عُمان تمشي على الحبل المشدود.. توازن دقيق بين واشنطن وطهران وسط تصاعد الحرب

"التهديد الأكبر في المضيق هو تصعيد أوسع بين إيران وخصومها، الأمر الذي قد يُخلّ بالتوازن الدقيق لعمان"
رغم استهدافها، تعد مسقط هي العاصمة الخليجية الوحيدة التي حافظت على علاقات ودية مع طهران طوال فترة الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.
وتفاعلا مع هذا الأمر، تقول مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية، في تقرير لها، إن عُمان تمشي على حبل مشدود مع إيران عبر مضيق هرمز.
وتشير إلى أن الولايات المتحدة بدأت حصارها للموانئ الإيرانية عقب فشل مفاوضات باكستان مباشرة؛ حيث إن الآمال في التوصل إلى حل تفاوضي للحرب الدائرة في إيران منذ ستة أسابيع بدأت تتلاشى.

أخطار جسيمة
وأضافت المجلة: "بالنسبة لجيران إيران العرب في الخليج العربي، تُشكل مخاطر عودة العداء الشامل بين التحالف الأميركي-الإسرائيلي، وإيران خطرا جسيما".
وقد شمل رد إيران على عملية "الغضب الملحمي" هجمات سريعة على دول مجلس التعاون الخليجي المتحالفة مع الولايات المتحدة، والتي خفّت حدتها لكنها لم تتوقف تماما بعد دخول وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه باكستان حيز التنفيذ.
وأنهت الهجمات الإيرانية سريعا حالة الهدنة الهشة بين طهران والعديد من ممالك الخليج.
ومع ذلك، تفاوتت حدة هجمات طهران بين دول مجلس التعاون، مما يُشير إلى أن مسار سياسات دول الخليج تجاه إيران في المستقبل لن يكون موحدا، وفق التقرير.
ومن ضمن دول المجلس، حافظت عُمان باستمرار على علاقة طبيعية، إن لم تكن مميزة، مع طهران. وتشير عدة مؤشرات إلى أن هذا الموقف الفريد سيستمر.
ومنذ بدء الحرب، أفادت التقارير بأن إيران أطلقت طائرات مسيرة على مدن الدقم وصلالة وصحار الساحلية العُمانية. ومع ذلك، ورغم إعلانها مسؤوليتها عن الضربات على جميع دول مجلس التعاون الأخرى، فقد رفضت ذلك في حالة عُمان. فقد نفى المرشد الأعلى مجتبى خامنئي تورط طهران في الهجمات، ونسبها إلى إسرائيل.
وعلى عكس نظرائها في دول الخليج الأخرى، امتنعت وزارة الخارجية العمانية عن ذكر اسم إيران في بياناتها الرسمية ردا على هجمات الطائرات المسيرة.
ومن حيث الخسائر المادية والبشرية، كانت الخسائر العمانية أقل بكثير من جيرانها في الخليج، لا سيما الإمارات، جراء الهجمات الإيرانية الأخيرة.
فلم تسقط أي صواريخ على الأراضي العمانية، وتبقى مسقط العاصمة الوحيدة لدول مجلس التعاون التي نجت من هجمات طهران طوال فترة الحرب.
وكانت عُمان أيضا الدولة الوحيدة في المجلس التي أعربت عن "أسفها العميق" ردا على قرار واشنطن وتل أبيب شن حرب على إيران في 28 فبراير/شباط، والذي وصفته مسقط بأنه "انتهاك للقانون الدولي".
علاوة على ذلك، نشر وزير الخارجية العماني مقالا في مجلة "الإيكونوميست" أدان فيه هجمات إيران على دول مجلس التعاون ووصفها بأنها "غير مقبولة".
لكنه في الوقت نفسه أوضح أن هذا الرد "ربما كان الخيار العقلاني الوحيد المتاح للقيادة الإيرانية"؛ نظرا لأن طهران "تواجه ما وصفته كل من إسرائيل والولايات المتحدة بحرب تهدف إلى القضاء على الجمهورية الإسلامية".
