من أبوظبي إلى بحر دار.. كيف تحولت إثيوبيا إلى منصة إماراتية لضرب السودان؟

بعد شهور من الهدوء النسبي في الخرطوم، تعرض مطار الخرطوم الدولي، في 4 مايو/أيار 2026، لهجوم بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي الإثيوبية، وباستخدام طائرات من النوع الذي توفره الإمارات العربية المتحدة لمليشيا قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو.
ولم يعد الحديث عن تورط إثيوبيا، ومن خلفها الإمارات، في الحرب السودانية مجرد تكهنات أو اتهامات سياسية متبادلة، بعدما عرض الجيش السوداني، في 5 مايو/أيار 2026، ما قال إنها أدلة موثقة تتهم الطرفين بالمشاركة في تنفيذ الهجوم على مطار الخرطوم، في تصعيد جديد ينذر بإمكانية انتقال الحرب من الداخل السوداني إلى مواجهة إقليمية أوسع مع إثيوبيا.
ويحمل توقيت الضربات دلالات سياسية وعسكرية واضحة، إذ جاءت بالتزامن مع تشديد الجيش السوداني ضغطه العسكري وحصاره على مليشيا حميدتي في إقليمي كردفان ودارفور، ما يفتح الباب أمام تفسيرات ترى أن الهدف من الهجوم يتمثل في تخفيف الضغط عن قوات الدعم السريع، ومنع عودة الاستقرار إلى العاصمة السودانية إلا ضمن ترتيبات سياسية تفرضها موازين القوة على الأرض.
كما تعكس هذه التطورات اتجاها متصاعدا نحو تدويل الأزمة السودانية، عبر توسيع نطاق التدخلات الخارجية وتحويل الحرب من نزاع داخلي إلى أزمة إقليمية مفتوحة، بما يهدد بتوسيع الرقعة الجغرافية للصراع، وتعقيد فرص التوصل إلى تسوية سياسية، وسط تصاعد المخاوف من انزلاق الأوضاع إلى صدام مباشر بين السودان وإثيوبيا.

أدلة الاتهام
نشر الجيش السوداني، إلى جانب وزارتي الخارجية والإعلام، حزمة من الأدلة الرسمية التي قال إنها تثبت تورط الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا في الهجمات الجوية بالطائرات المسيّرة على السودان، ليس فقط خلال هجوم 3 مايو/أيار 2026، بل أيضا في عمليات سابقة جرت خلال الأشهر الماضية، مقدرا أن ذلك يشكل انتهاكًا مباشرًا للسيادة السودانية وخرقًا واضحًا للقانون الدولي.
وبحسب الرواية السودانية الرسمية، فإن الهجمات انطلقت من الأراضي الإثيوبية منذ مارس/آذار 2026، واستمرت حتى مايو/أيار، عبر طلعات عدائية نفذتها ثلاث طائرات مسيّرة أقلعت من مطار "بحر دار" الإثيوبي مطلع مارس، واستهدفت مواقع في ولايات النيل الأبيض والنيل الأزرق وشمال وجنوب كردفان.
وفي 17 مارس/آذار 2026، أعلن الجيش السوداني إسقاط طائرة مسيّرة إماراتية من طراز "Wing Loong II AS-88"، وقال: إن تحليل بياناتها الفنية أظهر أنها انطلقت من داخل إثيوبيا، وذلك ضمن هجوم استهدف مواقع للجيش السوداني في منطقتي الكرامة والنيل الأزرق، إضافة إلى أجزاء من كردفان.
أما هجوم 3 مايو/أيار 2026، فقد نُفذ -بحسب السلطات السودانية- باستخدام عدة طائرات مسيّرة زُودت بها قوات الدعم السريع من قبل الإمارات، وانطلقت كذلك من الأراضي الإثيوبية.
