محور بربرة.. هكذا تعيد الإمارات وإسرائيل وأميركا رسم خرائط النفوذ بالقرن الإفريقي

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ظل تصاعد التنافس الدولي في القرن الإفريقي، تتسارع التحركات الإماراتية والإسرائيلية والأميركية لدعم إقليم “أرض الصومال” الانفصالي وتحويله إلى محور جيوسياسي جديد يرتبط بأمن البحر الأحمر وممرات التجارة والنفوذ الإقليمي.

واستقبل رئيس الكيان الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في 18 مايو/ أيار 2026، الموافق ذكرى استقال ما يُعرف بإقليم أرض الصومال الانفصالي، أوراق اعتماد محمد حاجي كأول سفير لصوماليلاند لدى إسرائيل في مقر الرئاسة بالقدس المحتلة.

وبحسب صحيفة "معاريف" فإن "حاجي، المستشار المقرب من دوائر الحكم في الإمارات، يعد أحد الشخصيات الرئيسة التي قادت المفاوضات السرية مع إسرائيل طوال عام 2025.

ويأتي هذا التطور بعد أن صادقت الحكومة الإسرائيلية، في 26 أبريل/ نيسان 2026، على تعيين ميخائيل لوتم أول سفير لإسرائيل لدى صوماليلاند.

وعقّبت الصحيفة العبرية: "إذا بدا أحيانا أن اعتراف إسرائيل بصوماليلاند في ديسمبر/ كانون الأول 2025 كان حدثا منفردا، فإن التقارير التي نُشرت خلال الآونة الأخيرة تشير إلى أن الأمر ليس سوى رأس جبل الجليد لتحرك دولي منسق تقوده أبوظبي وإسرائيل لإعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي في القرن الإفريقي".

صراع عنيف

وكشف مقدم الاحتياط وضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق رفيع المستوى، أميت ياغور، عن "صراع عنيف يدور خلف الكواليس داخل الإدارة الأميركية بين أقطاب القوة".

وتابع موضحا: "فمن الناحية الرسمية، تحافظ وزارة الخارجية على خطها التقليدي المتمثل في "دعم سيادة الصومال" ووحدة أراضيه، تجنبا لإغضاب الاتحاد الإفريقي".

واستدرك: "لكن تحت السطح، يجري الدفع بقوة داخل الكونغرس الأميركي لتمرير مشروع قانون دراماتيكي يحمل اسم H.R. 3992 - قانون استقلال جمهورية أرض الصومال، والذي تقدم به عضو الكونغرس سكوت بري".

وينص على أن جميع مطالبات الصومال بالسيادة الإقليمية على منطقة صوماليلاند تعد باطلة ولاغية، وبالتالي يمنح المشروع الإذن لرئيس الولايات المتحدة بالاعتراف الرسمي بصوماليلاند كدولة مستقلة.

في الوقت ذاته، ذكر ياغور أنه استنادا إلى "تقارير نشرتها وسائل إعلام أميركية فإن أرض الصومال قدمت عرضا مغريا للولايات المتحدة يتضمن منحها حقوق تشييد قاعدة عسكرية دائمة في ميناء بربرة الإستراتيجي".

كما اقترحت أرض الصومال "إتاحة الوصول الأميركي الحصري إلى ثروات من المعادن الحرجة والحساسة (مثل الليثيوم والكولتان) التي تعد عصب الصناعات التكنولوجية والدفاعية الأميركية".

وأضاف أنه "في مقابل هذا العرض السخي، لا تطلب أرض الصومال سوى شيء واحد فقط: الاعتراف الدبلوماسي الرسمي".

وكشف المسؤول الاستخباراتي السابق أنه "نتيجة لاستمرار هجمات الحوثيين في البحر الأحمر والحاجة الأميركية الملحة لإيجاد نقطة ارتكاز مستقرة في خليج عدن، يمارس مسؤولون بارزون في البنتاغون ضغوطا شديدة لتبني خيار أرض الصومال".

"حتى لو تم ذلك في البداية عبر فتح مكتب تمثيل رسمي فحسب، والذي يعد في واقع الأمر بمثابة سفارة بحكم الأمر الواقع"، وفقا له.

أدوات ضغط

وبالتوازي مع المعركة الشرسة داخل أروقة الإدارة الأميركية، تتحرك أبوظبي بقوة لإضفاء الشرعية الدولية على الإقليم الانفصالي.

إذا أشار المقال العبري إلى أنه "وفقا لتقارير تسربت من الحكومة الفيدرالية في مقديشو خلال الفترة الماضية، فإن أبو ظبي -التي تضخ مليارات الدولارات للاستثمار في ميناء بربرة بأرض الصومال وترى فيه أصلا إستراتيجيا لا غنى عنه- تفعيل حاليا أدوات ضغط اقتصادية وسياسية هائلة".

وبحسب ياغور، "تقود الإمارات حملة دبلوماسية عدوانية وسرية وراء الكواليس لدفع أربع دول أخرى نحو إعلان الاعتراف الفوري بأرض الصومال".

