بين الجيش النظامي و"الحرس الثوري".. من يحدد مسار الحرب في إيران؟

“الموارد المتاحة للجيش النظامي أقل بكثير من الحرس الثوري”
منذ بداية الحرب على إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، والحرس الثوري يتصدر المشهد العسكري، عبر استهداف إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
وبعد انخراط "الحوثيين" في الحرب نهاية مارس/ آذار 2026، أعلن الحرس الثوري تنفيذ عمليات مشتركة مع الجماعة اليمنية وحزب الله اللبناني، ضد أهداف عدة في إسرائيل.
في المقابل، ادعى موقع "تينسيت" الصيني أن “الجيش الإيراني لم يشارك بشكل واسع في العمليات خلال هذه الجولة من المواجهة غير المتكافئة التي اتخذت طابعا جويا وصاروخيا”.
ورأى أن "دوره اقتصر على مشاركة محدودة في العمليات البرية والدعم اللوجستي، بينما تولى الحرس الثوري الدور الرئيس في الرد العسكري".
ووفقا للموقع، "يعود ذلك إلى تداخل عدة عوامل، من بينها طبيعة النظام العسكري المزدوج في إيران، وقيود نمط الحرب، إضافة إلى التحديات الواقعية التي تواجه المؤسسة العسكرية".
في هذا السياق، يبرز تساؤل حول الدور المحتمل للجيش الإيراني النظامي في هيكل السلطة المستقبلي بالجمهورية.

نمط الحرب
وحسب التقرير، تعد طبيعة هذه المعركة السبب الجوهري في غياب مشاركة القوات الإيرانية، فقد تركزت العمليات الأميركية الإسرائيلية على تدمير الدفاعات الجوية الإيرانية ومنصات إطلاق الصواريخ وقواعد القوات الجوية والبحرية بهدف إضعاف قدراتها الهجومية دون السعي لاحتلال بري.
وفي هذا السياق، أوضح الموقع أن "الجيش النظامي، بصفته قوة دفاع تقليدية، يجد صعوبة في تنفيذ رد فعال، إذ إن معداته الثقيلة مثل الدبابات والطائرات المقاتلة القديمة والسفن الحربية تصبح أهدافا سهلة في ظل غياب السيطرة الجوية".
وهو ما ذكر أنه "حدث بالفعل مع تعرض قواعده الجوية والبحرية في شيراز وبندر عباس وغيرها لهجمات متكررة".
بالتوازي مع ذلك، لفت التقرير إلى أن "الجيش يواجه أزمة لوجستية حادة، حيث تعاني وحدات الخطوط الأمامية من نقص شديد في الذخيرة (إذ لا يتجاوز نصيب بعض الجنود 20 طلقة لكل جندي)".
إضافة إلى "نقص الغذاء ومياه الشرب وتعطل الخدمات الطبية، ما أدى إلى ارتفاع أعداد القتلى والجرحى دون تلقي العلاج في الوقت المناسب”.
وأضاف زاعما: "كما فشلت جهود استدعاء قوات الاحتياط، وظهرت حالات فرار ورفض الالتحاق، الأمر الذي أضعف القدرة على المناورة والانتشار".
في المقابل، أشار التقرير إلى أن "الحرس الثوري يمتلك أدوات أكثر ملاءمة لهذا النوع من الحروب غير المتكافئة، حيث يسيطر على ترسانة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، إضافة إلى شبكة من الحلفاء والوكلاء في المنطقة، ما يجعله أكثر قدرة على تنفيذ عمليات الرد".
وتابع: “كما أن (غياب) الجيش النظامي يعكس أيضا توزيعا مؤسسيا للأدوار، إذ تحمل الجيش عبء الضربة الأولى وسعى إلى تثبيت خطوط الدفاع، بينما أوكلت مهام الرد الهجومي والدفاع الأيديولوجي إلى الحرس الثوري”.
ورغم إشارته إلى أن "هذا التصميم يهدف إلى منع احتكار القوة من قبل جهة واحدة"، إلا أنه "كشف خلال الحرب عن مشكلات في التنسيق واختلال في توزيع الموارد"، حسب تقييمه.
من جانب آخر، ذكر التقرير أن قوام الجيش الإيراني النظامي يبلغ ما بين 350 ألفا إلى 420 ألف جندي، بينهم نحو 350 ألفا في القوات البرية، ويضم أعدادا كبيرة من المجندين الإلزاميين.
على مستوى تقسيم الوحدات، يتكون الجيش من أربعة فروع رئيسة: القوات البرية والبحرية والجوية وقوات الدفاع الجوي، وتتمثل مهمته الأساسية في حماية وحدة الأراضي الإيرانية وتوفير قوة دفاع تقليدية.
وتعتمد تجهيزاته بشكل أساسي على مزيج من المنصات العسكرية الغربية والسوفيتية التي تعود إلى ما قبل الثورة.
