مرحلة مفصلية.. لماذا تركز إسرائيل ضرباتها على أجهزة الشرطة في غزة؟

"استهداف الأجهزة الأمنية يخلّف حزنا عميقا في الشارع الفلسطيني"
يواصل جيش الاحتلال مجازره الدموية في قطاع غزة، في خروقات لم تتوقف منذ إعلان وقف إطلاق النار الذي أبرم بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بوساطة أميركية وعربية، ما أدى إلى استشهاد نحو ألف فلسطيني وإصابة قرابة 3 آلاف.
ومن ضمن هذه المجازر، كثف الاحتلال استهدافاته الدموية بحق الشرطة والأجهزة الأمنية في غزة، بهدف إغراق القطاع في مستنقع من الفوضى يسمح بتمدد المليشيات العميلة له إلى عمق القطاع، بحسب ما يراه مختصون أمنيون.
ونتيجة لهذه المجازر الموجهة ضد القوى الأمنية، بلغ عدد شهداء الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة أكثر من 2842 منذ بداية العدوان في أكتوبر 2023.
جرائم دموية
وبعد شهر ونصف الشهر من اتفاق وقف إطلاق النار، توصلت تقديرات أمنية إسرائيلية، في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، إلى أن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" تواصل استعادة حضورها في قطاع غزة على المستويين الإداري والشرطي.
وبحسب ما أوردته “القناة 13” العبرية، فقد عرضت خلال تلك الفترة على أعضاء المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينيت) تحذيرات تفيد بأن الحركة تعمل على إعادة بناء قوتها وترميم قدراتها، وأنها عادت إلى فرض ما وصفته التقديرات بـ"سيطرة شبه كاملة" على مناطق واسعة من القطاع.
ووفقا للقناة، قدم الجيش الإسرائيلي للوزراء معطيات تشير إلى أن 13 بلدية من أصل 25 في قطاع غزة استأنفت عملها بشكل كامل، كما عادت عناصر شرطية تابعة لحماس إلى الانتشار وإقامة حواجز داخلية في عدد من المناطق.
وعقب هذه التقديرات، عاد جيش الاحتلال إلى تكثيف ضرباته ضد الجسد الحكومي والشرطي في قطاع غزة.
من جهتها، قالت "القناة 12" العبرية، في 2 أبريل/نيسان 2026: إن الجيش غيّر سياساته العملياتية وصعّد هجماته على عناصر الشرطة الفلسطينية في غزة، وعلى القدرات العسكرية والبشرية لحماس.
وفي أحدث بياناتها الصادر في 24 مايو/أيار 2026، نعت وزارة الداخلية والأمن الوطني 5 من ضباط وعناصر جهاز الشرطة الذين قتلوا جراء قصف نفذته طائرات الاحتلال واستهدف موقعا للشرطة في منطقة التوام شمال القطاع.
وأدانت الوزارة ما وصفته بـ"الجريمة البشعة" التي ارتكبها الاحتلال بحق جهاز الشرطة، مقدرة أن هذه الاستهدافات، التي تسببت بارتقاء 42 شهيدا من ضباط وعناصر الشرطة منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، تأتي في إطار محاولات نشر الفوضى وزعزعة الاستقرار داخل المجتمع الفلسطيني.
وأكدت، في بيانها، أن استمرار استهداف جهاز الشرطة والمدنيين في غزة يمثل تراجعا من جانب الاحتلال عن التزاماته بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، ويشكل انتهاكا صارخا للأعراف والمواثيق الدولية ذات الصلة بحماية المدنيين والمؤسسات المدنية.
وفي السياق ذاته، أدان مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في 3 يونيو/حزيران 2026، الاستهداف الروتيني الذي تمارسه القوات الإسرائيلية بحق أفراد الشرطة في غزة.
وشدد على أن التفكيك الممنهج للمؤسسات العامة في القطاع أدى إلى حالة من الفوضى ذات أثر مدمر على المدنيين.