كما أن عُمان كانت الدولة الوحيدة في مجلس التعاون التي لم تتأثر بالعمليات العسكرية الإيرانية بعد "وقف إطلاق النار" الذي توسطت فيه باكستان ودخل حيز التنفيذ في 7-8 أبريل/نيسان.
وقالت المجلة: "تتمتع عُمان بموقع فريد يؤهلها للبقاء العضو الأكثر ودا لإيران في مجلس التعاون. ورغم أن بعض الممالك العربية الخليجية الأخرى، كالإمارات، قد تنظر بعين الريبة إلى علاقة عُمان بإيران، فإن مسقط ستعمل على الحفاظ على مبدأ سياستها الخارجية القائم على "صديق للجميع، عدو لا أحد".
بدوره، قال مهران كامرافا، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورجتاون في قطر: "كما فعلت سابقا، سيتعين على عُمان تنسيق علاقاتها مع إيران وموازنتها مع علاقاتها مع دول مجلس التعاون الأخرى".
وتابع: "إن ميل عُمان إلى السياسة الخارجية المستقلة معروفٌ جيدا داخل مجلس التعاون، وإن لم يكن دائما موضع ترحيب".

جسر دبلوماسي
وقالت المجلة: "بعيدا عن كونها متفرجا سلبيا، انتهجت عُمان طويلا سياسة "الحياد الفعال"، مستخدمةً شراكتها الوثيقة مع الولايات المتحدة وعلاقاتها الودية مع إيران لتكون بمثابة جسر دبلوماسي موثوق وفعال".
وكان لتيسير عُمان للمحادثات السرية في نهاية الولاية الأولى للرئيس باراك أوباما دورٌ حاسم في التفاوض على الاتفاق النووي التاريخي لعام 2015.
وإلى جانب العلاقات الأميركية-الإيرانية، عملت عُمان أيضا على تخفيف حدة التوترات الإقليمية، حيث لعبت دورا محوريا، على سبيل المثال، في المساعدة على تحقيق عودة العلاقات السعودية-الإيرانية إلى طبيعتها عام 2023.
وقال جوزيف كيشيشيان، الباحث البارز في مركز الملك فيصل بالرياض ومؤلف كتاب "عُمان والعالم: بزوغ سياسة خارجية مستقلة": "لطالما افتخر المسؤولون العمانيون ببراغماتيتهم المفرطة" في قراراتهم المتعلقة بالسياسة الخارجية.
ويرى كيشيشيان أن مسقط ستحافظ على علاقاتها مع طهران، بل وستعززها، مع استمرارها في "لعب دور حاسم في التوفيق بين المواقف المختلفة بين الأطراف المتحاربة".
ومع ذلك، يتوقع كيشيشيان بعض التغييرات المحتملة في ديناميكيات دور مسقط كوسيط. مضيفا أن "قيام باكستان بدور الوسيط حاليا يُبرز بشكل أكبر أن السلطان هيثم [بن طارق] ربما يكون قد قرر الحفاظ على مسافة معينة، على الأقل في الوقت الراهن".

إدارة المضيق
تقع أراضي عُمان وإيران على جانبي مضيق هرمز، وهو الممر المائي الضيق الذي يفصل بين الخليج العربي وخليج عُمان، والذي يمر عبره 20 بالمئة من نفط وغاز العالم في الظروف العادية.
ولطالما شكلت المصالح المشتركة في الحفاظ على الأمن عبر هذا الممر الحيوي حافزا إضافيا لمسقط وطهران لتعزيز علاقاتهما التعاونية.
وبحسب التقرير، كان الترابط الجغرافي بينهما أحد العوامل العديدة التي دفعت الشاه محمد رضا بهلوي والسلطان قابوس بن سعيد إلى العمل معا بشكل وثيق في قضايا الأمن الإقليمي قبل قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.
