أركان الجيش والمخابرات في أبوظبي.. لماذا نفت الإمارات زيارة نتنياهو؟

إسماعيل يوسف | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

كانت مفارقة لافتة أن تنفي دولة الإمارات "رسميا" ما أعلنه مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "رسميا" أيضًا، بشأن زيارته إلى أبوظبي برفقة قادة من جيشه وجهاز مخابراته، بهدف تنسيق الحرب ضد إيران خلال الحرب وبعد الهدنة.

وجاء النفي الإماراتي بمثابة تبرؤ من مضمون الإعلان الإسرائيلي، في وقت تجنبت فيه أبوظبي استقبال نتنياهو سابقًا خشية ردود الفعل الشعبية، رغم استقبالها رئيسي الوزراء الإسرائيليين السابقين نفتالي بينيت ويائير لابيد، في زيارات وُصفت بأنها "سرية"، رغم كشفها عبر مواقع تتبع الطائرات.

لكن نتنياهو الذي أقر بأن الزيارة "سرية"، أعلن عنها علنًا لاحقًا، في خطوة يُعتقد أنها تهدف إلى تعزيز صورة تحالفه العسكري في الشرق الأوسط ضد إيران، أو لأهداف انتخابية داخلية مع تبكير انتخابات الكنيست وسعيه إلى حصد مكاسب سياسية.

ويُظهر تسلسل المواقف — بدءًا من البيان الإسرائيلي، ثم النفي الإماراتي، وصولًا إلى تحذير وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن "أولئك الذين يتعاونون مع إسرائيل لإثارة الانقسام سيُحاسبون" وأن "التواطؤ مع إسرائيل أمر لا يُغتفر" — دلالتين أساسيتين:

الأولى: انزعاج أبوظبي من التهديدات الإيرانية واحتمال تصاعد استهدافها، خاصة أن الزيارة، بحسب تقارير إسرائيلية وأميركية، كانت مرتبطة بتنسيق عسكري في مواجهة إيران.

والثانية: خشية من تصاعد الغضب الداخلي واتساع التوترات داخل دولة الإمارات، في ظل تحميل أبوظبي تداعيات سياساتها التطبيعية، لا سيما بعد حرب غزة، وما رافقها من انتقادات شعبية، بالتزامن مع تداول شائعات عن توترات داخلية داخل الاتحاد.

لماذا نفي المؤكد؟

كان مشهد تأكيد الزيارة ثم نفيها في المقابل غير مألوف سياسيًا، بل يقترب من حالة ارتباك دبلوماسي؛ إذ ليس من المعتاد أن تؤكد دولة ما قيام رئيس حكومتها بزيارة رسمية إلى دولة أخرى، ثم تصدر الدولة المستضيفة بيانًا ينفي الزيارة جملة وتفصيلًا.

فقد جاء بيان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، في 13 مايو/أيار 2026، واضحًا، إذ أكد أن بنيامين نتنياهو زار الإمارات “سرًا”؛ حيث التقى برئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد، وربط الزيارة بسياق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وأضاف البيان أن هذه الزيارة تمثل "اختراقًا تاريخيًا" في العلاقات بين الجانبين، في إشارة يُعتقد أنها تعكس مستوى التنسيق الأمني والسياسي بينهما خلال الحرب، خصوصًا فيما يتعلق بتبادل المعلومات الاستخباراتية ومواجهة الهجمات الإيرانية.

ووفق ما نقلته تقارير إعلامية، بينها "بلومبيرغ" و"وول ستريت جورنال" في 13 مايو/أيار 2026، فإن الزيارة تناولت التنسيق الدفاعي، بما في ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتصدي للهجمات الإيرانية، وتعزيز منظومات الدفاع الجوي، ومنها نشر بطاريات من منظومة "القبة الحديدية" في الإمارات.

ويُلاحظ أن البيان الإسرائيلي جمع بين توصيف الزيارة بأنها "سرية" وفي الوقت نفسه الإعلان عنها رسميًا، وهو ما أثار تساؤلات بشأن دلالات هذا التناقض، وأهداف الكشف عنها لاحقًا، الأمر الذي فُسّر على أنه أحد دوافع النفي الإماراتي.