ووثق المكتب، منذ مطلع العام 2026، ما لا يقل عن 12 هجوما على الشرطة، أسفرت عن ارتقاء ما لا يقل عن 53 مدنيا، بينهم 35 من أفراد الشرطة، وخمسة أطفال، وامرأة.
كما سجلت أربع هجمات في شهر مايو/أيار وحده، أسفرت عن استشهاد 12 من أفراد الشرطة.
وقال مكتب حقوق الإنسان، في بيان، إنه وثق هجمات إسرائيلية على أفراد الشرطة أثناء قيامهم بمهام تنفيذ القانون الاعتيادية، "بما في ذلك تنظيم حركة المرور وتسيير دوريات في الشوارع والأسواق".

خطة طوارئ
"الاستقلال" حاورت عددا من ضباط وعناصر الشرطة الفلسطينية في غزة، واستقصت حول أساليب عمل أجهزتها وكيف أثرت الاستهدافات على طبيعة عملها وأولوياتها.
وقال ضابط الشرطة في القطاع، والذي فضل الإشارة إليه بـ (ر. ج) وعدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنية، إن الاحتلال يكثف استهدافه لعناصر ودوريات الشرطة بشكل يومي، في إطار محاولة إغراق غزة في دوامة من الفلتان الأمني، وتهيئة المجال أمام المليشيات المتعاونة معه للتغلغل داخل المجتمع وتنفيذ أهدافه.
وأكد أن الشرطة، رغم "ما قدمته من مواكب الشهداء" جراء هذه الاستهدافات، ما زالت تواصل أداء مهامها الميدانية ولم تغادر مواقعها في أي مرحلة، لافتا إلى أنها بقيت حاضرة بين أبناء الشعب الفلسطيني حتى خلال ذروة حرب الإبادة.
وأضاف في حديثه لـ"الاستقلال" أن "الشرطة تعمل وفق خطة طوارئ أعدت ودرست بعناية، وتستند إلى تحقيق هدفين رئيسيين. يتمثل الأول في حفظ الأمن، ومكافحة الجريمة، وحماية أبناء شعبنا في قطاع غزة، إلى جانب ملاحقة العملاء وردعهم".
أما الهدف الثاني فيتمثل "في الحد من استهداف عناصر الشرطة وتقليل المخاطر التي يتعرضون لها قدر الإمكان".
وتابع الضابط: "لدينا خطة واضحة ومتكاملة للتعامل مع الواقع القائم، وهو ليس واقعا جديدا بالنسبة لنا، بل ندخل عامنا الثالث في ظل هذه الظروف، وقد تمكنّا من التكيف معها ومواصلة أداء واجبنا رغم التحديات".
وحول الأدوار الأساسية للشرطة الفلسطينية والأجهزة الأمنية، قال الضابط: إن أولوية عملها تتمثل في حفظ الأمن المجتمعي والأمن الداخلي في قطاع غزة، والتعامل مع الجرائم اليومية والخلافات المختلفة بما يحافظ على السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي.
وأضاف أن من بين المهام الأساسية أيضا مكافحة الجريمة بمختلف أشكالها، والتصدي لظاهرة المخدرات التي تشهد انتشارا متزايدا في غزة، مشيرا إلى أن كميات كبيرة منها دخلت إلى القطاع خلال الأشهر الأخيرة، كما تشمل المهام ملاحقة المليشيات المتعاونة مع الاحتلال والتعامل مع أنشطتها.
وأكد الضابط أن الأجهزة الأمنية تتولى كذلك تنفيذ الأوامر والقرارات القضائية الصادرة عن المحاكم الفلسطينية في قطاع غزة، بما يضمن استمرار سيادة القانون وصون حقوق المواطنين وحماية النظام العام.

العمل بفاعلية
ورغم الاستهدافات المتواصلة، تواصل الشرطة والأجهزة الأمنية في قطاع غزة أداء مهامها في مختلف المجالات الأمنية والمجتمعية،
وتشمل هذه المهام ملاحقة المليشيات والعملاء، والقبض على مرتكبي جرائم القتل وإعادتهم إلى السجون، إلى جانب التدخل لاحتواء الخلافات العائلية والنزاعات التي تتخللها اشتباكات مسلحة، حفاظا على السلم الأهلي.
