السيناريوهات الأربعة.. كيف ستحدد حرب إيران خيارات السعودية تجاه إسرائيل؟

"السعودية تمثل الاختبار الفعلي لمستقبل اتفاقات التطبيع مع إسرائيل"
مثلت اتفاقات التطبيع التي وُقعت في سبتمبر/أيلول 2020 بين إسرائيل والإمارات والبحرين، ثم وُسّعت لاحقا لتشمل المغرب والسودان، تحولا بعيدا عن النموذج الإقليمي الذي اشترط تسوية إسرائيلية-فلسطينية قبل التطبيع.
وقد استبدلت الاتفاقات ذلك النموذج بإطار عمل أكثر براغماتية مبني على التعاون الأمني، والتكنولوجيا، والتجارة، والاستثمار، والربط الإقليمي، إلى جانب التزام إسرائيلي بتجنب الخطوات أحادية الجانب في الساحة الفلسطينية، وفق زعم مسؤول إسرائيلي سابق.
وأفاد ساسون حداد، المستشار المالي السابق لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي ورئيس قسم الميزانية بوزارة الدفاع، بأن "حرب غزة لم تؤدِّ إلى انهيار الاتفاقات، بل كشفت عن متانة مؤسسية لافتة".
واستدرك موضحا أن "زخم توسعها قد تراجع، ليصبح مسارها المستقبلي أكثر ارتهانا بالديناميكيات الإقليمية الشاملة وتطورات القضية الفلسطينية".

حسابات السعودية
وأشار حداد إلى أن السعودية تمثل المحك الرئيس والاختبار الفعلي لمستقبل هذه الاتفاقات، مؤكدا أن انضمامها المحتمل سيمثل تحولا إستراتيجيا نوعيا.
ورأى أن "من شأن هذه الخطوة أن تدمج الدولة العربية الأكثر ثقلا من الناحية الاقتصادية والسياسية والدينية في نظام إقليمي جديد، مما يمنحه عمقا أمنيا وتكنولوجيا وجيواقتصاديا مضاعفا”.
في المقابل، لفت حداد إلى أن “مكانة السعودية الفريدة كقائدة للعالم السني وحاضنة للحرمين الشريفين ترفع من الكلفة السياسية للتطبيع”.
واستطرد: “لذا، لا يمكن للرياض استنساخ (النموذج الإماراتي) بتعديلات طفيفة، بل هي بحاجة ماسة إلى إطار عمل رصين يمكنها تبريره داخليا، وعلى مستوى العالم العربي والمحيط الإسلامي الأوسع”.
وذكر التقرير أن “الحرب الإقليمية (2025-2026) تتجاوز كونها مجرد سياق للنقاش حول التطبيع، لتصبح محركا جوهريا يصيغ توجهات السياسة السعودية”.
وأوضح أن "الرياض تجد نفسها تحت تأثير ضغوط مزدوجة ومتعارضة؛ فمن جهة، رسخت الحرب الأهمية الإستراتيجية لبناء (هندسة إقليمية) جديدة لمواجهة النفوذ الإيراني، ترتكز على الشراكة مع واشنطن والتنسيق مع الأطراف الإقليمية البراغماتية، وصولا إلى احتمال التطبيع مع إسرائيل".
ونتيجة لذلك، يرى حداد أن “السؤال بالنسبة للرياض لم يعد مجرد ما إذا كان التطبيع يخدم مصالحها، بل متى يجب أن يحدث، وتحت أي نتائج للحرب، وضمن أي نظام إقليمي يمكن تبريره؟”
وقال: "من منظور إستراتيجي، تواصل عدة عوامل دفع السعودية نحو علاقات وثيقة مع إسرائيل، الأول هو النظام الإيراني".
وأضاف: “فحتى بعد استعادة الرياض وطهران للعلاقات الدبلوماسية عام 2023، لا تزال السعودية تنظر إلى إيران كتهديد هيكلي طويل الأمد بسبب برنامجها النووي، وشبكة وكلائها، والضعف المستمر لمسارات الطاقة والتجارة في الخليج”.
