زيارة البرهان إلى أنقرة.. هكذا يعيد السودان رسم توازناته الخارجية

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إلى تركيا في 2 يونيو/حزيران 2026 يُعَدّ حدثا يتجاوز حدود العلاقات الثنائية التقليدية بين الخرطوم وأنقرة. 

ونشرت وكالة “الأناضول” للأنباء الرسمية مقالا للكاتب أوموت تشاغرِي ساري، ذكر فيه أن “الزيارة جاءت في توقيت بالغ الحساسية؛ حيث تدخل الحرب السودانية عامها الرابع، بينما يحقق الجيش النظامي تقدما ميدانيا ملحوظا في عدد من المناطق الإستراتيجية”. 

وأضاف أنه “من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الزيارة بصفتها جزءا من إستراتيجية أوسع؛ حيث تتبعها الخرطوم لتحويل مكاسبها العسكرية إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية، وإعادة تقديم نفسها كدولة فاعلة وقادرة على بناء شراكات إقليمية ودولية مؤثرة”.

تحول سياسي

وأكد الكاتب التركي أنه لفهم أهمية التقارب الحالي بين الخرطوم وأنقرة، لا بد من العودة إلى المرحلة التي أعقبت ثورة عام 2019. 

ففي تلك الفترة، اتجهت الحكومة الانتقالية المدنية نحو إعادة صياغة علاقاتها الخارجية على أسس جديدة، مع التركيز على تحسين العلاقات مع الدول الغربية وإسرائيل وبعض القوى الإقليمية.

وقد انعكس هذا التوجه على العلاقة مع تركيا؛ حيث جرى تجميد عدد من الاتفاقيات الإستراتيجية والعسكرية، التي كانت قد وُقعت خلال السنوات السابقة.

وقد أدى ذلك إلى تراجع ملحوظ في مستوى التعاون بين البلدين، وبدت العلاقات وكأنها فقدت الزخم الذي كانت تتمتع به في عهد الرئيس السابق عمر البشير.

غير أن اندلاع الحرب الداخلية غيّر المعادلات بشكل جذري؛ فمع تزايد الضغوط الأمنية والسياسية، بدأت الخرطوم في إعادة تقييم أولوياتها الخارجية. 

وأصبحت الحاجة إلى شركاء قادرين على تقديم دعم عملي في مجالات الأمن والدفاع، وإعادة الإعمار أكثر إلحاحا من الاعتبارات السياسية التي حكمت المرحلة الانتقالية.

في هذا الإطار، عادت تركيا لتحتل موقعا متقدما في الحسابات الإستراتيجية السودانية، وذلك ليس بسبب العلاقات التاريخية بين البلدين فحسب، بل أيضا بسبب تنامي الدور التركي في إفريقيا خلال العقد الأخير.

وأشار الكاتب تشاغرِي ساري إلى أن السودان “لا يواجه مجرد تمرد داخلي، بل يخوض مواجهة أكثر تعقيدا تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية”.

ووجد السودان نفسه في مواجهة ما يشبه الحصار الإقليمي، فهو لا يحظى بدعم واضح سوى من عدد محدود من الدول، أبرزها مصر وإريتريا، بينما تتبنى أطراف إقليمية أخرى سياسات أو مواقف داعمة لمليشيا الدعم السريع بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وأضاف الكاتب أن ساحة الصراع السوداني أصبحت تستقطب مقاتلين وَمرتزقة من دول متعددة، وهو ما يمنح الحرب أبعادا تتجاوز الإطار المحلي.

ميزان القوى

لكن رغم ذلك، فإن مليشيا “الدعم السريع” لم تتمكن من تحويل الدعم الخارجي الذي حصلت عليه إلى إنجازات إستراتيجية حاسمة. 

فعلى العكس، تمكن الجيش السوداني من المحافظة على تفوقه في عدد من المجالات، وعلى رأسها القوة الجوية والخبرة العسكرية المتراكمة والمؤسساتية.

بينما تواجه مليشيا الدعم السريع تحديات داخلية متزايدة، تتمثل في تراجع تماسك بعض التحالفات القبلية التي كانت تشكل جزءا مهما من قاعدتها الاجتماعية والعسكرية، خصوصاً في مناطق دارفور وكردفان.

لهذا، فإن هذه التطورات تعني أن ميزان القوى على الأرض بدأ يميل تدريجيا لصالح الجيش، وهو ما يمنح القيادة السودانية مساحة أوسع للتحرك الدبلوماسي.