كما تنفذ الشرطة النسائية برامج توعية أمنية استهدفت آلاف السيدات، بهدف تعزيز الوعي بالأمن الرقمي والحد من جرائم الاحتيال الإلكتروني وسرقة المحافظ الرقمية، من خلال ورش عمل وحملات ميدانية ورقمية في الجامعات والمخيمات والمراكز المجتمعية.
وفي الجانب المجتمعي، تسهم الشرطة المجتمعية في حل النزاعات المالية ومعالجة الخلافات الناجمة عنها، فضلا عن ملاحقة اللصوص والمجرمين.
فيما يواصل جهاز مكافحة المخدرات جهوده لإحباط عمليات تهريب وترويج المخدرات، واعتقال التجار والمروجين، ورصد الطائرات الإسرائيلية المسيرة التي تلقي شحنات من المخدرات داخل القطاع.
كما تؤدي إدارة شؤون العشائر التابعة لوزارة الداخلية دورا بارزا في حل النزاعات عبر لجانها المنتشرة في مختلف المحافظات، حيث نجحت في معالجة 1966 قضية خلال أبريل 2026، شملت مشاجرات وخلافات مالية ونزاعات على الأراضي وقضايا عائلية وجرائم قتل وسرقات.
وتواصل مباحث التموين تنفيذ حملات رقابية لضبط الأغذية الفاسدة والأدوية منتهية الصلاحية، ضمن سلسلة واسعة من المهام الشرطية الرامية إلى حفظ الأمن والنظام العام في قطاع غزة، حسب بيانات من موقع وزارة الداخلية.
وفي هذا السياق، قال العنصر في الشرطة الفلسطينية (م . ع)، إن انسحاب عناصر الشرطة من الميدان أمر غير وارد، حتى لو كان الثمن حياتهم، مؤكدا أن غيابهم سيؤدي إلى دخول قطاع غزة في موجات جديدة من الفلتان الأمني.
وأوضح لـ"الاستقلال" أن وجود الشرطة يسهم في الحد من ممارسات بعض العائلات والعصابات التي فرضت، خلال الأشهر الأخيرة من الحرب، واقعا أمنيا صعبا من خلال أعمال الفوضى والعربدة التي زادت من معاناة السكان، بالتوازي مع الظروف القاسية التي يعيشها المواطنون جراء الحرب.
وأضاف: "ندرك جيدا أن كل مهمة نخرج لتنفيذها قد تكون الأخيرة، وأننا قد لا نتمكن من رؤية عائلاتنا وأطفالنا مرة أخرى، ومع ذلك، فإن الواجب الذي نؤديه نعده واجبا مقدسا في هذه المرحلة الحساسة والمفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية".
واستطرد: "ولهذا نتوجه إلى أداء مهامنا دون تردد، إيمانا منا بأهمية الدور الذي نقوم به، وبما يمثله من مسؤولية وطنية ومجتمعية في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة".
وشدد الشرطي على أن التجارب القاسية التي مرت بها عناصر الشرطة جراء الاستهدافات الجوية المتكررة أسهمت في تطوير آليات للتعامل مع هذه المخاطر ومحاولة الحد منها قدر الإمكان.
وأوضح أن هناك مجموعة من الإجراءات التي يجري اتباعها، من بينها تجنب التنقل بالمركبات الشرطية المعروفة، وعدم تجمع العناصر في مكان واحد، وتنفيذ المهام بسرية ودون ارتداء الزي الرسمي في بعض الحالات، إلى جانب الاعتماد على وسائل تواصل بديلة وغير إلكترونية عند الضرورة.
وأشار العنصر إلى أن هذه التدابير تهدف إلى تقليل فرص الاستهداف وتمكين العناصر من مواصلة أداء مهامها الميدانية في ظل الظروف الأمنية المعقدة التي يشهدها قطاع غزة.
