قرصنة إسرائيل لـ"أسطول الصمود" في المياه الدولية.. كيف تورطت اليونان؟

هاجمت قوات إسرائيلية مدعومة بقطع بحرية أخرى نحو 20–22 سفينة في البحر
في مسافة تبعد مئات الأميال عن غزة، اعترضت إسرائيل قرب جزيرة كريت اليونانية سفنًا مدنية ضمن “أسطول الصمود” تقل مساعدات وناشطين كانوا يحاولون الوصول إلى القطاع المحاصر بعد تعرضه لسنتين من حرب إبادة إسرائيلية مدمرة.
وبدل أن تتحول العملية إلى أزمة سيادة بين الاتحاد الأوروبي وتل أبيب، انتهت في مسار مختلف: ناشطون يُنقلون إلى موانئ يونانية، ثم إلى مكاتب قنصلية، ثم إلى طائرات العودة.

ماذا حدث؟
انطلق “أسطول الصمود” من مدينة برشلونة الإسبانية في 12 أبريل/نيسان 2026 على متن حوالي 58 إلى 60 سفينة تضم ناشطين من أكثر من 70 دولة.
توقفت بعض السفن في موانئ صقلية الإيطالية ثم عبرت البحر المتوسط باتجاه الشرق، ووصلت مجموعة كبيرة إلى جنوب اليونان بحلول نهاية نفس الشهر.
وفي ليلة 30 أبريل، هاجمت قوات كوماندوز إسرائيلية مدعومة بقطع بحرية أخرى نحو 20–22 سفينة في البحر؛ حيث حطمت المحركات وأتلفت أجهزة الملاحة حسب المنظمين.
وقال الناشطون: إن العملية وقعت على بُعد يزيد عن 600 ميل من غزة، بينما أكدت الحكومة اليونانية أن الاعتراض جرى على بعد نحو 50 ميلًا بحريًا جنوب رأس تاينارون خارج المياه الإقليمية اليونانية.
وتقع هذه المنطقة ضمن المياه الدولية لكنها تدخل في منطقة البحث والإنقاذ اليونانية (SAR)، وهي منطقة مسؤولية إنقاذ لا سيادة؛ إذ لا تملك اليونان حق السيادة أو التحكم في كل ما يجري بتلك المنطقة لكنها ملزمة بتنسيق عمليات الإنقاذ عند الضرورة.
وبعد السيطرة على السفن، أُجبر الناشطون على الصعود إلى سفينة حربية إسرائيلية، ثم في اليوم التالي نقلتهم بحرية قوات الاحتلال إلى سفن خفر السواحل اليونانية التي رست بهم في ميناء أثرينولاكوس بجنوب كريت.
وجرى توثيق وجود 176 شخصًا على متن السفن، نُقل 31 منهم لتلقي الرعاية الطبية، فيما انتقل الباقون إلى مطار هيراكليون لإعادتهم إلى بلدانهم، في حين اعتقلت قوات الاحتلال ناشطين اثنين.
وبقيت نحو 47 سفينة تابعة للأسطول في البحر قبالة جنوب كريت تفكر في التزود ومواصلة طريقها، فيما ظلّ عدد من العناصر غير معروف، بما في ذلك الإحداثيات الدقيقة للعملية، وكيف اختارت البحرية الإسرائيلية السفن المستهدفة.
ووصفت إسرائيل المنظمين بأنهم “محترفو استفزاز”، مؤكدة أنها لن تسمح بخرق حصارها وأن البحرية تصرفت وفق القانون، وفق زعمها.
وبعد الاعتراض كتب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أنّ الناشطين سيُنزلون في اليونان بالتنسيق مع الحكومة اليونانية، وشكر أثينا على تعاونها.
وهذه ليست المرة الأولى خلال العدوان الإسرائيلي المستمر التي تبحر فيها سفن دولية لمحاولة كسر الحصار عن غزة ويجرى اعتراضها من قبل الاحتلال.
فقد اعترض الاحتلال أسطولا ضخما انطلق من ميناء برشلونة الإسباني ومن تونس ودول أخرى خلال سبتمبر/أيلول 2025، وسفينة أخرى قبلها في شهر يوليو/تموز من نفس العام انطلقت من ميناء سيراكوزا الإيطالي.
وقبلها بشهر، استولى الاحتلال في 9 يونيو/حزيران، على السفينة "مادلين" ضمن "أسطول الحرية" من المياه الدولية، بينما كانت في طريقها إلى القطاع المحاصر لنقل مساعدات إنسانية.
وأيضا قبلها سفينة "الضمير" لكسر الحصار عن غزة التي تعرّضت لهجوم بطائرة مسيرة إسرائيلية في الثاني من مايو/ أيار من نفس العام، أثناء محاولتها الإبحار نحو غزة، ما تسبب في ثقب بهيكلها واندلاع حريق في مقدمتها.