وأوضح الجيش أن دفاعاته الجوية تمكنت من إسقاط بعض هذه المسيّرات، فيما انفجر بعضها الآخر في منشآت تقع على مسافات بعيدة نسبيًا عن مطار الخرطوم، الأمر الذي سمح بإعادة تشغيل المطار واستئناف استقبال الرحلات الدولية.
وقال المتحدث باسم الجيش السوداني، العميد عاصم عوض عبد الوهاب، إن السلطات تمتلك أدلة تقنية تربط هذه الهجمات بمطار "بحر دار" الإثيوبي، استنادًا إلى المعلومات المستخرجة من المسيّرة التي أُسقطت منتصف مارس/آذار 2026.
وأضاف أن طائرة أخرى انطلقت من المطار ذاته شاركت في هجوم 3 مايو/أيار، مقدرا أن ما قامت به إثيوبيا والإمارات يمثل "عدوانًا مباشرًا على السودان"، مؤكدا أن الأمر "لن يمر دون رد".
وفي سياق متصل، كشف موقع إفريقيا إنتليجنس، في تقرير نشره بتاريخ 5 مايو/أيار 2026، أن جهاز المخابرات العامة المصري، برئاسة حسن رشاد منذ عام 2024، حدد شخبوط بن نهيان آل نهيان بصفته المسؤول الإماراتي المكلف بإدارة الملف الإفريقي، وأحد "مصادر المتاعب" الرئيسة في الأزمة السودانية.
كما أشار التقرير إلى أن القاهرة تراقب أيضا طحنون بن زايد آل نهيان بحذر في ما يتعلق بملف السودان، في ظل ما تصفه الاستخبارات المصرية بعدم حماسه للتعاون الأمني العربي المشترك.
من جهتهما، أكد كل من وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني محيي الدين سالم ووزير الإعلام خالد الإعيسر أن الحكومة والأجهزة المختصة حصلت على "أدلة وإثباتات قاطعة" تؤكد أن الهجوم نُفذ بواسطة طائرات مسيّرة انطلقت من مطار إثيوبي.
وسبق أن كشف تقرير صادر في 8 أبريل/نيسان 2026 عن وحدة أبحاث بجامعة جامعة يال الأميركية، أن قاعدة عسكرية إثيوبية قرب الحدود السودانية في منطقة "أسوسا" تقدم دعما لوجستيا وعسكريا لقوات الدعم السريع، استنادًا إلى تحليل صور أقمار صناعية.
وأكد معدو الدراسة أن التحليل البصري الممتد على مدى خمسة أشهر أظهر بشكل قاطع أن هجمات قوات الدعم السريع على ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي السودان "كانت تُشن من داخل إثيوبيا"، مشيرين إلى معلومات تفيد بتخزين طائرات مسيّرة إماراتية تابعة لحميدتي داخل القاعدة.
وفي السياق ذاته، نقلت وكالة رويترز، في 3 مايو/أيار 2026، عن سكان محليين قولهم إن الضربات الأخيرة استهدفت مواقع عسكرية وأحياء مدنية في الخرطوم، التي كانت تشهد عودة تدريجية للمواطنين والوزارات والوكالات الدولية، بعد استعادة الجيش السوداني السيطرة عليها في مارس/آذار 2025.
من الإمارات لإثيوبيا للسودان
وكشفت حسابات متخصصة في تتبع المصادر المفتوحة، خلال الأشهر الماضية، تفاصيل المسار الذي تُنقل عبره الطائرات المسيّرة المستخدمة في استهداف السودان، بدءا من الإمارات مرورا بإثيوبيا، وصولا إلى القواعد التي تُطلق منها الهجمات باتجاه الخرطوم ومناطق أخرى.
وأوضحت هذه الحسابات أن بعض الطائرات المسيّرة المستخدمة في الهجمات، وبينها مسيّرات "بيرقدار أكينجي" التركية التي حصلت عليها الإمارات، جرى نقلها جوا من أبوظبي إلى أديس أبابا، قبل أن تُنقل لاحقا إلى قاعدة "بحر دار" الإثيوبية، التي تحولت -بحسب هذه المعطيات- إلى نقطة تشغيل رئيسية للهجمات بالطائرات المسيّرة ضد السودان.