كما أكد مدير مكتب نتنياهو والمتحدث السابق باسمه، زيف أجمون، تفاصيل الزيارة، واصفًا استقبال الإمارات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه "استقبال ملوكي"، مشيرًا إلى أن الشيخ محمد بن زايد رافقه بسيارته من المطار إلى القصر، وأنه التقى عددًا من أفراد الأسرة الحاكمة خلال الزيارة.

في المقابل، جاء النفي الإماراتي بصياغة مشابهة من حيث الحسم، إذ نفت وزارة الخارجية "ما يتم تداوله بشأن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الدولة أو استقبال أي وفد عسكري إسرائيلي"، مؤكدة أن العلاقات بين البلدين "معلنة ولا تقوم على السرية أو الترتيبات الخفية"، وأن أي ادعاءات بزيارات أو ترتيبات غير معلنة "لا أساس لها من الصحة ما لم تصدر عن الجهات الرسمية المختصة".

وبهذا، بدا أن الإمارات لم تكتفِ بنفي الزيارة، بل ركزت أيضًا على نفي أي طابع عسكري أو سري للتنسيق، في إشارة يُفهم منها محاولة لتفادي تأويلات تربط العلاقة مع إسرائيل بملفات عسكرية مرتبطة بإيران.

وفي السياق نفسه، حاول مستشار ابن زايد الدكتور عبد الخالق عبد الله نفي الزيارة من زاوية سياسية، مقدرا أن نتنياهو "يُكثر من إطلاق الأكاذيب لأغراض انتخابية".

في المقابل، نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مسؤول إماراتي رفيع قوله: إن "نتنياهو خرق الاتفاق"، موضحًا أن هناك التزامًا متبادلًا بين الجانبين بالحفاظ على سرية اللقاء.

كما أشار مراسل الشؤون الدبلوماسية في قناة i24News الإسرائيلية إلى أن الإمارات قدّمت احتجاجًا رسميًا إلى الجانب الإسرائيلي، عبر السفير الإماراتي في تل أبيب، بشأن تسريب تفاصيل الزيارة، معبرًا عن استياء أبوظبي من تكرار تسريب معلومات حساسة من مكتب نتنياهو.

وأضافت مصادر إسرائيلية أن الإمارات أبدت غضبًا من تسريب معلومات تتعلق بتعاون أمني متقدم بين الجانبين، يشمل أنظمة دفاعية وزيارات متكررة لمسؤولين أمنيين إسرائيليين رفيعي المستوى.

كما أكدت تقارير في "تايمز أوف إسرائيل" و"يديعوت أحرونوت" و"القناة 13" ووكالة "بلومبيرغ" و"وول ستريت جورنال" و"سي إن بي سي" أن نتنياهو أجرى بالفعل زيارات سرية إلى الإمارات خلال الحرب على إيران، التقى خلالها مسؤولين إماراتيين رفيعي المستوى، في إطار تنسيق أمني مرتبط بإدارة المواجهة مع طهران.

وبحسب "وول ستريت جورنال"، فإن رئيس الموساد ديفيد بارنيا زار الإمارات مرتين على الأقل خلال فترة الحرب، في إطار اجتماعات غير معلنة مع مسؤولين إماراتيين، ركزت على التنسيق الأمني وتبادل المعلومات بشأن التطورات العسكرية.

وتشير هذه المعطيات، بحسب ما أورده التقرير إلى مستوى متقدم من التعاون غير المعلن بين الجانبين خلال الحرب، خاصة فيما يتعلق بالرصد الاستخباراتي والتنسيق الدفاعي.

في المقابل، جاء النفي الإماراتي بعد ردود فعل إيرانية حادة، إذ هدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، عبر منصة "إكس"، بأن أي طرف "يتعاون مع إسرائيل لإثارة الانقسام" سيُحاسب، ورأى أن "التعاون السري مع إسرائيل" أمر "لا يُغتفر".

وفي السياق ذاته، اتهم عراقجي الإمارات خلال اجتماع لوزراء مجموعة "بريكس" في الهند، في 14 مايو/أيار 2026، بأنها "ليست طرفًا محايدًا" في الحرب، بل "منخرطة بشكل أو بآخر" إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، وفق تعبيره.

مزيد من التوبيخ والإخضاع

في ظل سعي أبوظبي إلى نفي ما عدته تسريبات غير دقيقة بشأن زيارة بنيامين نتنياهو، ومع ما يراه مراقبون من رغبة إسرائيلية في توظيف الملف سياسيًا وإعلاميًا، لم يتوقف الجدل عند حدود التأكيد والنفي، بل اتسع ليشمل روايات جديدة حول نطاق أوسع من الزيارات الأمنية والعسكرية.

