رؤى متناقضة.. هكذا كتبت حرب إيران نهاية "محور أبراهام"

منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

حذّر مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية من أن الفجوة بين الرؤية الإسرائيلية لشرق أوسط جديد وتطلعات دول الخليج باتت أوسع من أن تُردم.

جاء ذلك على لسان الباحث الأول المشارك في المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية، هـ. أ. هيليير الذي أكد أن دول الخليج وإسرائيل "لا تسيران في الاتجاه نفسه".

وأشار إلى أنه في ربيع 2025، شنّت إيران هجومها المباشر الأول على الأراضي الإسرائيلية باستخدام أكثر من 300 طائرة مسيّرة وصاروخ، وسارعت قوات أميركية وبريطانية وفرنسية وأردنية إلى اعتراضها.

وكانت الرسالة في عواصم الخليج واضحة؛ فحين تتعرض إسرائيل لهجوم إيراني يكون الرد الأميركي فوريا وجماعيا، غير أن سؤالا مُقلقا ظل معلقا دون إجابة، وهو ما الذي سيحدث لو استهدفت إيران دول الخليج؟

وقال هيليير: إن هذا السؤال وجد إجابته لاحقا؛ إذ إنه حين شنت واشنطن وإسرائيل حربهما على إيران في 28 فبراير/شباط 2026 -وهي حرب عارضتها حكومات الخليج- ردّت طهران باستهداف مطارات وموانئ ومنشآت نفطية ومحطات تحلية مياه في دول الخليج.

كذلك، أغلقت فعليا مضيق هرمز، ما أدى إلى شل صادرات البحرين والكويت وقطر، وإعاقة صادرات عُمان والسعودية والإمارات.

إستراتيجيات تتهاوى

وأوضح الباحث أن دول الخليج حافظت على أمنها خلال نحو عقد من الزمن بالاعتماد على ثلاث ركائز أساسية، تتمثل في إظهار الحياد في المواجهات مع إيران، وتعزيز شراكات دفاعية قوية مع الولايات المتحدة، والإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران.

غير أن هذه الركائز باتت اليوم محل مراجعة جذرية، إن لم تكن قد انهارت أصلا، وفق تقييم هيليير.

وأضاف أن دول الخليج ترفض كذلك الفرضية التي تتبناها أميركا وإسرائيل، والقائلة بإمكانية دمجها ضمن منظومة أمنية تقوم على هيمنة إسرائيلية، تحتفظ فيها الأخيرة بتفوق عسكري حاسم وحرية حركة عابرة للحدود وقدرة على فرض شروطها على الآخرين.

فالحرب الجارية أظهرت، بحسبه، أن هذه الهيمنة تجعل الخليج في مرمى النيران، لأن إسرائيل لا تتردد في شن حروب استباقية لتحقيق أهدافها، ولا تأخذ مصالح جيرانها في الحسبان.

واستعرض هيليير مسار اتفاقيات التطبيع، موضحا أنها شكلت الأداة التي سعت الولايات المتحدة من خلالها إلى دمج دول الخليج في نظام إقليمي يضمن لإسرائيل هيمنة دائمة.

وأشار إلى أن دول الخليج التزمت لعقود بأن الاعتراف بإسرائيل مرهون بانسحابها من الأراضي المحتلة، وهو ما كرسته مبادرة السلام العربية عام 2002.

لكن بعض دول الخليج اتجهت خلال العقد الأخير  (بدأت منتصف سبتمبر/ أيلول 2020) إلى التطبيع متجاوزة مسألة حق الفلسطينيين في تقرير المصير، بما حرمهم من ورقة ضغط مهمة.

ووفق الباحث، فقد كان لذلك ثمن واضح؛ إذ حصلت الإمارات على تقنيات عسكرية أميركية وإسرائيلية متقدمة، وصفقات تجارية، ومكانة أعمق داخل المنظومة الأمنية الأميركية، كما وافقت إدارة دونالد ترامب الأولى على تزويدها بطائرات "إف-35" كحافز للتطبيع مع إسرائيل.

غير أن هذه الاستعدادات للتطبيع لم تعنِ يوما قبول الهيمنة الإسرائيلية. 

وكشفت الوقائع المتراكمة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 حجم التباعد؛ إذ قتلت إسرائيل أكثر من 70 ألف فلسطيني في غزة، وسعت إلى ضم الضفة الغربية، وقصفت لبنان وسوريا وشنّت توغلات في كليهما.

وفي سبتمبر/أيلول 2025، انتهكت السيادة القطرية بشنّها ضربات على مقر إقامة في الدوحة لاستهداف عناصر من حركة "حماس" كانوا يشاركون في مفاوضات برعاية أميركية.

وأكد هيليير أن الحرب على إيران تُمثّل، في نظر كثير من قادة الخليج، أوضح دليل على أن مصالحهم ومصالح إسرائيل لا تسير في الاتجاه ذاته.

