إسقاط الجنسية الجماعي في البحرين.. حماية للأمن أم توسيع لدوائر العقاب؟

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ذروة تصاعد التوتر الإقليمي المرتبط بالحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أعلنت وزارة الداخلية البحرينية، في 27 أبريل/نيسان 2026، قرارًا بسحب الجنسية من 69 شخصًا، مع شمول القرار أفراد عائلاتهم بالتبعية.

وجاء ذلك على خلفية ما وصفته السلطات بـ"التعاطف مع الأعمال العدائية الإيرانية" أو "التخابر مع جهات خارجية".

القرار الذي صدر بتوجيهات ملكية ونُفّذ بشكل حكومي مباشر، لم يكن مجرد خطوة أمنية مرتبطة بظرف طارئ، بل أعاد إلى الواجهة ملفًا قديمًا ظل مثار جدل حقوقي واسع خلال العقد الأخير، يتعلق باستخدام إسقاط الجنسية البحرينية كأداة قانونية تتجاوز حدودها التقليدية.

المادة العاشرة

بحسب ما نقلته وكالة "رويترز" البريطانية وتقارير صحفية متطابقة، جاء القرار في إطار ما تعده المنامة إجراءات لحماية الأمن الوطني، خاصة بعد تعرض البحرين، إلى جانب دول خليجية أخرى، لهجمات إيرانية ضمن ردود الفعل على الضربات الجوية التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026.

وأكدت السلطات أن جميع المشمولين بالقرار من أصول غير بحرينية، في إشارة إلى أنهم حصلوا على الجنسية لاحقًا أو ينحدرون من عائلات مُجنّسة، وهو توصيف يحمل في طياته دلالات سياسية وقانونية تتجاوز كونه توصيفًا إداريًا بحتًا.

أما المرجعية القانونية التي استند إليها القرار، فتتمثل في المادة العاشرة من قانون الجنسية البحرينية، وتحديدًا الفقرة التي تجيز إسقاط الجنسية عن أي شخص يتسبب في الإضرار بمصالح المملكة أو يتصرف بما يناقض واجب الولاء لها.

ورغم أن هذه المادة قائمة منذ عقود، فإنها اكتسبت خلال السنوات الأخيرة حضورًا متزايدًا في القرارات التنفيذية، ما جعلها محور انتقادات حقوقية متكررة؛ إذ ترى منظمات دولية، مثل "منظمة العفو الدولية"، أن صياغتها العامة تتيح تفسيرات واسعة قد تشمل أفعالًا لا ترقى إلى مستوى التهديد الأمني المباشر.

غير أنه لا يمكن قراءة القرار الحالي بمعزل عن سياقه التاريخي؛ إذ تكشف مراجعة سجلات السنوات الماضية أن البحرين لجأت إلى إسقاط الجنسية بشكل متكرر منذ عام 2012، في تحول واضح عن الطابع الاستثنائي الذي كان يميز هذا الإجراء.

ففي ذلك العام، سُحبت الجنسية من 31 شخصًا في قرار مفاجئ آنذاك، تلاه في عام 2014 سحب جنسية 12 شخصًا، ثم تصاعد الرقم بشكل لافت في 2015 ليشمل 128 شخصًا، في واحدة من أكبر موجات إسقاط الجنسية في تاريخ البلاد الحديث، وفق ما وثقته تقارير حقوقية دولية.

هذا المسار التصاعدي لم يكن مجرد تطور عددي، بل عكس تحولًا في طبيعة الفئات المستهدفة.

فبينما كان يُفترض، بحسب موقع "ميدل إيست آي" البريطاني في 27 أبريل/نيسان 2026، أن يقتصر استخدام هذا الإجراء على حالات قصوى مرتبطة بالأمن القومي، أظهرت الوقائع أن القرارات شملت نشطاء سياسيين، ورجال دين، ومدافعين عن حقوق الإنسان.