فإلى جانب الحديث عن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، تداولت وسائل إعلام إسرائيلية وتقارير صحفية مزاعم تفيد بأن مسؤولين أمنيين وعسكريين كبارًا من تل أبيب، من بينهم رئيس جهاز الموساد ورئيس جهاز الأمن الداخلي (الشاباك)، بالإضافة إلى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، قد زاروا الإمارات خلال فترة الحرب مع إيران، في إطار تنسيق أمني متصل بتطورات المواجهة.

ونقل مراسل الشؤون الدبلوماسية في قناة i24News عن هذه المعطيات، مشيرًا إلى أن الزيارات لم تقتصر على المستوى السياسي، بل شملت قيادات أمنية وعسكرية رفيعة، وهو ما أكدت مضمونه أيضًا تقارير إسرائيلية أخرى، بينها "يديعوت أحرونوت" وهيئة البث الإسرائيلية "كان"، بتاريخ 15 مايو 2026.

وبحسب ما أورده محلل الشؤون العسكرية في "يديعوت أحرونوت" يوسي يهوشع، فإن قائمة الزيارات تضمنت، وفق هذه الروايات، رئيس الموساد ومدير جهاز الشاباك ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إلى جانب لقاءات مع مسؤولين إماراتيين رفيعي المستوى، من بينهم رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد، في سياق تنسيق أمني مرتبط بالحرب.

وتضيف هذه التقارير أن هذه التحركات تأتي ضمن سلسلة أوسع من الزيارات والاتصالات الأمنية غير المعلنة بين الجانبين خلال فترة التصعيد، بما في ذلك ما يتعلق بمنظومات الدفاع الجوي والتعامل مع الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.

في المقابل، لم يصدر تأكيد رسمي إماراتي لهذه المزاعم، بينما تنفي أبوظبي بشكل متكرر وجود أي ترتيبات عسكرية أو زيارات غير معلنة بهذا الشكل، مؤكدة أن علاقاتها مع إسرائيل تتم ضمن إطار معلن ورسمي.

ويرى محللون أن هذا التباين بين التسريبات الإسرائيلية والنفي الإماراتي يعكس حالة من التداخل بين التقديرات الأمنية والسياسية والإعلامية، خصوصًا في ظل تصاعد التوتر مع إيران وتزايد حساسية ملف العلاقات الإقليمية في المنطقة.

وبينما تواصل وسائل إعلام إسرائيلية تسليط الضوء على مستوى التنسيق الأمني مع بعض دول المنطقة، تبقى هذه المعطيات محل جدل سياسي وإعلامي، في غياب بيانات رسمية تفصيلية تؤكد أو تنفي جميع ما يُنشر حول طبيعة هذه الزيارات.

سبب نفي الزيارة

بحسب تقديرات سياسية وإعلامية، جاء النفي الإماراتي لما أعلنه مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن زيارته إلى أبوظبي ولقائه رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد، وكذلك ما أُثير حول استقبال وفود عسكرية إسرائيلية، نتيجة مجموعة من الاعتبارات المتداخلة:

أولًا:
يرتبط النفي، وفق هذه التقديرات، بتفادي التصعيد مع إيران، في ظل تهديدات إيرانية متكررة بأن أي تعاون مع إسرائيل في سياق المواجهة سيترتب عليه ردود فعل. ويأتي ذلك بالتوازي مع تقارير غربية تحدثت عن أن الزيارة، في حال وقوعها، كانت مرتبطة بتنسيق أمني وعسكري في مواجهة طهران.

ثانيًا:
تتعلق التقديرات بالرأي العام المحلي والعربي، إذ رغم تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل بموجب "اتفاقيات أبراهام" عام 2020، لا تزال شخصية نتنياهو تثير رفضًا واسعًا في الشارع العربي، خاصة في ظل الحرب على غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية. وقد أشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" في 14 مايو/أيار 2026 إلى أن الجدل حول الزيارة كشف حدود التقارب بين الجانبين وتعقيدات التعامل مع قيادة إسرائيلية مثيرة للانقسام في المنطقة.

