طبيعة مراقبة إسرائيل لمصر؛ فالمراقبة بين الدول ليست أمرا جديدا، خصوصا بين بلدين خاضا حروبا كبرى ثم وقعا اتفاق سلام ظلت ترتيباته الأمنية شديدة الحساسية.

الجديد أن جزءا من هذا الرصد خرج من الدوائر المغلقة إلى المجال العام، عبر حسابات محللين ومنصات الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT)، إضافة إلى صحف ومنصات ذات توجهات أمنية وسياسية، لتصبح التحركات المصرية مادة قابلة للتداول والتأويل السياسي.

وبحسب تغريدة للباحث المصري عبد الرحمن عياش على منصة "إكس"، فإن ما ورد في منشور مكلس بشأن المجمع الجوفي شرق القاهرة لم يجزم بوجود علاقة وظيفية بين الموقع والرادار الروسي، لكنه طرح السؤال بطريقة تفتح باب التأويل الأمني.

أما في منشوره المتعلق بمطار الجورة، فلم يشر إلى أن الأعمال تمثل تهديدا مباشرا، لكنه ركز على طبيعتها غير المعتادة، وتوقيتها، وموقعها القريب من الحدود.

وقال الباحث المصري: "يمكن عد الرجل ذراعا استخبارية مفتوحة المصدر تعمل في وضح النهار، وتنشر نتائجها ويُستشهد بها في مراكز أبحاث ووسائل إعلام غربية".

وأضاف: "عندما تدخل هذه الشكوك إلى مناخ سياسي إسرائيلي متوتر بعد حرب غزة، تتحول من ملاحظة فنية إلى جزء من سردية أوسع تتحدث عن مصر بوصفها تعزز مواقعها وقدراتها".

وتابع: "إسرائيل تدرك أن مصر تختلف عن ساحات أخرى في المنطقة، ولهذا يزداد الاهتمام بمتابعة تحركاتها وقدراتها العسكرية".

وهنا تكمن حساسية الظاهرة؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بقيام محلل إسرائيلي برصد منشأة مصرية، بل بوجود بيئة سياسية وإعلامية قد تكون مستعدة لتفسير هذا النوع من الرصد بوصفه مؤشرا إضافيا على تحول في التوازنات.

لذلك، يمكن التعامل مع منشورات مكلس ليس بوصفها أدلة قاطعة بحد ذاتها، وإنما بوصفها مدخلا لفهم كيفية انتقال المعلومة البصرية من منصة مفتوحة إلى خطاب أمني وسياسي أوسع.

"انتهاكات جدية"

 الجدل حول التحركات العسكرية المصرية لم يبدأ مع منشورات مكلس، بل كان قد انتقل بالفعل إلى المستوى الرسمي داخل إسرائيل قبل ذلك بمدة، عبر تصريحات دبلوماسية وتقارير إعلامية تحدثت عن ما عدته تل أبيب "تجاوزات" مرتبطة بترتيبات اتفاق السلام، ومحاولات لطرح الملف على طاولة النقاش مع واشنطن.

ففي فبراير/شباط 2025، نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر اتهامه مصر بارتكاب "انتهاكات جدية" لاتفاق السلام.

وقال لايتر، خلال لقاء مع منظمات يهودية: إن هناك “قواعد يجرى بناؤها يمكن استخدامها فقط لعمليات هجومية ولأسلحة هجومية”. مضيفا أن إسرائيل "غضت الطرف لفترة طويلة"، لكن الأمر ما زال مستمرا وسيُطرح قريبا "بقوة على الطاولة".

واللافت أن الصحيفة ذكرت أن الفيديو الذي تضمن تصريحاته حُذف بعد نشره، مشيرة إلى أنها المرة الأولى التي يثير فيها مسؤول إسرائيلي هذا الملف علنا بهذا الوضوح.

وبعد أيام، ذكرت صحيفة إسرائيل هيوم أن مسؤولين إسرائيليين كبارا تواصلوا مع القاهرة بشأن ما وصفته بـ"انتهاكات خطيرة" لشروط اتفاق السلام، على خلفية ما قالت إنه تعزيز عسكري مصري في سيناء يتجاوز الحدود المتفق عليها. مضيفة أن القاهرة اقترحت وساطة أميركية لخفض التوتر بين الطرفين.

وفي مارس/آذار 2025، نقلت صحيفة جيروزاليم بوست عن مصدر أمني إسرائيلي قوله: إن إسرائيل رصدت تعزيزات عسكرية مصرية في سيناء، شملت نشر قوات تتجاوز الحصص المسموح بها، إلى جانب توسيع مرافق موانئ وتمديد مدارج في مطارات.