وأردف: "هذه الدول هي: الأرجنتين (تحت إدارة رئيسها خافيير ميلي)، وجمهورية الدومينيكان، ومملكة إسواتيني الإفريقية (سوازيلاند سابقا)، بالإضافة إلى زامبيا".

وفي سياق متصل، أفاد المقال بأنه "في الأيام القليلة الماضية عينت أرض الصومال الدبلوماسي والخبير القانوني اليوناني ديميتريوس توريكيس ممثلا خاصا لها في اليونان".

وتابع: "رغم أن أثينا لم تعلن بعد عن اعترافها الرسمي بالإقليم، فإن وسائل الإعلام اليونانية تطرح للنقاش علنا ضرورة انضمام اليونان إلى محور البحر الأحمر الذي يضم إسرائيل وأرض الصومال، وتحديدا من أجل خلق توازن مضاد وتحدي النفوذ التركي المتصاعد في الصومال المجاورة".

من منظور تحليلي أوسع، يرى المقال أن "اعتراف إسرائيل بصوماليلاند قد أرسى الأساس لما يُعرف بـ(محور بربرة)، الذي يضم إسرائيل والإمارات وإثيوبيا وصوماليلاند".

ووفقا له، "يهدف هذا المحور إلى ضمان الوصول إلى الموانئ، وتعزيز قدرات المراقبة في البحر الأحمر، والحد من نفوذ تركيا وإيران في المنطقة".

وشدد المقال على دور أبوظبي الحيوي في هذا المحور: "تلعب الإمارات التي تعمل على توسيع ميناء بربارة عبر شركة موانئ دبي العالمية منذ عام 2018، دورا محوريا في هذه العملية".

محور بربرة

من جانبها أوضح المقال أن إثيوبيا "تسعى إلى الوصول للبحر الأحمر بعد أن فقدت منفذها المباشر إليه مع استقلال إريتريا".

وقد تضمنت مذكرة التفاهم الموقعة عام 2024 بين إثيوبيا وصوماليلاند خيار استئجار جزء من ساحل صوماليلاند لمدة 50 عاما. 

وفي مواجهة ما يُعرف بـ"محور بربرة"، أشار التقرير إلى تشكل محور منافس يضم الصومال وتركيا ومصر والسعودية، وهدفه حماية سيادة الصومال من التدخلات الخارجية ومنع الاعتراف بصوماليلاند كدولة مستقلة.

وبحسبه، “تُعد تركيا اللاعب الرئيس في هذا المحور، فمنذ العقد الأول من الألفية، أصبحت أنقرة الشريك الأجنبي الأهم للحكومة الصومالية”. 

وفي عام 2017، افتتحت تركيا في مقديشو أكبر قاعدة تدريب عسكرية لها خارج أراضيها، والمعروفة باسم "توركسوم"، حيث جرى تدريب آلاف الجنود الصوماليين، ويخدم بعضهم في وحدة النخبة "غورغور"

ووحدة "غورغور" هي قوات نخبة صومالية تم تأسيسها في عام 2017 كذراع أساسي للجيش الوطني الصومالي، وتلعب الوحدة دورا محوريا في حماية الأمن القومي ومكافحة الجماعات المسلحة

أما إيران، فهي -بحسب المقال- ليست جزءا من أي من المحورين، لكنها تؤثر في المشهد عبر "محور المقاومة" والحوثيين.

ولذلك، شدد المقال على أن "محور بربرة نشأ إلى حد كبير كرد فعل على التهديدات الإيرانية ووكلائها، خاصة الحوثيين".

واستطرد: “وقد شهدت العلاقات بين طهران ومقديشو تقلبات واضحة”.

وتابع: "ففي عام 2016 قطعت الصومال علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، جزئيا بدافع التضامن مع السعودية، هذا إلى جانب اتهامها بالتدخل في شؤونها الداخلية ونشر المذهب الشيعي، ثم أُعيدت العلاقات عام 2024، لكن التوترات ظلت قائمة".

في المحصلة، وصف ياغور ما يحدث تحت السطح بـ"مسار نضج سري يشكل ملامح محور جديد لقرن إفريقيا والبحر الأحمر يجمع إسرائيل، والولايات المتحدة، والإمارات، بالتوازي مع الترويج لرؤية الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، وربما كجزء أصيل منه، لا سيما إذا استمرت السعودية في إبداء الرفض والممانعة".

وعليه، رجح بشدة أن "يمثل عام 2026 (عام الانطلاقة الكبرى) لأرض الصومال، فإسرائيل قد فتحت الباب، بينما تواصل الإمارات دفع دول في إفريقيا وأميركا اللاتينية للاعتراف بالإقليم".

"فيما يحمل الكونغرس الأميركي مفتاح تحول جيوسياسي كبير في القرن الإفريقي، ضمن عملية إعادة تشكيل نظام إقليمي جديد"، على حد تعبيره.