وهو ما دفع منظمات، مثل "منظمة العفو الدولية"، إلى اتهام السلطات باستخدام سحب الجنسية كأداة لمعاقبة المعارضة، مقدرة أن القانون يُطبّق بطريقة تتجاوز أهدافه الأصلية.

وفي تقارير لاحقة، أشارت "هيومن رايتس ووتش" إلى أن البحرين وسّعت بشكل ملحوظ استخدام إسقاط الجنسية منذ عام 2012، مقدرة أن هذه الممارسة تمثل انتهاكًا للحق في الجنسية، خاصة عندما تؤدي إلى انعدامها، وهو ما يخالف مبادئ القانون الدولي.

ووفقًا لتقديرات صادرة عن معهد البحرين للحقوق والديمقراطية، بلغ عدد من سُحبت جنسياتهم خلال السنوات الماضية مئات الحالات، قبل أن تُعاد الجنسية إلى عدد منهم في قرارات لاحقة، ما يعكس طبيعة متغيرة وغير مستقرة لهذا الملف.

الإسقاط بالتبعية

يعيد القرار الأخير تسليط الضوء على واحدة من أكثر النقاط إثارةً للجدل، وهي مسألة الإسقاط بالتبعية؛ حيث يمتد أثر القرار ليشمل أفراد العائلة، وليس الشخص المعني فقط.

هذا الامتداد يثير إشكالات قانونية عميقة؛ إذ يُعدّ في القانون الدولي شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، وهو ما يتعارض مع مبدأ فردية المسؤولية.

فحرمان الأطفال أو الزوجات من الجنسية نتيجة قرار يستهدف فردًا واحدًا يضع هؤلاء في دائرة العقاب رغم عدم تورطهم في أي فعل، ويؤدي إلى آثار مباشرة على حقوقهم الأساسية.

وتتجلى خطورة هذه الإجراءات بشكل أكبر عندما تقود إلى انعدام الجنسية، وهي الحالة التي يصبح فيها الفرد بلا أي انتماء قانوني لدولة.

هذا الوضع، بحسب "المفوضية السامية لشؤون اللاجئين"، يحرم الإنسان من حقوق أساسية مثل التعليم، والرعاية الصحية، والعمل، والتنقل، ويجعله في وضع قانوني هش قد يمتد لسنوات طويلة.

وقد وثّقت تقارير حقوقية حالات في البحرين لأشخاص فقدوا جنسيتهم دون أن يتمكنوا من الحصول على جنسية أخرى، ما وضعهم في حالة أقرب إلى الفراغ القانوني.

ولم يقتصر ملف إسقاط الجنسية في البحرين على أرقام مجردة، بل ارتبط بأسماء وعائلات تحوّلت إلى رموز في هذا الجدل الممتد منذ أكثر من عقد.

فمنذ قرار عام 2012، برزت أسماء مثل جواد فيروز وجلال فيروز، النائبين السابقين عن جمعية الوفاق، إلى جانب حسين عبد الشهيد حبيل، المدير التنفيذي لمنظمة "أميركيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين".

كما ورد اسم علي مشيمع، نجل المعارض حسن مشيمع، ضمن قائمة عدت أول موجة واسعة استهدفت شخصيات سياسية وحقوقية.

ثم تصاعدت وتيرة القرارات في عام 2015 لتشمل عشرات الأسماء، من بينهم نشطاء وصحفيون وأطباء، إضافة إلى أحكام جماعية نالت عشرات المتهمين في مناطق مثل بني جمرة، قبل أن تبلغ ذروتها في محاكمات عامي 2018 و2019، حين أُسقطت الجنسية عن 115 شخصًا، ثم 138 آخرين، في قضايا وصفتها منظمات حقوقية بأنها جماعية وتفتقر إلى معايير العدالة.