وقال المصدر: إن إسرائيل “لن تقبل الوضع ولن تتسامح مع انتهاكات من القاهرة”. مضيفا أن واشنطن تتحمل مسؤولية ضمان تنفيذ اتفاق السلام.

وتكشف هذه المعطيات أن القضية لم تعد محصورة في تحليل صور الأقمار الصناعية أو منشورات الأفراد، بل تحولت إلى ملف سياسي وأمني تتحرك داخله الدبلوماسية الإسرائيلية، مع استدعاء الولايات المتحدة بوصفها الضامن الرئيس لاتفاقية السلام.

وبذلك، لم تعد منشورات محللين أو مراقبين مستقلين مجرد قراءة فنية لتحركات ميدانية، بل أصبحت جزءا من سياق أوسع يجري فيه توظيف المعطيات البصرية ضمن خطاب أمني وسياسي متصاعد يتناول الوجود العسكري المصري في سيناء وتداعياته المحتملة على ترتيبات ما بعد اتفاق السلام.

هاجس 7 أكتوبر

لا يكتمل فهم التصعيد الإسرائيلي تجاه التحركات المصرية من دون التوقف عند التأثير العميق لهجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 على العقل الأمني في إسرائيل.

فبعد الإخفاق الاستخباراتي في استشراف هجوم حركة حماس، باتت المؤسسات السياسية والأمنية والإعلامية الإسرائيلية أكثر ميلا إلى التعامل مع أي تحرك عسكري في محيطها بوصفه مؤشرا يستدعي الإنذار المبكر، حتى وإن لم يحمل دلالات تهديد مباشرة.

ومنذ ذلك الحين، لم تعد القراءة الإسرائيلية تقتصر على الوقائع الميدانية وحدها، بل أصبحت محكومة بهاجس منع تكرار “المفاجأة”، ما عزز النزعة إلى مراقبة التطورات العسكرية في الدول المجاورة، وفي مقدمتها مصر، وإعادة تفسيرها ضمن سياق أمني أكثر حساسية وتحسبا.

هذا المنطق ظهر بوضوح في تصريحات السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون الذي تساءل في مقابلة عبرية: لماذا تحتاج مصر إلى كل هذه الغواصات والدبابات إذا لم تكن تواجه تهديدات على حدودها؟

وأضاف أن ما جرى بعد 7 أكتوبر يجب أن يدق أجراس الإنذار، وأن إسرائيل تعلمت الدرس، وعليها أن تراقب ما يحدث وتستعد لكل السيناريوهات.

هذه التصريحات تحديدا أفردت لها صحيفة "مكور ريشون" العبرية، المقربة من اليمين القومي الديني، مقالا للمحلل الإسرائيلي هاجاي سيغال في 22 فبراير/ شباط 2025، رأى فيه أن هذه المقاربة تمنح الخطاب الإسرائيلي بعده النفسي والسياسي، فالقضية لا تتعلق فقط بما تفعله مصر في سيناء، بل بما تخشى إسرائيل أنها أخفقت في قراءته مسبقا.

وأوضح أن منطق ما بعد غزة يجري إسقاطه على سيناء، عبر قاعدة تقوم على: لا تنتظر حتى يتحول الحشد إلى مفاجأة، راقب مبكرا، واضغط مبكرا، واصنع ملفا سياسيا قبل أن يصبح الواقع أمرا قائما.

لكن هذا الطرح يواجه إشكالية سياسية وتفسيرية؛ إذ يتجاهل أن جزءا كبيرا من الوجود العسكري المصري في سيناء جاء ضمن سياق الحرب على التنظيمات المسلحة، وفي إطار تفاهمات وموافقات إسرائيلية سابقة سمحت بتجاوز القيود العددية الواردة في الملحق الأمني لاتفاقية السلام.

وفي تقرير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في ديسمبر/ كانون الأول 2025، جرى الإقرار بوجود مفارقة واضحة، مفادها أن ما قبلت به إسرائيل أو سهلته أمنيا خلال مرحلة مكافحة الإرهاب، يُعاد تقديمه اليوم داخل جزء من الخطاب الإسرائيلي بوصفه مؤشرا على تهديد مصري محتمل.

وأشار التقرير إلى أن التغير لا يكمن في الأرض أو حجم الانتشار فقط، بل في طريقة القراءة السياسية لما يجري فوقها.
وحتى داخل الإعلام اليميني الإسرائيلي، أصبح الخطاب أكثر حدة. فقد نشرت صحيفة "جيروزاليم بوست" في أبريل/ نيسان 2026 مادة تناولت مناورات مصرية بالذخيرة الحية قرب الحدود.

وذكرت الصحيفة أن التدريبات جرت من الناحية الفنية بموافقة الجيش الإسرائيلي، لكنها أثارت مخاوف بين سكان جنوب إسرائيل، وأن بعضهم ربطها بمؤشرات سبقت هجوم 7 أكتوبر.