وفي هذا السياق، أكد حساب "ريش تيد" المختص بمتابعة حركة الطيران العسكري والشحن، أنه رصد خلال الأشهر الخمسة الماضية أكثر من 146 رحلة شحن ونقل "مشبوهة" مرتبطة بالإمارات، من بينها رحلات نفذتها طائرات نقل عسكرية تابعة لسلاح الجو الإماراتي، كانت تتجه بشكل متكرر إلى إثيوبيا، فيما هبط عدد كبير منها في قاعدة "بحر دار" الجوية.
وأشار الحساب إلى أن وتيرة هذه الرحلات شهدت تصاعدا لافتا منذ ديسمبر/كانون الأول 2025، قبل أن تبلغ ذروتها خلال شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2026، بواقع نحو 35 رحلة خلال كل شهر، وهو ما عده مؤشرا على وجود جسر جوي متواصل لدعم العمليات المرتبطة بالحرب السودانية.
وأوضح أن العديد من طائرات الشحن الإماراتية كانت تعمد إلى إطفاء أجهزة التتبع الخاصة بها (الترانسبوندر) فور دخولها الأجواء الإثيوبية، في محاولة لإخفاء مساراتها الحقيقية، إلا أن بيانات الطيران المفتوحة وصور الأقمار الصناعية أكدت، رغم ذلك، وصول ما لا يقل عن 10 رحلات إلى القواعد الإثيوبية منذ ديسمبر 2025.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية إضافية، في ظل تزامن هذا التصعيد مع تراجع استخدام المسارات التقليدية التي اتُّهمت الإمارات سابقا بالاعتماد عليها لإمداد مليشيا "الدعم السريع"، عبر ليبيا أو ميناء بوصاصو الصومالي، ما يعزز فرضية انتقال مركز الإمداد والدعم اللوجستي إلى الداخل الإثيوبي.
كما لفتت تقارير المصادر المفتوحة إلى أن قاعدة "بحر دار" نفسها تستضيف طائرات مسيّرة تركية تُشغلها الإمارات، الأمر الذي يعزز الشكوك بشأن وجود تنسيق عملياتي مباشر داخل القاعدة، وليس مجرد استخدام عابر للأراضي الإثيوبية.
ولا تقتصر الاتهامات الموجهة لإثيوبيا على استضافة الطائرات المسيّرة أو تسهيل إطلاقها نحو السودان، بل تمتد -بحسب تقارير ومراكز بحثية- إلى استخدام البنية الجوية الإثيوبية في نقل الأسلحة والمقاتلين المرتبطين بميليشيا "الدعم السريع".
وفي هذا الإطار، ذكر "مركز العمليات الجيوسياسية الدولية" (IGP)، في تقرير نشره بتاريخ 14 أبريل/نيسان 2026، أن الخطوط الجوية الإثيوبية لعبت دورا لوجستيا في نقل مقاتلين ومرتزقة مرتبطين بقوات "الدعم السريع".
كما اتهم الناشط الإثيوبي البارز جوهر محمد، في فبراير/شباط 2026، شركة الخطوط الجوية الإثيوبية بنقل عناصر من "الدعم السريع" ومرتزقة أجانب تابعين لها من العاصمة التشادية نجامينا إلى مدينة أسوسا غرب إثيوبيا، عبر الرحلتين ET 8137 وET 8139 على متن طائرات من طراز "بوينغ 737-860".
وتعززت هذه الاتهامات، وفق تقارير نشرها موقع "ديلي نيوز إيجيبت" في مارس/آذار 2026، استنادا إلى بيانات تتبع الرحلات وشهادات من داخل مطاري بولي الدولي وأسوسا، أفادت بأن الركاب الذين وصلوا على متن تلك الرحلات نُقلوا مباشرة من الطائرات إلى شاحنات عسكرية داخل المدرج.
