وزير العدل يثير غضب المغاربة بانتقاده نصا قرآنيا عن المرأة.. ما القصة؟

عالي عبداتي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

ما يزال وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي يثير جدلا واسعا بسبب تصريحاته التي تستهدف المبادئ الإسلامية، والتي بدورها تواجه بانتقادات حادة من أطراف مجتمعية عديدة.

وفي أحدث تصريحاته، انتقد وهبي مبدأ معادلة شهادة امرأتين بشهادة رجل، واصفا هذا التصور بأنه "ينتمي إلى منطق القرون الوسطى".

وجاءت هذه التصريحات خلال لقاء جمعه في 22 أبريل/نيسان 2026 برئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان أمينة بوعياش، خُصص لمناقشة موضوع مكافحة الاتجار بالبشر.

Capture d’écran 2026-04-26 151735.png

ويأتي هذا الموقف في سياق قانوني يستند فيه المغرب، ضمن مقتضيات مدونة الأسرة، إلى أحكام مستمدة من الشريعة الإسلامية.

ويُذكر أن القرآن الكريم ورد فيه في سورة البقرة: "واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى…".

وفي هذا الإطار، رأى وهبي أنه "لا يمكن القول إن رجلا واحدا يعادل امرأتين" في الشهادة، مضيفا أن عدم السماح لامرأة واحدة بالإدلاء بشهادتها في بعض العقود قد يفتح الباب للطعن فيها قضائيا، خصوصا إذا كانت القاضية امرأة وقد تصدر حكما ببطلان تلك العقود من الأساس.

مخالفة للشرع

تصريح وهبي جر عليه انتقادات واسعة من لدن عدد من المتفاعلين، خاصة من العلماء والمفكرين. وفي هذا الصدد، رأى أستاذ الشريعة الإسلامية رشيد بن كيران،  أن تصريح وزير العدل يصادم نصا قرآنيا محكما، ويعيد تقديمه وكأنه نقص وعيب ينبغي تجاوزه.

وأضاف بن كيران في تدوينة نشرها عبر حسابه على فيسبوك في 23 أبريل، إذ يرى الوزير أن النص لا يساير العصر، ولا يليق بمن ينظم كأس العالم.

واسترسل: "أي جرأة هذه على كلام الله؟ أليس هذا نصا قرآنيا محكما قطعي الثبوت والدلالة، فمن كان مسلما حقا لا يسعه إلا أن يقول فيه (سمعنا وأطعنا)؟ أليس الاعتراض على مثل هذا الحكم الرباني ضربا من ضروب تحليل الحرام وتحريم الحلال، وتحريفا لكلام الله، وإيقادا لنار الفتنة؟".

وأردف بن كيران: "أليس بمنطق الوزير ذاته يصبح قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ} غير لائق بمن يستضيف كأس العالم؟"، وخلص مخاطبا الوزير: “هل كان ربك نسيا حين جعل شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل؟”

من جانبه، رأى رئيس رابطة علماء المغرب، الحسن بن علي الكتاني، أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي بالغ في الاستهانة بشرع الله بل بكتاب الله تعالى.

وأضاف الكتاني في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك في 24 أبريل، "اللهم إن هذا منكر عظيم لا نرضاه ولا نقبله بل لا يرضاه ولا يقبله جميع المغاربة".

كذلك نشر حساب "المغربي الأمين" على فيسبوك تعليقا على التصريح قائلا فيه: 'لنكن دقيقين هنا، فهذه المسألة خطيرة ولا تقبل التأويل. لأن الاستهزاء بالدين هو السخرية منه أو الانتقاص من أحكامه أو السخرية بشيء جاء به النبي. فماذا يفعل من يصف حكما قرآنيا بأنه ينتمي إلى "القرون الوسطى"؟"

وأضاف الحساب المتخصص في الشأن المغربي: "إما أنه يجهل أن مصدره هو الله ورسوله، وهذا جهل واضح. وإما أنه يعلم ذلك ويصر على وصفه بالرجعية، وهذا استهزاء صريح بأحكام الله".

في السياق، تساءل الحساب عن سبب صمت المجلس العلمي الأعلى والرابطة المحمدية للعلماء، وإن كان صمتهم هذا تشجيع على المزيد من التعدي.

وخلص إلى أن ما يحدث الآن هو خذلان للدين قبل الوطن، مشددا أن من لا يغضب لحرمات الله وهو يراقب هدمها باسم "مواكبة العصر"، فليس من الدين في شيء.

تراكم مخز

كذلك رأى موقع "هوية بريس" المحلي في تحليل نشره في 24 أبريل، أن ما ورد على لسان وهبي ليس بجديد، مقدرة أن الجديد في خرجاته الأخيرة هو إصراره اللافت على تحويل نقاشات فقهية مؤطرة داخل المرجعية الإسلامية إلى مادة للسجال السياسوي الشعبوي.

وأضاف الموقع، حيث "تُقدَّم فيها أحكام شرعية قطعية وكأنها بقايا "العصور الوسطى" يجب التخلص منها".

واسترسل: "لا يمكن قراءة ما جاء على لسان وهبي كزلة لسان عابرة، بل هو امتداد لخطاب متكرر يتبناه الوزير منذ سنوات، يحاول من خلاله فرض قناعات شاذة على المجتمع".

وذكر المصدر ذاته أن المشكلة في هذا الخطاب، تكمن في الجرأة على المقدس، ووصف حكم ورد في القرآن الكريم نصا بأنه متخلف زمنيا.

وأردف، كما أن الوزير يقتحم كل هذا بلغة استفزازية متجاهلا أن المغرب، دستورا ومؤسسات، ينص على أن الشريعة الإسلامية أحد روافد التشريع، وأن مدونة الأسرة المغربية نفسها قامت على توازن دقيق بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات العصر.

