بين توجيه واشنطن ومخاوف التصعيد.. دوافع باكستان في الوساطة بين أميركا وإيران

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ظل الجهود الدؤوبة التي تبذلها باكستان للتوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يُنهي الحرب نهائيًا ويطوي صفحتها تمامًا، يثير اندفاع إسلام آباد للقيام بدور الوسيط بين الطرفين تساؤلات عديدة حول الأسباب الرئيسة لذلك، وعلاقتها المباشرة بخشيتها من الانخراط في الصراع إذا ما تجدد مرة أخرى.

وقد نجحت باكستان في التوصل إلى هدنة مؤقتة لوقف القتال بين واشنطن وطهران، مدتها 15 يومًا، بدءًا من 8 أبريل/نيسان 2026، شريطة أن يشارك الطرفان في محادثات تستضيفها إسلام آباد بهدف الوصول إلى اتفاق شامل بينهما؛ إلا أن الجلسة الأولى لهذه المحادثات، التي عُقدت في 11 من الشهر ذاته، قد انتهت بفشل.

جهود كاملة

على الرغم من عدم إحراز تقدم في الجولة الأولى من المحادثات بين طهران وواشنطن، إلا أن باكستان لا تزال تبذل مساعيها الدبلوماسية النشطة بهدف التمهيد لجولة ثانية من هذه المفاوضات.

في إطار هذه الجهود، قام رئيس هيئة الأركان وقائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، بزيارة إلى إيران استغرقت أربعة أيام، بدأت في الخامس عشر من نيسان، والتقى خلالها بعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين.

أوضح بيان صادر عن الجيش الباكستاني بتاريخ الثامن عشر من نيسان أن المباحثات التي أجراها المشير عاصم منير تركزت على "تحقيق سلام مستدام في المنطقة، مع تركيز خاص على المساعي الدبلوماسية الجارية، والإجراءات المشتركة الرامية إلى تعزيز الاستقرار طويل الأمد".

أكد منير الذي يتولى قيادة جهود بلاده في الوساطة بين واشنطن وطهران، على "أهمية الحوار وتخفيف التوتر وتسوية القضايا العالقة عبر الانخراط الدبلوماسي المستمر"، وذلك وفقًا لما جاء في بيان الجيش الباكستاني.

وأشار البيان كذلك إلى أن هذه الزيارة تعكس "التزام باكستان الثابت بتسهيل تسوية تفاوضية للنزاع في الشرق الأوسط، وتعزيز السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة". في سياق متصل، أكدت وزارة الخارجية الباكستانية أنه لم يتم بعد تحديد أي مواعيد للجولة الثانية من المحادثات بين أميركا وإيران، مشيرة إلى أن الطرفين ناقشا القضايا النووية خلال اللقاءات.

وفي الإطار ذاته، أكد رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، على أن "جهودًا كاملة" تُبذل حاليًا لحل النزاع، لافتًا إلى أن القضايا العالقة لا تزال قيد المعالجة والبحث.

أعلن شريف، في تدوينة نشرها عبر منصة "إكس" بتاريخ التاسع عشر من نيسان، أنه أجرى اتصالًا بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لمناقشة الصراع في الشرق الأوسط، وأطلعه على فحوى المحادثات التي أجراها أخيرًا مع قادة كل من السعودية وقطر وتركيا.

وصرح شريف قائلًا: "عبّرت عن تقديري لانخراط إيران، بما في ذلك إرسالها وفدًا رفيع المستوى إلى إسلام أباد لإجراء محادثات تاريخية، وكذلك المناقشات التي جرت مع قائد الجيش عاصم منير في طهران". وأبلغ شريف الرئيس بزشكيان أن باكستان ما زالت متمسكة بدورها في دعم السلام وتعزيز الاستقرار في المنطقة.