وفي السياق ذاته، كشف تحقيق نشرته مجلة "ناشيونال إنترست" الأميركية، في مارس/آذار 2026، أن بيانات تتبع الرحلات أظهرت تورط الخطوط الجوية الإثيوبية في نقل أسلحة ومعدات عسكرية إلى القواعد الخلفية التابعة لمليشيا "الدعم السريع" في غرب إثيوبيا، عبر ما لا يقل عن ثماني رحلات نفذتها طائرات "بوينغ 737-800" منذ فبراير 2026.
كما أشار موقع "أوراسيا ريفيو"، في تقرير نشره خلال مارس 2026، إلى أن طائرات الشحن التابعة للخطوط الإثيوبية لم تقتصر مهمتها على نقل الإمدادات العسكرية فقط، بل استخدمت أيضا في نقل قادة من مليشيا "الدعم السريع"، بينهم حمدان دقلو "حميدتي"، إضافة إلى مرتزقة أجانب من جنسيات متعددة، من بينهم روس وأوكرانيون وكولومبيون، في عمليات وصفها التقرير بأنها جرت "بهدوء شديد" وبعيدا عن الأنظار.

ما مصلحة إثيوبيا؟
يتقاطع التصعيد الأخير بين السودان وإثيوبيا مع شبكة معقدة من الأزمات والخلافات الإقليمية المتراكمة، ما يجعل فهمه مستحيلاً بمعزل عن السياقات الجيوسياسية التي تحكم العلاقة بين البلدين منذ سنوات.
فالتوتر الحالي لا يرتبط فقط بالحرب السودانية، بل يمتد إلى ملفات استراتيجية عالقة، في مقدمتها سد النهضة، والنزاعات الحدودية، والتنافس على النفوذ في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
ويُعد ملف سد النهضة أحد أبرز بؤر التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا، خاصة مع تقارب الموقف السوداني تدريجياً مع الرؤية المصرية بشأن مخاطر السد وتداعياته على الأمن المائي.
ففي حين تنظر إثيوبيا بقلق إلى أي تنسيق سوداني مصري في هذا الملف، ترى الخرطوم أن القضية تتجاوز الخلافات الفنية، وتمس بشكل مباشر سلامة منشآتها الحيوية وأمنها القومي، ما جعل السد يتحول إلى ورقة ضغط سياسية وأمنية متبادلة بين الطرفين.
كما تلعب النزاعات الحدودية، خصوصاً في منطقة الفشقة الزراعية الخصبة، دوراً محورياً في تغذية التوترات.
إذ شهدت المنطقة خلال السنوات الماضية مواجهات متقطعة، وهجمات نفذتها مجموعات إثيوبية مسلحة داخل الأراضي السودانية، ما أعاد ملف الحدود إلى واجهة الصراع الإقليمي بين البلدين.
وفي هذا السياق، برز الدور الإماراتي قبل اندلاع الحرب السودانية، عندما طرحت أبوظبي مشروعاً لتحويل منطقة الفشقة إلى منطقة استثمار زراعي مشتركة بين السودان وإثيوبيا، على أن تمول الإمارات المشروع بالكامل. غير أن الخرطوم رفضت المقترح آنذاك، بوصفه يمس سيادتها الضمنية على المنطقة الحدودية الحساسة.
كذلك ألقت تداعيات الحرب في إقليم تيغراي بظلال ثقيلة على العلاقات الثنائية، بعدما عزز السودان وجوده العسكري في بعض المناطق الحدودية، بينما زعمت قوات الدعم السريع مشاركة مقاتلين من تيغراي إلى جانب الجيش السوداني في المعارك ضدها.
وحين نفت الخارجية الإثيوبية اتهامات الخرطوم بشأن دعم مليشيا الدعم السريع، اتهمت السودان بالمقابل بتقديم دعم عسكري ومالي لجبهة تحرير شعب تيغراي، مقدرة أن الأراضي السودانية أصبحت مركزاً لقوى معارضة تستهدف استقرار إثيوبيا.