ويعتقد أن "سلوك إيران خلال الحرب، وخاصة ضرباتها للسعودية رغم الجهود الأخيرة لتحسين العلاقات، عزز لدى القيادة السعودية خطورة التهديد الإيراني وحدود التقارب".
على النقيض من ذلك، فإن استعداد إسرائيل للتحرك ضد إيران، وحجم عملياتها، وعلاقتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، تزيد من قيمتها كشريك إستراتيجي، وفق زعمه.
وتابع: “وبالتالي، يمكن أن يشكل التطبيع السعودي-الإسرائيلي جزءا من بنية إقليمية أوسع مصممة لاحتواء إيران وتوسيع التعاون الاستخباراتي والأمني ضدها وضد التهديدات الأخرى”.
وأضاف أن "العامل الثاني هو جيواقتصادي. ففي أعقاب الحرب، أصبح لدى الرياض حافز أقوى لتنويع مسارات تصدير النفط وتقليل اعتمادها على مضيق هرمز".
وفي هذا الصدد، أشار المقال إلى إمكانية أن “توفر إسرائيل ممر تصدير إضافيا للمملكة”، كما نوه إلى وجود مصلحة سعودية جلية في دمج مستهدفات "رؤية 2030" ضمن شبكات التكنولوجيا ورؤوس الأموال والبنية التحتية على مستوى المنطقة.
وأوضح أن “مسار التطبيع من شأنه أن يسرع وتيرة التنوع الاقتصادي للسعودية، ويحفز تدفق الاستثمارات الأجنبية، فضلا عن تعزيز قطاعات تقنية رائدة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتقنيات المياه، والزراعة الصحراوية”.
البديل الإقليمي
ورأى المقال أن “ظهور بديل إقليمي موازٍ لمسار التطبيع مع إسرائيل يعد أحد أبرز التحولات في السياسة السعودية”.
وأوضح أنه “في يناير/كانون الثاني 2026، بلورت باكستان والسعودية وتركيا مسودة اتفاقية دفاع ثلاثية بعد مخاض من المحادثات استمر قرابة عام، مما يعكس مسعى جاد لبناء إطار أمني إقليمي مستقل لا يعتمد بصورة مباشرة على إسرائيل”.
وفي مارس/ آذار 2026، استضافت السعودية اجتماعا في الرياض لوزراء خارجية عرب ومسلمين، بما في ذلك ممثلين عن مصر وباكستان وتركيا، لمناقشة الحرب وتداعياتها الإقليمية.
وأفاد حداد بأنه “رغم أن هذا المسار لا يرقى بعد إلى مستوى تحالف عسكري رسمي، فإن مجرد انعقاد مثل هذا التجمع يبرهن على رغبة الرياض في توسيع خياراتها الإستراتيجية”.
واستطرد: "فهي لا تكتفي بالمراهنة على شراكتها مع واشنطن أو المسار الإسرائيلي المرتقب فحسب، بل تسعى أيضا لتبني ما يمكن وصفه بـ(إستراتيجية التحوط الإقليمي بالمظلة الإسلامية)".
ويرى المقال أن "تداعيات هذا التوجه مزدوجة؛ فمن منظور قصير الأمد، يمنح وجود هذا البديل الرياض هامشا للمناورة ويخفف عنها ضغوط المضي المتسارع نحو تطبيع علني مع إسرائيل.
أما على المدى المتوسط، ففي حال ثبت عجز هذا الإطار عن توفير الردع المطلوب أو العمق التكنولوجي والدعم الأميركي المنشود، فقد ينتهي به الأمر إلى تعزيز الحجج الداعية للانخراط في التطبيع ضمن بنية إقليمية أوسع.
وبناء على ذلك، فإن المحور (السعودي-التركي-الباكستاني) لا يلغي خيار التطبيع المستقبلي، لكنه سيؤدي حتما إلى إرجائه، وفق تقييم حداد.