من جانبه، ذكر التلفزيون الإيراني أن بزشكيان أشار خلال الاتصال إلى ما وصفه بـ"استمرار إخلال الولايات المتحدة بتعهداتها وسلوكها المتغطرس وغير المعقول خلال المفاوضات وفي فترة وقف إطلاق النار".

ورأى الرئيس الإيراني أن مواصلة واشنطن لإجراءاتها "الاستفزازية وغير القانونية" فيما تسميه بالحصار البحري على إيران "تمثل انتهاكًا واضحًا لتفاهم وقف إطلاق النار وتتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة".

وخلص بزشكيان إلى أن مثل هذه الإجراءات، بالإضافة إلى التهديدات من المسؤولين الأميركان ضد إيران، "لم تؤد إلا إلى زيادة الشكوك بشأن جدية الولايات المتحدة، وتُظهر بشكل أوضح هذه الحقيقة أنها تسعى إلى تكرار الأنماط السابقة وخيانة الدبلوماسية".

توجيه أميركي

تتباين الآراء حول الدوافع الرئيسة وراء حرص باكستان الشديد على إنهاء التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. يرى البعض أن باكستان تخشى الانخراط في صراع محتمل إذا تجددت المواجهات، وذلك بالنظر إلى ارتباطها باتفاق دفاع مشترك مع السعودية. بالمقابل، يستبعد آخرون هذا الطرح، مشيرين إلى منطلقات أخرى دفعت إسلام آباد للقيام بدور الوساطة.

في هذا السياق، صرح عماد الدين الجبوري، الباحث في شؤون الشرق الأوسط، لـ"الاستقلال" بأن "التدخل الباكستاني في المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران لا علاقة له باتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية، وإنما جاء بتوجيه من الجانب الأميركي".

وأضاف الجبوري أن "باكستان لا تتحرك وفق اتفاقية الدفاع المشترك إلا بناءً على توجيه من المملكة العربية السعودية، وذلك على الرغم من تعرض الأخيرة لهجمات مؤذية شنتها إيران خلال أربعين يومًا من الحرب".

ولفت الباحث إلى أن "السعودية لم تطلب من باكستان التدخل نظرًا لأنها لا تزال بعيدة عن الضرر الكلي ككيان يتهدد من الخارج".

من جهة أخرى، يرى الجبوري أن "إيران تبحث دائمًا عن وسيط يتوافق مع رؤيتها الفكرية التي تنطلق من تصور مذهبي. وعليه، فإنها توافق على أن تكون سلطنة عمان أو باكستان وسيطًا، ولا تفضل الوساطة مع البلدان العربية أو الإسلامية السنية مثل تركيا وغيرها".

وبحسب الجبوري، فإن "عدم موافقة إيران على الوساطة المصرية أو القطرية يعود إلى أنها محكومة بمنطق مذهبي، وقد لا يرى غالبية المسلمين السنة في العالم هذا الأمر".

وتابع الجبوري: "الدليل على ذلك هو أنه في الحرب الإيرانية العراقية، التي كان يحكم العراق فيها نظام علماني يقوده حزب البعث ويضم قيادات من السنة والشيعة، لم تتفاوض طهران إلا مع وفد من القيادات الشيعية من مدينة النجف. وبالتالي، يجب عدم النظر إلى إيران على أنها تتعامل بالسياسة والدبلوماسية فقط، وإنما العامل المذهبي هو الطاغي في كل الظروف".

وفي مطلع شباط/فبراير 2026، طلبت إيران إجراء تعديلات على مكان وشكل المفاوضات المرتقبة مع الولايات المتحدة، حسبما نقل موقع "أكسيوس" الأمريكي عن مصدرين مطلعين (لم يسمهما).

وأفاد المصدر الإعلامي الأميركي بأن إيران طالبت بنقل مكان المحادثات من إسطنبول إلى سلطنة عمان، كما تطالب بعقدها بصيغة ثنائية تقتصر على الولايات المتحدة، بدلًا من الصيغة متعددة الأطراف التي كانت تشمل حضور عدد من الدول العربية والإسلامية كمراقبين.