وهو ما عكس حجم التداخل بين الملفات الأمنية الداخلية والخلافات الإقليمية بين البلدين.
وفي الواقع، لا ينفي البيان الإثيوبي بشكل مباشر اتهامات السودان المتعلقة بدعم مليشيا حميدتي، بل يحاول تبريرها ضمنياً عبر سياسة “الاتهام المضاد”، من خلال استحضار ملف تيغراي والتلويح بملفات أمنية قديمة، بهدف تشتيت الانتباه عن الاتهامات السودانية المدعومة بالأدلة، وخلط الأوراق سياسياً وإعلامياً.
وبدلاً من تقديم رد واضح على الاتهامات المرتبطة باستخدام الأراضي الإثيوبية في إطلاق الطائرات المسيّرة، لجأت أديس أبابا إلى إعادة تدوير اتهامات سابقة تتعلق بمقاتلي تيغراي، في محاولة لابتزاز الخرطوم أمنياً، وتخفيف الضغوط الدولية المتزايدة عليها.
ويرى الخبير السوداني الدكتور ولاء الصادق أن تورط إثيوبيا إلى جانب الإمارات في الحرب السودانية تحكمه جملة من المصالح المتقاطعة، السياسية والاقتصادية والأمنية.
وأوضح، عبر منصة “أكس”، أن الشراكة مع أبوظبي تمنح إثيوبيا متنفساً مهماً في ظل أزماتها الاقتصادية والضغوط الداخلية المتفاقمة، من خلال تدفقات التمويل والاستثمارات والدعم السياسي الخارجي.
كما أن فتح جبهة ضغط جديدة على السودان من الجهة الشرقية يسهم، وفق الصادق، في تشتيت قدرات الجيش السوداني وإرباك عملياته ضد مليشيا الدعم السريع، بما يؤدي إلى إضعاف الدولة السودانية واستنزافها، وهو ما يخدم المصالح الإثيوبية بصورة مباشرة.
والأكثر أهمية من ذلك، أن التقارب مع الإمارات يضع إثيوبيا ضمن محور إقليمي يسعى لإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ويمنح أديس أبابا أوراق نفوذ إضافية في ملفات شديدة الحساسية، مثل سد النهضة ومنطقة الفشقة، عبر إضعاف الموقف التفاوضي السوداني وإبقائه غارقاً في أزماته الداخلية.

كيف يرد السودان؟
يرى محللون سودانيون أن الهدف الأساسي لأبوظبي من التصعيد الأخير لا يقتصر على دعم مليشيا “الدعم السريع”، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إرباك الجيش السوداني وتشتيت أولوياته العسكرية، خصوصاً في ظل التقدم الذي يحرزه في جبهات كردفان ودارفور، والتضييق المتزايد على قوات حميدتي التي تواجه، وفق تقارير عديدة، انشقاقات وخلافات داخلية متصاعدة.
ويعتقد هؤلاء أن فتح جبهة توتر مع إثيوبيا يهدف إلى استدراج الخرطوم نحو نزاع إقليمي أوسع، بما يؤدي إلى استنزاف الجيش السوداني وتحويل تركيزه من حسم المعركة الداخلية إلى مواجهة خارجية معقدة، وهو ما يصب في مصلحة المليشيا والداعمين الإقليميين لها.
وفي هذا السياق، تتعامل الخرطوم مع ملف التدخل الإثيوبي بصفته قضية سيادة وعدواناً عابراً للحدود، لا مجرد حادث أمني معزول.
غير أن محللين يحذرون من أن أي رد عسكري مباشر على إثيوبيا قد يدفع المنطقة إلى حرب حدودية مفتوحة، سيكون المستفيد الأول منها قوات الدعم السريع وحلفاؤها الإقليميون، وهو السيناريو الذي تسعى الإمارات، بحسب تقديراتهم، إلى دفع السودان نحوه.