مواقف متباينة
وعلى الجانب الأوروبي، برزت مواقف متباينة بشأن القرصنة الأخيرة، فقد اختصر الموقف اليوناني الرسمي القضية في أنها حادثة بالمياه الدولية، وأن أثينا أدّت واجبا إنسانيا وقنصليا.
فيما صدر بيان مشترك من ألمانيا وإيطاليا أعرب عن “قلق بالغ” ودعا إلى احترام القانون الدولي و"ضبط النفس"، لكنه لم يذهب إلى حد إدانة العملية.
فيما كان الموقف الإسباني الأكثر حدة؛ إذ عدّ رئيس الوزراء بيدرو سانشيز اعتراض السفن انتهاكًا للقانون الدولي واستدعت مدريد القائم بالأعمال الإسرائيلي، خاصة بعد اعتقال أحد مواطنيها.
البرازيل التي اعتُقل أحد مواطنيها كذلك، انضمت إلى إسبانيا في بيان مشترك وصف ما جرى بأنه “خطف في المياه الدولية” وطالبت بإعادة المعتقلين. وبدورها، وصفت تركيا العملية بأنها “قرصنة” وعدّت استهداف السفن انتهاكًا للإنسانية.
في المقابل، اكتفى الاتحاد الأوروبي بتحذير الأسطول من مخاطر الملاحة، وحث على إيصال المساعدات عبر القنوات الرسمية، من دون توجيه لوم صريح لإسرائيل.
وأثار هذا الموقف البيروقراطي انتقادات نواب اليسار الأوروبي الذين عدوا العملية “قرصنة دولة” وطالبوا بتعليق الاتفاقات مع إسرائيل.
وقبل الاعتراض، لم تصدر السلطات اليونانية حظرًا على إبحار الأسطول، لكنها حذّرت من مخاطر الملاحة، فقد ذكر الناطق باسم الحكومة بافلوس ماريناكيس أن خفر السواحل اليوناني تلقى نداء استغاثة من سفينة ضمن الأسطول على بعد 60 ميلًا من كريت، لكن القبطان رفض المساعدة.
وادعت الحكومة اليونانية عدم وجود مشاورات مسبقة معها بخصوص عملية الاعتراض، وأكَّدت أن الحادث وقع خارج حدود سلطتها القانونية.
بعد العملية، تبنت أثينا مسارًا قنصليًا، فقد أعلنت وزارة الخارجية اليونانية أنها طلبت من إسرائيل سحب سفنها وعرضت استقبال الركاب لأسباب إنسانية.
نتيجة لذلك نقلت البحرية الإسرائيلية الناشطين إلى ميناء أثرينولاكوس؛ حيث تولى خفر السواحل اليوناني والأجهزة الطبية استقبالهم وجرى نقلهم بحافلات إلى مطار هيراكليون لإعادتهم إلى بلدانهم بالتنسيق مع سفاراتهم.
هذا المسار جعل الأزمة تُعالج إدارياً؛ إذ سلّمت إسرائيل هذا الحمل إلى اليونان، وتولت الأخيرة تخليصه بسرعة من أراضيها. وفي المقابل، اتهم منظمو الأسطول وناشطون الحكومة اليونانية بالتقصير.
وقال العضو اليوناني في البرلمان الأوروبي ونائب رئيس كتلة اليسار كوستاس أرفانيتيس إن إن أي تورط يوناني محتمل في اعتراض الأسطول سيكون "مقلقًا للغاية"، وطالب بالتوضيح والمساءلة.
وأوضح أرفانيتيس أن الحادثة تُشير إلى ما وصفه بفشل أوسع على المستويين الوطني والأوروبي، وحثَّ كتلة بروكسل على اتخاذ خطوات ملموسة، بما في ذلك إعادة تقييم علاقاتها مع إسرائيل، من أجل دعم القانون الدولي واستعادة المصداقية.

تورط يوناني؟
وبرزت اتهامات وتلميحات بتواطؤ أثينا؛ إذ قالت حركة “March to Gaza - Greece” وحزب “اليسار الجديد”: إن الهجوم وقع داخل منطقة البحث والإنقاذ اليونانية، ما يُلزم أثينا بحماية السفن، واتهموها بالتقاعس بل و"التواطؤ".
ورأى البعض في استقبال الناشطين “تبييضًا” لعملية إسرائيلية غير قانونية؛ إذ تحولت كريت إلى مكان ترحيل آمن، بحسب المنظمين.