ويرى أنه “في الوقت الذي تعزز فيه المنطق الإستراتيجي للتطبيع، تظل القضية الفلسطينية هي العائق الجوهري؛ فإذا كانت اتفاقات أبراهام بنسختها الأولى أثبتت إمكانية المضي قدما دون حل كامل للصراع، فإن حرب غزة أعادت الملف الفلسطيني إلى الواجهة وبقوة”.
وأشار إلى أن الموقف السعودي المعلن مرارا بأنه لا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل دون وجود مسار موثوق يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية.
وبالنسبة للرياض، لا تكمن المسألة في مدى مواءمة بند معين لمواقفها، بل في كون الإطار العام للحل يتسم بالمصداقية والواقعية، وقدرته قبل كل شيء على توفير الغطاء الشرعي على المستويين العربي والمحلي.
وفي هذا السياق، أوضح حداد أن الرفض السعودي والعربي الحاسم لخطة ترامب بشأن غزة في فبراير/شباط 2025 لم يكن لافتقارها للمكون السياسي، بل لكونها عدت خطة قسرية من شأنها تكريس التهجير وزعزعة الاستقرار، بدلا من تقديم برنامج جاد لتسوية القضية الفلسطينية.

أربعة سيناريوهات
ولفت المقال إلى أن السياسة السعودية تجاه إسرائيل سترتبط، إلى حد بعيد، بمالآت الحرب مع إيران، حيث تبرز أربعة سيناريوهات محتملة.
أولا، حال استمرار الحرب بعد الهدنة المؤقتة دون حسم واضح مع تزايد التآكل الإقليمي، يُرجح أن تلتزم الرياض جانب الحذر.
ورغم أن التنسيق "تحت الطاولة" مع واشنطن وإسرائيل سيبقى ذا قيمة إستراتيجية، إلا أن الكلفة السياسية للتطبيع العلني ستظل باهظة؛ مما سيدفع الرياض إلى تعميق إستراتيجية التحوّط عبر تعزيز التعاون الأمني الصامت، وزيادة الاستثمار في البدائل الإقليمية، مع الامتناع عن توقيع أي اتفاق رسمي.
ثانيا، وقف مستقر لإطلاق النار؛ ففي سيناريو التوصل إلى تهدئة دائمة دون نتائج حاسمة، تزداد فرص "التقارب التدريجي" في العلاقات.
إذ يمكن للرياض حينها تسويق النتيجة بوصفها فرصة لإعادة هندسة النظام الإقليمي، وإذا ما ترافق ذلك مع ترتيبات ملموسة في قطاع غزة وتحريك للمسار الفلسطيني، فقد يعود التطبيع التدريجي كخيار واقعي على الطاولة من جديد، بحسب حداد.
ثالثا، نمط الجولات القتالية المتكررة؛ فإذا استقر الصراع على شكل مواجهات دورية متقطعة، فستعيش السياسة السعودية حالة من "الارتباك الإستراتيجي".
فبينما تتعاظم الحاجة الأمنية لتحالف إقليمي، ستؤدي كل جولة قتال جديدة إلى تأجيج الحساسيات الشعبية والعربية، مما يجعل الانتقال من التعاون الخفي إلى التطبيع الرسمي أمرا بعيد المنال سياسيا، وفق المقال.
رابعا، إضعاف النظام الإيراني أو استبداله؛ ففي حال سقط أو تراجع نفوذه بشكل جذري، ستصبح الصورة أكثر تعقيدا، وفق تقييمه.
فمن جهة، سيتراجع التهديد المباشر مما يقلل من طابع "الاستعجال الدفاعي" للتطبيع، ولكن من جهة أخرى، سيفتح ذلك المجال لبناء نظام إقليمي جديد تسعى فيه السعودية لترسيخ ريادتها ضمن بنية مدعومة أميركيا.
وفي هذا السيناريو، قد لا يتسارع التطبيع فورا، لكنه سيصبح "أسهل سياسيا" للرياض في ظل بيئة إقليمية أقل عدائية.