ثالثًا:
يرتبط النفي أيضًا بطبيعة توصيف الزيارة بأنها “سرية”؛ إذ إن الإعلان عنها من الجانب الإسرائيلي وضع أبوظبي في موقف حرج، بتقدير أن الدبلوماسية الخليجية في الملفات الأمنية تعتمد بدرجة كبيرة على التكتم. ووفق صحيفة "يسرائيل هيوم" في 14 مايو 2026، فإن الانزعاج الإماراتي لم يكن من تسريب فكرة الزيارة بحد ذاتها، بل من إعلانها رسميًا، بما يفرض إحراجًا سياسيًا ويجبرها على نفي علني.

رابعًا:
يأتي النفي كذلك في سياق أوسع يتعلق بتطور مسار "اتفاقيات أبراهام"، إذ تشير تقارير دورية "فورين أفيرز" في 4 مايو 2026 إلى أن التحول في العلاقات بين إسرائيل والإمارات قد تجاوز البعد السياسي إلى مستويات أمنية وعسكرية أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل تصاعد التوتر الإقليمي مع إيران.

وبحسب هذا الطرح، فإن أي حديث عن تنسيق أمني مباشر خلال الحرب يعكس انتقال العلاقة إلى مرحلة تشغيلية أكثر حساسية، ما يثير جدلًا حول طبيعة هذا التعاون وحدوده.

كما ربط بعض المحللين هذا التطور بما وصفوه بمحاولات بناء "حلف إقليمي جديد" في المنطقة، تلعب فيه الإمارات دورًا محوريًا، في ظل إعادة تشكيل التحالفات بعد الحرب.

خامسًا (وفق بعض التقديرات):
يرى بعض المحللين أن الكشف الإسرائيلي عن الزيارة قد يحمل أبعادًا سياسية إضافية تتعلق بالضغط الإقليمي، سواء على السعودية أو مصر، في ظل إعادة رسم خرائط النفوذ والتنسيق الأمني في المنطقة. ويُشار في هذا السياق إلى تقارير تحدثت عن ترتيبات عسكرية إقليمية وتبادل أدوار دفاعية بين بعض الدول.

كما ربطت بعض التحليلات بين هذه التطورات وبين تحركات سعودية وإقليمية تهدف إلى إدارة التوتر مع إيران، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة تموضع سياسي وأمني واسع.

خطر التنسيق العسكري 

أثار الكشف عن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الإمارات، وما رافقه من تقارير عن تنسيق عسكري واستخباراتي محتمل ضد إيران، حالة من الجدل والتوتر، خصوصًا بعد ربط الزيارة بملفات أمنية حساسة في المنطقة.

ووفق تقارير إعلامية إسرائيلية وغربية، فإن الهدف من الزيارة لم يقتصر على الجوانب السياسية، بل شمل أيضًا بحث ترتيبات أمنية وعسكرية مشتركة في ظل تصاعد التوتر مع إيران، واحتمالات عودة المواجهة العسكرية.

وأشارت وسائل إعلام إسرائيلية، بينها القناة 13، إلى أن اللقاء جاء في سياق تقديرات أمنية إسرائيلية ترجّح احتمال استئناف المواجهة مع إيران، ما دفع نحو تعزيز التنسيق مع شركاء إقليميين، من بينهم الإمارات.

كما ذكرت هيئة البث الإسرائيلية (كان 11) أن رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) دافيد زيني، ورئيس جهاز الموساد دافيد برنياع، إضافة إلى مسؤولين عسكريين آخرين، أجروا زيارات إلى الإمارات خلال الفترة الماضية، ضمن اجتماعات أمنية وصفت بأنها ركزت على تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق العملياتي.

وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن رئيس الموساد زار الإمارات أكثر من مرة خلال الحرب، والتقى مسؤولين إماراتيين، في إطار ما وصفته بتنسيق أمني يتعلق بتطورات المواجهة مع إيران.

كما أشارت تقارير أخرى، بينها “جيروزاليم بوست”، إلى أن هذه اللقاءات تزامنت مع مرحلة توتر إقليمي متصاعد، وعمليات عسكرية متبادلة، وضمن ترتيبات أمنية أوسع مرتبطة بالمشهد الإقليمي.

وتقول هذه التقارير: إن التعاون الأمني بين الجانبين تطور خلال السنوات الأخيرة، ليشمل تبادل معلومات استخباراتية وتنسيقًا في ملفات إقليمية معقدة، خصوصًا ما يتعلق بإيران.