وتحدث ناشطون عن ضرورة عدم تجاهل ارتباط اليونان وإسرائيل بتعاون عسكري متزايد، ما يجعل قبول أثينا استقبال الناشطين خطوة سياسية تمنح تل أبيب مخرجًا من صدام سياسي مع العواصم الأوروبية.
وقال عضو مجلس إدارة "أسطول الصمود العالمي" في تركيا، بهشتي إسماعيل سونغور: “لم تعد فلسطين قضية تخصّ الشرق الأوسط وحده. إرهاب إسرائيل بات اليوم يطرق حدود أوروبا”.
وأردف خلال مؤتمر صحفي بتركيا: “في العام الماضي (2025)، قصفت قوات الإرهاب الإسرائيلية سفينة الضمير في المياه الدولية، في عمل نفذته على مقربة من أوروبا، واليوم، تقف إسرائيل الإرهابية نفسها خلف الهجوم الذي استهدف أسطول الصمود في وسط البحر المتوسط”.
وتابع: “بعد هجوم شنّته قوات الإرهاب، أُعلن أن السفن بين قبرص وكريت قد احتُجزت. وبالتعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل واليونان، تُرك جميع هؤلاء الأشخاص بشكل غير قانوني في (أثينا)”.
بدورها، قالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز: "يؤسفني قول ذلك، لكن تواطؤ السلطات اليونانية مع الإسرائيليين في عرقلة مهمة إنسانية أمر خاطئ".
وفي كلمة ألقتها خلال فعالية أقيمت في أثينا تضامناً مع الفلسطينيين، حذرت ألبانيز من “أسرلة أوروبا”. مبينا أنه “بدلاً من قطع العلاقات مع إسرائيل، استمرت الدول الأوروبية في التجارة معها لحمايتها وتسليحها وبيع الأسلحة لها وشراء أدوات التجسس منها”.
وأثناء ترجمته خطاب ألبانيز من الإنجليزية إلى اليونانية، علّق وزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس قائلاً: "أنتم في البلد الذي يُجسّد أكبر مثال على أسرلة المجتمعات. لقد أصبحت هذه الدولة إسرائيلية أكثر من أي دولة أخرى في أوروبا".
وأردف أن حكومة بلاده إما "متواطئة" أو "عاجزة عن الدفاع عن بحارنا"، وذلك في سياق حديثه عن قرصنة إسرائيل للأسطول قبالة كريت.
وذهبت منظمات حقوقية مثل OMCT إلى تحميل أثينا مسؤولية التحرك دبلوماسيًا وقانونيًا، بتقدير أن الحادث وقع داخل منطقة مسؤولية البحث والإنقاذ اليونانية.
وقالت صحيفة لوموند الفرنسية: إن الواقعة أثارت أسئلة عن السيادة والقانون الدولي، مشيرة إلى تصاعد الانتقادات داحل اليونان بفعل التساهل والامتثال لإسرائيل والتأخر في إنقاذ العالقين الذي طلبوا المساعدة رغم إرسال نداءات استغاثة.
وبدورها، ذهبت صحيفة Avgi اليونانية القريبة من اليسار إلى أبعد من ذلك، مبينة أن “إسرائيل فضحت الحكومة اليونانية بتأكيد التنسيق مع أثينا”.
وكتبت الصحيفة أن الحكومة سارعت إلى الحديث عن "مياه دولية" وأن خفر السواحل لا يملك التدخل إلا للبحث والإنقاذ، رغم اتهامات ناشطين بأنهم طلبوا المساعدة ولم يحصلوا عليها.
وفي تقرير آخر، قالت Avgi إن وزارة الخارجية اليونانية "تذكرت بعد ساعات" أن تطلب من إسرائيل سحب سفنها بعد العملية داخل منطقة البحث والإنقاذ التابعة لأثينا.
بدورها، نشرت صحيفة Efsyn اليونانية اليسارية، موجة ردود على العملية ووصفتها بأنها "قرصنة إسرائيلية" قبالة كريت، كما نقلت اتهامات بأن الحكومة اليونانية "مسؤولة ومتواطئة".
المصادر
- Possible Greek involvement in Sumud flotilla interception ‘deeply troubling’: Greek lawmaker
- UN special rapporteur warns against ‘Israelization’ of Europe
- Greek government faces criticism after Israeli attack on Gaza humanitarian flotilla
- Global Sumud Flotilla: Raid by Israeli forces on a humanitarian mission off Crete
- Θύελλα αντιδράσεων για την ισραηλινή «πειρατεία» στον στολίσκο ανοιχτά της Κρήτης: «Να απαντήσει καθαρά η κυβέρνηση»
- Global Sumud Flotilla / Το Ισραήλ «καρφώνει» την κυβέρνηση - Επιβεβαίωση για συντονισμό με την Αθήνα

