مخاوف حقيقية

في سياق آخر، قدم مروان قبلان، مدير وحدة الدراسات السياسية في "المركز العربي" للأبحاث، تحليلًا مختلفًا لدوافع باكستان. فقد أكد قبلان، في مقابلة تلفزيونية بتاريخ الثامن عشر من نيسان، أن "باكستان تمتلك قناعة واضحة بأن قائد جيشها، خلال وجوده في طهران لمدة ثلاثة أيام، كان يجري مفاوضات ويتواصل مع الإيرانيين والأمريكيين في الوقت نفسه، في محاولة لحل الخلافات".

وشدد قبلان على أن "ذلك يعكس إصرارًا باكستانيًا على هذا المسار، انطلاقًا من تقدير مفاده أن باكستان قد تصبح جزءًا من هذه الحرب إذا فشلت المفاوضات هذه المرة". وأوضح الباحث أن "هذا التصعيد، في حال حدوثه، خاصة إذا اتجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى خطوات تصعيدية، قد يخرج الأمور عن السيطرة".

وتابع قبلان قائلًا: "في المقابل، هددت إيران بأنه إذا جرى استهداف محطات الطاقة لديها، فسترد بضرب محطات الطاقة في الخليج. وإذا تم استهداف هذه المحطات، فقد تدخل دول الخليج الحرب، وعلى رأسها السعودية، التي ترتبط باتفاق دفاعي مع باكستان، مما قد يدفع الأخيرة عمليًا إلى الانخراط في الحرب بموجب هذا الاتفاق".

ونوه قبلان إلى أن "قائد الجيش الباكستاني تحدث مع الإيرانيين بهذه اللغة، مفادها أنه في حال فشل المفاوضات، فلن تبقى باكستان وسيطًا، بل قد تتحول إلى طرف في هذه الحرب، وهو ما لا تريده. لذلك، فإن من مصلحة الجميع، بما في ذلك باكستان وإيران والعالم، التوصل إلى اتفاق".

وأضاف أن "باكستان تحاول دفع الحرب بعيدًا عنها، إذ تواجه معضلة مزدوجة؛ فهي قد تجد نفسها في مواجهة مع جار مثل إيران إذا سارت الأمور في هذا الاتجاه، إلى جانب التزاماتها الدفاعية مع السعودية. فضلًا عن أن المجتمع الباكستاني متنوع، حيث يشكل الشيعة نحو خمسة وعشرين بالمئة من السكان".

وشدد الباحث في ختام حديثه على أن "باكستان شهدت اضطرابات سابقة، خاصة في المناطق الحدودية مع إيران، مما يزيد من حساسية الموقف. لذلك، تجد نفسها في وضع لا تُحسد عليه، وتسعى إلى تجنب انزلاق الأمور نحو مزيد من التصعيد".

على الصعيد ذاته، أفاد موقع "ريسبونسيبل ستيتكرافت" الأميركي بأن باكستان وجدت نفسها مؤخرًا في دائرة الضوء لأسباب غير معتادة، مع تصاعد شعور داخلي بالرضا نتيجة محاولة إعادة رسم صورتها من دولة ارتبط اسمها بالإرهاب وعدم الاستقرار إلى وسيط يسعى للسلام.

وبحسب تقرير نشره الموقع في التاسع عشر من نيسان، فإن اختيار باكستان مقرًا للمحادثات جاء نتيجة تلاقي عدة عوامل، من بينها اعتبار إيران لها طرفًا موثوقًا به بحكم موقعها كدولة مجاورة وخارج دائرة الضغط الغربي المباشر، في حين خرجت سلطنة عمان من المعادلة بعد تعرضها لعدة هجمات إيرانية.

ولفت التقرير إلى أن الصين لعبت دورًا محوريًا في دعم الخيار الباكستاني، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع إسلام آباد وطهران، بينما ساهمت العلاقة القوية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في ترجيح كفة باكستان كمضيف للمحادثات.