ويرى تشاغرِي ساري أن العامل الأكثر أهمية في التقارب الحالي بين الخرطوم وأنقرة يتمثل “في التحول الذي شهدته السياسة التركية في إفريقيا”.

فتركيا لم تعد تركز فقط على التجارة والاستثمار والمساعدات الإنسانية، بل أصبحت تقدم نفسها أيضاً كشريك أمني وعسكري قادر على المساهمة في بناء قدرات الدول الإفريقية وتعزيز مؤسساتها الدفاعية.

ويُعد ما يُعرف بـ"النموذج الصومالي" المثال الأبرز على هذه المقاربة، فهذا النموذج يقوم على مزيج من التدريب العسكري، وبناء المؤسسات الأمنية، وتطوير القدرات الدفاعية، وربط هذه الجهود بالصناعات الدفاعية التركية.

وبالنسبة للسودان الذي سيحتاج بعد انتهاء الحرب إلى إعادة بناء مؤسساته العسكرية والأمنية، فإن هذا النموذج يبدو جذابا من الناحية العملية.

كما أن صورة تركيا في الخرطوم تمثّل شريكا، ليس فقط في الملفات الأمنية، بل شريكا يمكنه المساهمة في العديد من الملفات، خاصة في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية والاستثمار في البنية التحتية.

ثلاث رسائل

ولفت الكاتب التركي النظر إلى أن زيارة البرهان إلى أنقرة يمكن أن تحمل ثلاث رسائل سياسية رئيسة.

الرسالة الأولى، إلى الداخل السودان،  حيث تسعى القيادة إلى إظهار أن الدولة ما زالت قادرة على العمل رغم ظروف الحرب. 

فاستقبال البرهان رسميا من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وبمستوى بروتوكولي رفيع يهدف إلى تعزيز صورة الحكومة السودانية، بصفتها سلطة شرعية تحظى باعتراف وتعاون دوليين.

كما يبعث ذلك برسالة طمأنة إلى المواطنين السودانيين؛ مفادها أن الدولة ليست معزولة، وأنها ما زالت قادرة على نسج علاقات وتحالفات خارجية مؤثرة.

الرسالة الثانية، إلى الفاعلين الإقليميين؛ حيث تعكس الزيارة رغبة الخرطوم في تنويع شَراكاتها، وعدم الاعتماد على محور واحد في سياستها الخارجية.

فالسودان يسعى إلى بناء شبكة أوسع من العلاقات تمكنه من تقليل الضغوط الإقليمية التي واجهها خلال السنوات الأخيرة، وتمنحه هامشا أكبر للمناورة السياسية.

من هذا المنظور، فإن التقارب مع تركيا لا يمثل مجرد علاقة ثنائية، بل جزءا من إستراتيجية أوسع لكسر العزلة وإعادة التوازن إلى السياسة الخارجية السودانية.

أما الرسالة الثالثة إلى المجتمع الدولي، حيث تحاول الخرطوم من خلال هذه التحركات أن تؤكد أنها بدأت التفكير في مرحلة ما بعد الحرب، وأنها تبحث منذ الآن عن شركاء للمساهمة في إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.

فالقيادة السودانية تدرك أن الانتصارات العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق الاستقرار، وأن إعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية والمؤسسات ستكون التحدي الأكبر في السنوات المقبلة.

لهذا السبب، فإن المباحثات التي جرت في أنقرة لا يمكن حصرها في الملفات العسكرية والأمنية، بل تشمل أيضا أسس التعاون الاقتصادي والاستثماري طويل المدى.

وأشار الكاتب إلى أن زيارة البرهان لأنقرة تكشف عن تحول مهم في طريقة تعاطي السودان مع أزمته الحالية، فبدل الاكتفاء بإدارة الحرب ميدانيا، تسعى الخرطوم إلى استثمار ما تعده تقدما عسكريا في بناء شبكة من العلاقات السياسية والإستراتيجية، بحيث تعزز موقعها الإقليمي والدولي.

كما تعكس الزيارة عودة تركيا إلى موقع متقدم في الحسابات السودانية، ليس فقط كشريك أمني محتمل، بل كدولة يمكن أن تلعب دورا مؤثرا في إعادة إعمار السودان وصياغة توازناته الجديدة بعد الحرب.

بذلك، تبدو الزيارة جزءا من مسار أوسع، تحاول الخرطوم من خلاله إعادة تعريف صورتها أمام العالم، والانتقال من دولة تُعرَّف بالحرب والأزمة إلى دولة تسعى لاستعادة دورها الإقليمي وبناء شراكات إستراتيجية طويلة الأمد.