كما ربطت المادة هذه التدريبات بما وصفته بتسارع الحشد العسكري المصري في سيناء، والذي يشمل قوات إضافية ودبابات ومنظومات دفاع جوي، مقدرة أن بعض الدوائر الإسرائيلية بدأت تنظر إلى هذه التحركات بوصفها تآكلا تدريجيا للتفاهمات التي يقوم عليها إطار كامب ديفيد.

وفي مقال رأي آخر نشرته الصحيفة نفسها، جرى تصوير السلام المصري الإسرائيلي بصفته معرضا لضغوط متزايدة نتيجة ثلاثة عوامل رئيسة: تهريب السلاح عبر الحدود، والتعزيزات العسكرية المصرية في سيناء، وتصاعد المزاج الشعبي المعادي لإسرائيل على خلفية الحرب في غزة.

واللافت أن المقال لم يطرح القضية بوصفها خلافا ثنائيا بين القاهرة وتل أبيب فحسب، بل قدمها بوصفها تحديا إستراتيجيا ينال المصالح الأميركية أيضا، داعيا واشنطن إلى التدخل للحفاظ على اتفاقية السلام ومنع تآكلها.

وفي هذا السياق، لم تعد التحركات العسكرية المصرية تُقرأ داخل بعض الأوساط الإسرائيلية بصفتها ترتيبات أمنية مرتبطة بسيناء وحدها، بل أصبحت تدخل ضمن سردية أوسع تشكلت بعد 7 أكتوبر، تقوم على أن أي تغير ميداني يجب التعامل معه مبكرا، حتى لا يتحول لاحقا إلى مفاجأة إستراتيجية جديدة.

جبهة مواجهة 

قال الباحث السياسي المصري في معهد البحوث والدراسات العربية، عامر حسن، لـ"الاستقلال": إن الخطاب الإسرائيلي الحالي لا يذهب صراحة إلى القول إن الحرب ضد مصر باتت وشيكة، لكنه يعمل على مستوى أكثر خطورة، يتمثل في بناء قابلية نفسية وسياسية داخل المجتمع الإسرائيلي لتصوّر مصر بوصفها جبهة مواجهة مستقبلية.

وأضاف أن "هناك فارقا واضحا بين لغة المؤسسات البحثية الأمنية الإسرائيلية، مثل معهد دراسات الأمن القومي، وبين خطاب اليمين السياسي والإعلامي المتطرف".

وتابع: "المعهد لا يتحدث عن حرب، بل يناقش كيفية إدارة الخلافات ضمن إطار اتفاقية السلام، ويطرح أفكارا لتحديث الترتيبات الأمنية وتعزيز آليات الثقة والتنسيق الحدودي، خصوصا فيما يتعلق بمحور فيلادلفيا ومعابر غزة وسيناء".

وأوضح حسن أن "اليمين الإسرائيلي يتعامل مع المشهد بطريقة مختلفة تماما؛ إذ يسعى إلى تحويل كل تحرك عسكري مصري، سواء كان إنشاء طريق جديد أو منشأة أو تنفيذ تدريبات أو نشر رادارات أو إنشاء منشآت تحت الأرض، إلى جزء من سردية متكاملة عن تهديد مصري متصاعد".

وأشار إلى أن "إسرائيل تدرك أن سيناء اليوم ليست كما كانت بعد اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، فمصر خاضت خلال السنوات الماضية حربا طويلة ضد التنظيمات المسلحة في شمال سيناء، كما أن حرب غزة أعادت تشكيل النظرة المصرية إلى الحدود الشرقية بوصفها مسألة أمن قومي وسيادة، مرتبطة بمخاطر التهجير والفوضى الإقليمية التي تسعى إسرائيل إلى دفعها".

وتابع: "من الطبيعي أن تعمل القاهرة على تطوير بنيتها العسكرية واللوجستية داخل سيناء وحولها، لكن إسرائيل تنظر إلى هذه الخطوات من زاوية مختلفة، لأن أي تعزيز عسكري مصري شرق القناة يعني، من وجهة نظرها، تقليص هامش التفوق وفرض قيود أكبر على حرية الحركة الإسرائيلية في أي أزمة مستقبلية".

ورأى حسن أن "اللافت في المرحلة الحالية هو أن صور الأقمار الصناعية وتحليلات المصادر المفتوحة التي ينشرها أشخاص مثل بن صهيون مكلس، لم تعد مجرد مواد تقنية، بل أصبحت جزءا من بيئة سياسية وإعلامية تعيد إنتاج مفهوم الخطر المصري داخل إسرائيل، عبر تقديم كل منشأة أو تحرك عسكري بصفته دليلا قابلا للتوظيف السياسي والعسكري لاحقا".