وتابع التقرير: "وبفعل العقوبات الطويلة، يعاني الجيش من تأخر في التحديث وصعوبات في الصيانة".
علاوة على ذلك، "خلال حرب الاثني عشر يوما عام 2025، تعرضت القوات الجوية والدفاع الجوي لضربات قاسية".
وأردف: "وفي الحرب الحالية تكبدت القوات البحرية خسائر إضافية، حيث غرق أو تضرر العديد من السفن الحربية، مثل الفرقاطات من فئة (مودج)، كما تعرضت القواعد الجوية لهجمات متكررة، ما أدى إلى تراجع كبير في القدرة على تنفيذ الطلعات الجوية".
وبناء عليه، يعتقد الموقع أنه "في الوقت الراهن، يواجه الجيش الإيراني ضغوطا مزدوجة، تتمثل في الضربات الخارجية التي ألحقت خسائر بالمعدات والبنية التحتية، إلى جانب تحديات داخلية تشمل نقص الإمدادات، وضعف رعاية الجرحى، ووجود توترات متزايدة في العلاقة مع الحرس الثوري".
مساران متوازيان
وفي تحليل للاختلافات البنيوية بين الجيش النظامي والحرس الثوري، قال الموقع: "اعتمدت إيران منذ الثورة نظاما عسكريا مزدوجا يقوم على وجود الجيش النظامي إلى جانب الحرس الثوري (يتراوح قوامه وفق بعض التقديرات بين 120 ألفا و190 ألف عنصر)، وكلاهما يتبع مباشرة للمرشد الأعلى".
واستدرك: "غير أن طبيعة كل منهما تختلف بشكل واضح من حيث التكوين والمهام والموارد".
وأوضح الموقع أن "الجيش النظامي يعود في جذوره إلى الجيش الإمبراطوري قبل الثورة الإسلامية، ويتميز بطابع مهني وبنزعة وطنية تقليدية، ويعتمد بدرجة كبيرة على نظام التجنيد الإلزامي، ويركز على مهام الدفاع التقليدي عن الأراضي وحماية الحدود وامتصاص الضربة الأولى في حال الحرب".
واستطرد: “كما أن تجهيزاته تميل إلى الاعتماد على منصات تقليدية ثقيلة، بينما يظل تأثيره السياسي محدودا نسبيا، ويصنف عادة كقوة عسكرية ذات طابع (تقني)”.
في المقابل، أشار التقرير إلى أن "الحرس الثوري تأسس بعد الثورة بهدف حماية النظام الإسلامي، وهو أكثر تسييسا وأيديولوجية، ويعتمد في بنيته على المتطوعين بدرجة أكبر".
وتابع: "يمتلك الحرس الثوري السيطرة على أهم أدوات الردع الهجومي، مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، إضافة إلى شبكة (فيلق القدس) من الوكلاء الإقليميين، وقوات التعبئة (الباسيج)، كما يمتد نفوذه إلى مجالات اقتصادية متعددة".
فضلا عن ذلك، "يحظى بأولوية في تخصيص الموارد، ويتمتع بدرجة ولاء أعلى للنظام، ويتولى مهام الأمن الداخلي والدفاع المتقدم خارج الحدود".
ولفت التقرير إلى أن "هذا الوضع الفريد من نوعه منصوص عليه في الدستور، حيث ينص على أن الجيش النظامي يتولى مهمة حماية سيادة الدولة، بينما يتكفل الحرس الثوري بحماية مكتسبات الثورة".
ووفق رأيه، فإن "هذا التوازي يهدف إلى منع احتكار القوة وتجنب الانقلابات العسكرية، لكنه يخلق في الوقت ذاته منافسة وصعوبات في التنسيق".
وبحسب تقديره، "تجلى ذلك بوضوح في هذه الحرب، حيث تولى الحرس الثوري بشكل شبه كامل عمليات الرد الصاروخي، في حين اقتصر دور الجيش النظامي على الدفاع السلبي".
فيما يتعلق بهيكل القيادة، ذكر التقرير أن "المرشد الأعلى، وهو حاليا مجتبى خامنئي، يتولى منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة في إيران، ويتمتع بسلطة مطلقة في اتخاذ القرارات العسكرية، كما يشرف مباشرة على كل من الجيش النظامي والحرس الثوري".
وأردف: "يحتفظ الجيش النظامي بسلسلة قيادة مستقلة، يقودها حاليا القائد العام اللواء أمير حاتمي، وتندرج تحت قيادته قيادات الأفرع المختلفة".
واستطرد: "وعلى مستوى أوسع، يُنسق عمل القوات المسلحة عبر هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة والمجلس الأعلى للأمن القومي، إلا أن الجيش النظامي والحرس الثوري يواصلان العمل بشكل متواز، ولا يندمجان فعليا إلا على مستوى القيادة العليا".