كما يحذر كتاب ومراقبون سودانيون من خطورة الانزلاق إلى مواجهة تقليدية مع إثيوبيا، نظراً لاختلاف الطبيعة الجغرافية والعسكرية بين البلدين. فإثيوبيا تتمتع بتضاريس جبلية وعرة تمنحها أفضلية دفاعية، في مقابل الامتداد السهلي المفتوح في السودان، ما قد يجعل أي حرب مباشرة مكلفة وطويلة الأمد بالنسبة للخرطوم.
لذلك، تتصاعد الدعوات داخل الأوساط السياسية والإعلامية السودانية إلى التعامل مع الأزمة عبر المسارات القانونية والدبلوماسية الدولية، بدلاً من التورط في مواجهة عسكرية شاملة.
ومن بين الخيارات المطروحة، اللجوء إلى محكمة العدل الدولية عبر رفع دعوى رسمية تتعلق بانتهاك السيادة السودانية والتدخل في الشؤون الداخلية، مع تقديم الأدلة التي تقول الخرطوم إنها تمتلكها، بما يشمل بيانات الرادار، ومسارات الطائرات المسيّرة، وتحليل حطام الطائرات التي جرى إسقاطها.
كما يسعى السودان، وفق مراقبين، إلى توظيف تقارير أممية سابقة تحدثت عن وجود دعم خارجي لقوات الدعم السريع، لإثبات أن ما جرى لا يمثل حادثاً عسكرياً عابراً، بل جزءاً من مخطط إقليمي يستهدف زعزعة استقرار السودان وإطالة أمد الحرب.
ويشمل التحرك السوداني أيضاً تصعيد القضية داخل مجلس الأمن الدولي والاتحاد الإفريقي، إلى جانب تعزيز التنسيق مع مصر، التي تتقاطع مصالحها مع الخرطوم في ملفات حساسة، أبرزها سد النهضة والتوازنات الإقليمية في القرن الإفريقي.
وفي المقابل، لا تستبعد بعض التقديرات أن تلجأ الخرطوم إلى خيارات ضغط غير مباشرة، من بينها توسيع قنوات التواصل مع قوى المعارضة الإثيوبية، كورقة ردع سياسية وأمنية في مواجهة الضغوط القادمة من أديس أبابا.
وبحسب دبلوماسي سوداني تحدث لـ"الاستقلال"، فإن الخرطوم تتحرك حالياً في مسارين متوازيين: الأول دبلوماسي يهدف إلى تدويل الاتهامات وحشد الدعم الإقليمي والدولي، والثاني أمني يقوم على الاحتفاظ بخيارات رد غير مباشر، دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة قد تعقد المشهد أكثر.
وفي هذا الإطار، قال رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، في تصريحات لموقع “ميدل إيست آي” بتاريخ 5 مايو/أيار 2026: “إذا تأكدنا بعد التحقيقات أن الطائرات المسيّرة جاءت من إثيوبيا، فسنتخذ الخطوات اللازمة لحماية الأراضي السودانية والشعب السوداني، بالتنسيق مع المجتمع الدولي”.
كما نقل الموقع عن مصدر استخباراتي سوداني أن الجيش والحكومة يتوقعان تصاعد هذا النوع من الهجمات خلال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار تدهور العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا، وارتفاع احتمالات المواجهة غير المباشرة بين البلدين.
المصادر
- Sudan army says UAE and Ethiopia linked to Khartoum drone attack
- Special Report: Military Assistance to RSF Occurring at ENDF Base in Asosa, Ethiopia
- Sudan's Burhan confronts UAE and Ethiopia over Khartoum airport drone strikes
- السودان يتهم الإمارات وإثيوبيا بضرب مطار الخرطوم بطائرات مسيرة
- نزاعات الحدود وسد النهضة ودعم الحركات المعارضة… أبرز أسباب الخلاف بين السودان وإثيوبيا
- تقارير تكشف خفايا الخطوط الجوية الإثيوبية.. رحلات سرية لميادين الصراع
- New boss of Arab League tries to persuade Abu Dhabi to stay