ولعقود طويلة، حافظت عُمان وإيران على آليات تعاون لضمان التنسيق البحري، والسلامة البحرية، بما في ذلك عمليات البحث والإنقاذ، والتواصل السري، حتى في ظل فترات تصاعد التوترات الإقليمية.
ويحذر مهران هاغيريان، مدير المبادرات الإقليمية في مؤسسة "بورس آند بازار"، من افتراض أن هذا التعاون "قد يتطور إلى شكل من أشكال الاتفاق المشترك بشأن المرور"، الأمر الذي من شأنه أن يعرض علاقات السلطنة مع الدول العربية الأخرى وجزء كبير من المجتمع الدولي للخطر.
وصرح أنه "لا ينبغي الخلط بين انخراطها مع إيران وبين تأييدها لأفعالها".
وقالت المجلة: "لطالما انتاب عُمان قلق بالغ إزاء تداعيات حرب محتملة بين التحالف الأميركي-الإسرائيلي وإيران للسيطرة على المضيق؛ لأن هذا السيناريو من المرجح أن يُحدث آثارا خطيرة تمتد إلى شبه جزيرة مسندم، الواقعة على الجانب الجنوبي من المضيق".
وأكد التقرير أنه "عمليا، لا تستطيع إيران ولا عُمان تأمين المضيق بمفردهما، مما يجعل التنسيق والتعاون الثنائي المستمر أمرا بالغ الأهمية".
وهذا يعني أن التعاون العُماني-الإيراني في المضيق "من المرجح أن يبقى قائما، بل ويتعمق تدريجيا"، وفقا لسالم بن ناصر الإسماعيلي، المستشار السابق في وزارة الخارجية العُمانية.
وأكدت المجلة أن فكرة احتفاظ طهران بالسيطرة الفعلية على المضيق تثير تساؤلات حساسة بشأن الأمن القومي العماني.
وقال الإسماعيلي: "قد يؤدي تصاعد الحزم الإيراني إلى زيادة الوجود البحري الغربي/الخليجي، مما سيرفع من مخاطر سوء التقدير قرب المياه العمانية".
وأوضح أن سيطرة إيران على المضيق لن تفيد عمان في نهاية المطاف، بل إن مصلحة مسقط تكمن في "إدارة مشتركة ومنتظمة للمضيق".
وأشار هاغيريان إلى أن "سيطرة" إيران الحالية على المضيق تتطلب فهما دقيقا لسياقها. فالتهديدات للسفن والحديث عن نظام رسوم جديد هي إجراءات مؤقتة مرتبطة بالنزاع الدائر، ولا تعكس ترتيبا سلميا مستداما".
وقال هاغيريان: "إذا انتقلت إيران من مجرد الإشارة إلى فرض القانون من خلال استهداف السفن غير الملتزمة، أو زرع المزيد من الألغام، أو فرض رسوم بقيمة مليوني دولار مدعومة بالقوة، فلن تقبل عمان بذلك، ولن يتسامح معه المجتمع الدولي أو المنطقة دون تصعيد".
وأشار إلى أن هدف عُمان على المدى القريب سيكون تقليل الاضطرابات في المضيق والانخراط في حوار مع إيران بهدف إيجاد حل طويل الأمد. مضيفا أن "أي شيء آخر يُنذر بتحويل هذا الأمر إلى مواجهة أوسع نطاقا".
وفي نهاية المطاف، من المرجح، وفق المجلة، أن يستمر التعاون العُماني-الإيراني بشأن المضيق، وإن كان ذلك بشكل غير رسمي. وستؤكد مسقط على المسؤولية المشتركة بدلا من الهيمنة الإيرانية، مُؤطِّرةً دورها كقوة استقرار.
ويرى المسؤولون العُمانيون أن التهديد الأكبر لمصالحهم في المضيق هو تصعيد أوسع بين إيران وخصومها، الأمر الذي قد يُخلّ بالتوازن الدقيق لعمان.
