وقال: “نظرا لخطورة المهام التي نقوم بها واحتمالية التعرض للاستهداف في أي لحظة، فإننا نحاول قدر الإمكان تجنب التواجد في مناطق قريبة من المدنيين، حرصا على عدم تعريضهم لأي مخاطر محتملة”.
وتابع: "كما نبيت في خيام معزولة وبعيدة، سعيا إلى تحمل تبعات طبيعة عملنا بأنفسنا، وننظر إلى ما نقوم به بوصفه واجبا وطنيا ومهمة مقدسة، لذلك نحرص على أن تقتصر تداعيات هذا العمل علينا قدر الإمكان، وألا تمتد إلى المدنيين".

مبادرات مجتمعي
بالتوازي مع التصعيد الإجرامي للاحتلال بحق الشرطة الفلسطينية، ظهرت مبادرات مجتمعية وشبابية لتولي دور يخفف العبء عن كاهل عناصر الشرطة والأمن، من خلال تشكيل لجان شعبية تساند الأجهزة الأمنية، وتؤدي هذه اللجان مهام حل الخلافات والتوعية المجتمعية.
من جانبه، قال الناشط الشبابي خليل النجار إن الأوضاع الجارية في قطاع غزة، وما يرافقها من استهدافات مكثفة لأجهزة الشرطة ومحاولات لإعادة نشر حالة الفلتان الأمني وتمدد المليشيات، دفعت إلى تشكيل لجان شبابية وشعبية تسعى إلى الحد من هذه الظواهر.
وأوضح أن هذه اللجان تعمل على احتواء الخلافات المختلفة، سواء تلك التي تنشأ بين العائلات أو الخلافات اليومية التي تظهر داخل مخيمات النزوح وفي الطرقات، من خلال التدخل لاستيعابها وحلها قبل تفاقمها.
ولفت النجار أن اللجان تتعاون كذلك مع لجان الإصلاح الموجودة في مختلف مناطق القطاع، في إطار دور تكاملي يهدف إلى حل النزاعات ومنع انتشار الفوضى والفلتان الأمني وردع مظاهر الجريمة والاعتداءات التي برزت خلال فترة الحرب.
وأضاف في حديثه لـ"الاستقلال" أن "من بين أبرز مهام هذه اللجان تقليل الحاجة إلى تدخل دوريات الشرطة في الخلافات والقضايا اليومية، وذلك لتجنب منح قوات الاحتلال فرصة لاستهدافها وارتكاب مزيد من المجازر، كما جرت العادة خلال الفترة الماضية".
"ويعد هذا الهدف من الأهداف المجتمعية العليا، إذ إن استهداف الأجهزة الأمنية في كل مرة يخلف حالة من الحزن العميق في الشارع الفلسطيني، إلى جانب ما يترتب عليه من تداعيات أمنية خطيرة تنعكس على حركة المواطنين والأوضاع الأمنية العامة في قطاع غزة".
وأشار النجار إلى وجود تجاوب وتعاون ملحوظين من المواطنين مع عمل هذه اللجان، مؤكدا أن المجتمع منحها شرعية شعبية إدراكا للدور الذي تقوم به وللأثر المتوقع من تدخلها في معالجة الخلافات والحفاظ على السلم الأهلي.
وأضاف أن هذا التدخل من شأنه أن يحقق انعكاسات إيجابية تسهم في منع عودة الفلتان الأمني وحالة الفوضى التي اجتاحت قطاع غزة لفترات طويلة خلال الحرب.
ولفت النجار إلى أن مثل هذه اللجان تنتشر في مختلف مناطق ومحافظات قطاع غزة، وإن اختلفت مسمياتها من منطقة إلى أخرى، مشيرا إلى أنها تضم مشاركين من مختلف الفصائل والأطياف الوطنية.
وأكد أن الهدف المشترك لهذه اللجان يتمثل في الحفاظ على الأمن المجتمعي، وإفشال محاولات الاحتلال والجهات المرتبطة به، وكل من يسعى إلى نشر الفوضى وإشاعة حالة الفلتان الأمني داخل القطاع.