وبين هذه المحطات، ظل اسم المرجع الشيعي عيسى قاسم الذي سُحبت جنسيته في عام 2016، الأبرز والأكثر إثارةً للجدل، بوصفه رمزًا دينيًا وسياسيًا بارزًا.

تهمة التعاطف

اللافت في القرار الجديد أيضًا هو توسيع نطاق الاتهامات ليشمل “التعاطف مع جهة معادية”، وهو توصيف يثير تساؤلات حقوقية حول حدود حرية التعبير.

فبينما يُعدّ التخابر جريمة واضحة في القوانين الجنائية، فإن إدراج “التعاطف” ضمن مبررات إسقاط الجنسية يفتح الباب أمام تفسيرات واسعة قد تشمل آراء أو مواقف سياسية، وهو ما حذّر منه حقوقيون اعتبروا أن مثل هذه الصياغات قد تُستخدم لتجريم التعبير السلمي.

وفي حديث لـ"الاستقلال"، قال المحامي الحقوقي مصطفى عز الدين فؤاد: إن الحق في حماية الأمن القومي، رغم كونه من صميم سيادة الدولة، لا يمكن التعامل معه بوصفه حقًا مطلقًا خارج أي قيود قانونية. مشددًا على أن المعايير الدولية تفرض بوضوح ضرورة التناسب وعدم التعسف، خاصة عندما يتعلق الأمر بحقوق أساسية مثل الحق في الجنسية.

وأوضح أن البحرين، بصفتها طرفًا في اتفاقيات دولية، من بينها اتفاقية حقوق الطفل، ملزمة بعدم حرمان الأفراد، خصوصًا الأطفال، من جنسيتهم بشكل تعسفي، وهو ما يجعل القرارات ذات الطابع الجماعي التي تمتد آثارها إلى العائلات، محل تدقيق ومساءلة على المستوى الدولي.

وأضاف فؤاد أن توصيف المستهدفين في القرار الأخير بأنهم من أصول غير بحرينية يفتح الباب أمام تساؤلات حساسة تتجاوز البعد القانوني لتصل إلى أبعاد ديمغرافية وسياسية أعمق، لافتًا إلى أن التمييز بين الأصل والتجنيس، في مجتمع تتداخل فيه الهويات والانتماءات، قد يعكس توجهًا ضمنيًا لإعادة تعريف مفهوم المواطنة، وليس مجرد تنظيمه قانونيًا.

وأشار إلى أن مثل هذا التصنيف، في سياق قرارات تمس جوهر الانتماء القانوني، قد يحمل انعكاسات اجتماعية تتجاوز الأفراد المستهدفين إلى بنية المجتمع ككل.

وفي قراءته للقرار، رأى فؤاد أن تبرير إسقاط الجنسية بمواجهة ما تصفه السلطات بـ"الخلايا الناعمة" يثير إشكالية أخرى تتعلق باتساع مفهوم التهديد؛ إذ إن إدراج أفعال مثل “التعاطف” ضمن مبررات إسقاط الجنسية قد يفتح المجال أمام تفسيرات واسعة تمس حرية التعبير.

وهو ما قد يؤدي، بحسب تعبيره، إلى نتائج عكسية، من بينها تعميق الانقسامات الداخلية وزيادة الانتقادات الدولية، خاصة في ظل تنامي الاهتمام العالمي بقضايا انعدام الجنسية وتداعياتها الإنسانية.

وختم فؤاد تصريحه بالتأكيد على أن قرار إسقاط الجنسية الأخير يعكس تعقيدًا متزايدًا في العلاقة بين الدولة والمواطنة، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على تطبيق نصوص قانونية، بل بات يتعلق بإعادة رسم حدود الانتماء ذاته، محذرًا من أن الكلفة الإنسانية لهذه السياسات، خصوصًا على مستوى الأسر والأطفال، قد تكون باهظة وطويلة الأمد، في ظل التوتر القائم بين تقديرات الأمن ومتطلبات احترام الحقوق الأساسية.