الأخطر من ذلك، يقول الموقع، أن هذه التصريحات لا تأتي في فراغ، بل ضمن سلسلة من المواقف التي صنعت حول وهبي صورة السياسي الذي لا يتردد في الاصطدام مع الدين وثوابت المجتمع.

وشدد على أن التراكم في زلات وهبي يجعل من الصعب التعامل مع تصريحاته الأخيرة بصفتها مجرد رأي شخصي، بل هي جزء من توجه يروم إعادة صياغة النقاش العمومي بطريقة تتجاوز الحساسية الدينية للمجتمع المغربي، بل وتتجاهلها أيضا.

وسبق أن صرح وهبي في مايو/أيار 2023 بأنه والحزب الذي ينتمي إليه، حزب الأصالة والمعاصرة، "جاؤوا لتغيير تاريخ الأمة المغربية".

وفي يوليو/تموز 2023 قال وزير العدل، عبد اللطيف وهبي: إن المثليين (الشواذ) أصبحوا قوة سياسية واقتصادية ضاربة، ويتحكمون في زمام الأمور، مشددا أنه من الصعب الوقوف في وجههم.

كما جر وهبي الانتقادات على نفسه بتهديد الفنادق التي تطلب شهادة الزواج لتمكين رجل وامرأة من أخذ غرفة مشتركة، مؤكدا في تصريح أدلى به في مايو 2024، أن هذا الطلب مخالف للقانون.

في المقابل أكد قانونيون أن ما جاء به هو المخالف للقانون، ذلك أن السماح لرجل وامرأة بغرفة مشتركة دون عقد زواج يجعل صاحب الفندق في مواجهة مباشرة مع القانون الجنائي، بتهمة المساعدة على الفساد أو إعداد وكر للدعارة.

Capture d’écran 2026-04-26 155714.png

العدل أساس الملك

أمام تفاعلات الحدث، قال كاتب الدولة السابق المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي خالد الصمدي: إن طعن وزير العدل في نص قرآني قطعي يتعلق بشهادة المرأة، ورد في أطول آية في القرآن الكريم هي آية الدين من سورة البقرة، تحمل فهما سقيما ومعزولا لنظام الشهادة والإشهاد في الإسلام.

وذكر الصمدي لـ "الاستقلال"، أن هذا النظام يُشكل منظومة متكاملة لحفظ الحقوق كما بسطها العلماء بمختلف حالاتها ودواعيها والحكم منها.

وشدد على أنه لا يمكن أن يفهم هذا الطعن وهذه الزلة الجديدة من وهبي إلا في إطار رد فعل غاضب كان ينتظر الفرصة المواتية، على قرار نزع ملف إصلاح مدونة الأسرة من يده ووضعه في يد لجنة من العقلاء من الفقهاء وعلماء الاجتماع والخبراء، كما طالب بذلك عدد من الحكماء.

واسترسل، "ومن هنا نفهم أهمية التقليد الراسخ في تاريخ الأمة المغربية حيث لم يكن يتولى فيها وزارة  العدل إلا عالم فقيه أو سليل أسرة فقهية عالمة، حتى لا يأتي بالعجائب والغرائب، وعملا بقاعدة العدل أساس الملك".

ولفهم الوصف الذي قال به وزير العدل، يردف الصمدي، يجب أن نتذكر أن البعض إن أراد أن يعطي مثالا عن أفكار وتصورات وتصرفات متخلفة ينسبها بوعي أو بغير وعي إلى القرون الوسطى.

واسترسل، ومعلوم أن هذه القرون هي عصور الأنوار في الحضارة الإسلامية، وعلى امتدادها تأسست وظهرت عواصم العلم في العالم الإسلامي وسطعت أنوارها في فاس القرويين ودار الحكمة ببغداد وجامع وجامعة قرطبة بالأندلس وزيتونة القيروان وجامعة الأزهر بقاهرة المعز..

وتابع "وهي عصر ظهور كبار الفلاسفة في العالم الإسلامي كالفارابي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون، وعصر ازدهار الرياضيات والكيمياء والجراحة والبصريات على يد الخوارزمي والزهراوي وابن النفيس، عصر رقي الحضارة الإسلامية وسيادتها وريادتها..".

وشدد الخبير التربوي أن تلك المرحلة هي في نفس الوقت عصور التخلف والظلام والحروب وهلاك ملايين الناس بالأوبئة والأمراض في العالم الأوروبي.

وأضاف الصمدي، لذلك ساد لدى بعض الأوروبيين الطعن في هذه المرحلة والتخويف والتحذير منها، خشية عودة المسلمين إلى هذا العصر بعد تراجعهم الحضاري من جهة، ولذكرياتهم السيئة عن هذه المرحلة بأوروبا التي كانت تعيش فيها عصورها المظلمة قبل عصر النهضة.

في هذا السياق، يقول الصمدي، نفهم سقوط بعض المستلبين من بيننا اليوم في الفخ، والذين أخذوا يستخدمون هذا المفهوم (القرون الوسطى في العالم الإسلامي) بدون وعي مقرونا بالتخلف والجمود، وهم ليسوا في ذلك إلا ببغاوات يقولون ما لا يفهمون، ويهرفون بما لا يعرفون، إما تحت ضغط استلاب إيديولوجي مقيت أو جهل مركب.

وخلص للقول: "أما نحن والعالم المتحضر فنعتز بالقرون الوسطى في العالم الإسلامي، ونتوق إلى الرجوع إليها، إنقاذا لهذا العالم من جنون العلو والاستكبار وانهيار القيم".