واستطرد: “فكثيرون منهم يعتقدون أن إسرائيل أقنعت إدارة ترامب بمهاجمة إيران في 28 فبراير/شباط 2026، فدفع الخليج ثمن حرب لم يُرِدها”.

وفي الأشهر التي سبقت الحرب، نصحت حكومات الخليج واشنطن بالتفاوض بدلا من الهجوم، وأكدت علنا وعبر القنوات الخاصة أنها لن تُتيح استخدام أراضيها منصة ضد إيران، بل إن الرياض أبرمت معها اتفاق تهدئة عام 2023 بعد قرابة عقد من التوترات، يقول هيليير.

واستدرك: “لكن كل ذلك لم يحمِها من الضربات الإيرانية، فما يعنيه الأمر لطهران ليس نوايا حكومات الخليج، بل موقعها ضمن منظومة أمنية تُمكّن العمليات الأميركية والإسرائيلية، والحياد الذي لا تعترف به الأطراف المعنية لا قيمة عملية له، حتى لو طُرح بحسن نية”.

ثلاثة معسكرات

وأشار هيليير إلى أن دول الخليج انقسمت مع اشتداد الحرب إلى ثلاثة معسكرات؛ فعُمان تمسّكت بضبط النفس رغم الضربات الإيرانية على ميناء الدقم، وهنّأت رسميا المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، وأدانت هجمات جميع الأطراف.

أما الإمارات، الأكثر تضررا من الضربات الإيرانية، فخلصت إلى أن جهودها لإعادة الانخراط مع طهران قبل الحرب ذهبت سُدى.

فحظرت دخول معظم حاملي الجوازات الإيرانية وأبدت انفتاحا على الانضمام إلى الجهود العسكرية الأميركية لتأمين مضيق هرمز وعزمت على تعميق علاقاتها مع واشنطن وإسرائيل.

والبحرين سارت في الاتجاه ذاته، فيما اتخذت الكويت وقطر والسعودية موقفا وسطا، وفق الباحث.

ولفت إلى أن دول الخليج باتت تدرك أن واشنطن لن تكون ضامنها الوحيد على المدى البعيد، نظرا لعلاقتها الوثيقة بإسرائيل وتجاهلها لمصالح الخليج وسجلها في حماية المنطقة.

لذا تعمل على تنويع شراكاتها؛ فالإمارات أقامت مشاريع مشتركة مع شركات طائرات مسيّرة تركية عام 2024، والسعودية أبرمت مع باكستان اتفاقية دفاع مشترك.

وتبحث الحكومات الخليجية عن بدائل للمعدات الأميركية تشمل طائرات مقاتلة تركية وأنظمة دفاع صاروخي كورية جنوبية وطائرات مسيّرة أوكرانية وصواريخ اعتراضية من نوع باتريوت يابانية الصنع وصواريخ بريطانية مضادة للطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة.

كذلك، يتفاوض الاتحاد الأوروبي على اتفاقية تجارة حرة مع الإمارات، وقد يبيع تقنيات طائرات مسيّرة لدول الخليج.

ومن المرجح أن تسعى دول الخليج إلى صفقات اقتصادية وتكنولوجية مع الصين، مع تجنّب الضمانات الدفاعية الصريحة حتى لا تتجاوز الخطوط الأميركية الحمراء.

وأوضح هيليير أن بناء الاستقلال الحقيقي يستلزم تعزيز الروابط الدفاعية بين دول الخليج نفسها، عبر تبادل بيانات الإنذار المبكر وتنسيق الدفاعات الجوية وتوحيد مخزونات تقنيات مكافحة الطائرات المسيّرة.

ورغم أن مجلس التعاون يمتلك على الورق قيادة عسكرية موحدة، فإن التنافس بين أعضائه حال دون تحقيق تكامل دفاعي فعلي.

وأكد أن دول الخليج بحاجة كذلك إلى تطوير صناعاتها الدفاعية المحلية، لا سيما في مجال الدفاع الجوي؛ فالمملكة أسست الشركة السعودية للصناعات العسكرية الرامية إلى توطين 50 بالمئة من الإنفاق العسكري بحلول 2030.

والإمارات أنشأت مجموعة "إيدج" التي بدأت إنتاج ذخائر موجّهة بدقة، لكن الحرب كشفت نقصا حادا في صواريخ الاعتراض لا تستطيع أي صناعة محلية سدّه حتى الآن.

وختم هيليير بالقول إن واشنطن طالما بنت إستراتيجيتها الإقليمية على افتراض أن الأمن الإسرائيلي والخليجي وجهان لعملة واحدة، وأن التطبيع المدعوم أميركيا يُنتج الاستقرار.

لكن العام 2025، كشف زيف هذا الافتراض؛ فالفجوة بين رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لشرق أوسط يُعاد تشكيله من جانب، وتطلعات الدول العربية من جانب آخر، هي فجوة أعمق مما يمكن ردمه.

وما تريده دول الخليج -وفق المقال- هو نظام أمني يأخذ مصالحها بجدية وفق شروطها، لا بصفتها ملحقة بطموحات إسرائيل أو إيران.