ويعتقد التقرير أن "هذا الهيكل يضمن سيطرة النظام على المؤسستين، لكن في أوقات الحرب يبرز ضعف التنسيق وتفاوت النفوذ".
إذ إن "القادة العسكريين في الجيش يمتلكون خبرة مهنية، إلا أن وزنهم السياسي والموارد المتاحة لهم أقل بكثير من الحرس الثوري، ما يجعل الأخير أكثر تأثيرا في مسار العمليات العسكرية"، وفق تحليله.

صمام أمان
وتناول الموقع الصيني، في الجزء الأخير من تقريره، الدور المحتمل للجيش النظامي في هيكل السلطة المستقبلي في إيران.
وقال: "مع تعرض المرشد الأعلى السابق لهجوم واستمرار الحرب، دخل النظام مرحلة من الهشاشة، ما قد يدفع الجيش النظامي، بوصفه جيشا (وطنيا) أكثر منه (ثوريا)، إلى التحول من قوة هامشية إلى عامل حاسم في معادلة السلطة".
وبحسب وجهة نظره، "قد يؤدي الجيش دورا محوريا في تحقيق الاستقرار وإدارة المرحلة الانتقالية، إذ إنه، بحكم طابعه الأقل أيديولوجية، يكون أكثر ميلا إلى الحفاظ على الحياد أو ضمان استمرارية مؤسسات الدولة، خاصة في حال تراجع قوة النظام أو دخوله في مسارات تفاوض أو إعادة بناء".
وفي هذا السياق، لم يستبعد التقرير أن يتحول الجيش إلى "ما يشبه (صمام أمان تقني) يحد من مخاطر الانزلاق إلى حرب أهلية أو انهيار شامل".
ومن ناحية أخرى، قدّر أن الجيش "قد يصبح أداة لإعادة التوازن داخل بنية السلطة، خاصة بعد أن كشفت الحرب عن فجوات واضحة بينه وبين الحرس الثوري، سواء فيما يتعلق بتوزيع الموارد أو مستوى الدعم الطبي واللوجستي".
ومن ثم، رجح أن "أي حكومة انتقالية أو عملية إعادة إعمار محتملة قد تسعى إلى توسيع دور الجيش في مهام الدفاع التقليدي، بما يسهم في الحد من هيمنة الحرس الثوري، بل وربما يفتح المجال أمام إدخال إصلاحات ذات طابع أقل أيديولوجية داخل المؤسسة العسكرية".
أما على مستوى المخاطر والفرص، فيتوقع الموقع أنه "إذا تصاعدت الاحتجاجات الداخلية أو الضغوط الخارجية، قد يميل الجيش إلى دعم التيارات الأكثر اعتدالا أو حتى إعادة تموضعه لحماية ما يعده مصالح الدولة العليا".
في المقابل، أشار إلى سيناريو آخر، "يتمكن من خلاله الحرس الثوري من إحكام سيطرته الكاملة على القرار العسكري، وهو ما يعني أن الجيش سيجد نفسه مهمشا بشكل أكبر".
ومع ذلك، شدد التقرير على أن "موقع الجيش في المعادلة سيظل عاملا حاسما في تحديد ما إذا كانت إيران ستتجه نحو نظام أكثر توازنا بين المؤسسات العسكرية والسياسية، أم ستستمر في تبني نهج متشدد تهيمن عليه القوى الثورية".
في المحصلة، يرى أن "حالة (المشاركة المحدودة) للجيش النظامي في هذه الحرب ليست نتيجة عامل واحد، بل هي حصيلة تفاعل معقد بين طبيعة النظام العسكري المزدوج، وخصائص الحرب الجوية الحديثة، والأزمات اللوجستية الحادة على الأرض".
وبحسبه، "تعكس هذه الحالة البنية المزدوجة العميقة للمؤسسة العسكرية الإيرانية، كما تطرح في الوقت نفسه متغيرات جديدة لإعادة تشكيل توازنات القوة في مرحلة ما بعد الحرب".
وبالتالي، خلص الموقع إلى أنه "في مرحلة ما بعد خامنئي، أو خلال الفترة الانتقالية الراهنة، ستشكل مدى قدرة الجيش على التحول من قوة دفاعية سلبية إلى ركيزة أساسية في إعادة بناء الدولة عاملا حاسما في رسم مستقبل إيران، سواء من حيث الاستمرار في المسار المتشدد، أو الاتجاه نحو قدر من البراغماتية وإعادة التوازن".
واختتم حديثه قائلا: "رغم أن نظام (المسارين العسكريين) أسهم سابقا في حماية استقرار النظام، فإن التوترات الكامنة داخله أصبحت، في ظل الضغوط الشاملة، تمثل إحدى أبرز نقاط الضعف البنيوية".
















