تركيا بين الضبط والتسهيل.. كيف تغيرت سياسات الإقامة منذ 2022؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

نشرت المجلة الدولية التركية للعلوم الإنسانية والتربية دراسة للباحث التركي أنيل أرسلان، تناول فيها التحولات التي شهدها نظام تصاريح الإقامة في تركيا منذ عام 2022، مشيراً إلى أن السياسات المتبعة اتجهت نحو مزيد من التشدد والانتقائية في منح الإقامات وتجديدها.

وأوضح الباحث أن تركيا تُعد من الدول المهمة في مجال الهجرة، ليس فقط بوصفها دولة عبور، وإنما أيضاً كدولة استقرار وإقامة. 

ومع دخول قانون الأجانب والحماية الدولية رقم 6458 حيز التنفيذ، باتت هناك منظومة قانونية واضحة تنظم شؤون الهجرة والإقامة والحماية الدولية، فيما يُعد نظام تصاريح الإقامة الركيزة الأساسية لتنظيم وجود الأجانب داخل البلاد.

وبحسب الدراسة، بدأت السلطات التركية منذ عام 2022 في تطبيق سياسات أكثر صرامة، خاصة فيما يتعلق بتجديد الإقامات قصيرة الأجل والتحقق من الأسباب الفعلية للإقامة. 

كما اتخذت إجراءات إضافية شملت تقييد تسجيل الأجانب في بعض المناطق، وتشديد الرقابة على تغيير غرض الدخول إلى البلاد، مثل الانتقال من التأشيرة السياحية إلى الإقامة، مع توجيه الراغبين في العمل إلى مسار الحصول على تصاريح العمل. 

وفي هذا السياق، جرى التأكيد على مبدأ مفاده أن "نوع التأشيرة يجب أن يتوافق مع سبب الدخول، وأن تتوافق الإقامة مع سبب البقاء".

وفي المقابل، أُدخلت بعض التسهيلات الإجرائية، من بينها إتاحة تقديم بعض الطلبات عبر كتّاب العدل (النوتر)، بهدف تسريع الإجراءات وتبسيطها.

ويرى أرسلان أن الإفراط في التشدد قد يفضي إلى نتائج عكسية، من بينها بقاء بعض الأجانب بشكل غير قانوني أو لجوؤهم إلى نظام الحماية الدولية رغم عدم حاجتهم الفعلية إليه. 

ويخلص إلى أن السياسة الأكثر فاعلية لا تتمثل في التشديد المطلق أو التخفيف المطلق، بل في بناء نظام متوازن يحد من المخالفات ويعزز الالتزام بالقوانين.

نظام تصاريح الإقامة في تركيا

توضح الأبحاث أنّ تقليل فرص الهجرة القانونية قد يؤدي إلى زيادة الهجرة غير النظامية. كما أن الهجرة غالباً ما تكون نتيجة عوامل متعددة مثل العمل، والأسرة، والتعليم، والأمان، وليس لسببٍ واحدٍ فقط. ورغم أن نظام الحماية الدولية مخصص للاجئين، إلا أن بعض الأشخاص قد يلجؤون إليه عندما لا تتوفر لهم خيارات قانونية أخرى.

إنّ قانون 6458 في تركيا قد ساعد في تنظيم الهجرة، لكن نجد أنّ تطبيقه يتغيّر حسب السياسات العامة. حيث يضمّ نظام الإقامة أنواعاً متعددة من الإقامات (سياحية، عائلية، دراسية، عمل، وغيرها)، وهو ما يمنحه مرونة كبيرةً في التعامل مع شؤون الهجرة، إلّا أنّه في ذات الوقت يتيح مساحة كبيرة لِلتّقدير الإداري.

ويضيف الباحث إلى ذلك بأنّ الرسوم والتكاليف المتعلّقه بالهجرة قد أصبحت جزءاً مهماً من النظام، لكن يجب أن تكون واضحة وعادلة حتى لا تتحول إلى عائق أمام الإقامة القانونية.

لذلك، فإن النظام الفعّال يجب أن يوفر مسارات قانونية واضحة، وأن يكون قادراً على التمييز بين مستويات المخاطر المختلفة، إضافة إلى تمتعه بدرجة عالية من قابلية التنبؤ بالنسبة للمتقدمين، مع تحقيق توازن بين التكاليف والقدرة المؤسسية للدولة.

ينظم قانون الأجانب والحماية الدولية رقم 6458 أنواع الإقامة في تركيا ضمن ست فئات رئيسة؛ تشمل الإقامة قصيرة الأجل، والإقامة العائلية، وإقامة الطالب، والإقامة طويلة الأجل، والإقامة الإنسانية، وإقامة ضحايا الاتجار بالبشر. 

وبموجب هذا الإطار، يُلزم الأجانب بالحصول على تصريح إقامة في حال تجاوزت مدة بقائهم تسعين يوماً، أو عند تجاوز المدة الممنوحة لهم بموجب التأشيرة أو الإعفاء من التأشيرة.

ويحدد القانون شروط كل نوع من الإقامة، بالإضافة إلى حالات الرفض أو الإلغاء. بذلك، فإن نظام الإقامة ليس مجرد إجراء إداري، بل نظام قانوني كامل يحدد وضع الأجانب داخل البلاد.

واستدرك الباحث بأنّ تصريحات الإقامة في تركيا مرّت بِثلاث فترات مختلفة. الفترة الأولى هي 2018–2019؛ حيث ارتفعت أعداد تصاريح الإقامة من 856,470 إلى 1,101,030 وقد تمّ تجاوز عتبة المليون لأوّل مرة في تلك الفترة. 

أما الفترة الثانية فهي 2020–2022، إذ سُجل خلال ظروف جائحة كورونا انخفاض واضح في عام 2020، إلا أن أعداد التصاريح عادت للارتفاع بقوة في عامي 2021 و2022 لتصل إلى 1,354,094. 

أما الفترة الثالثة فهي 2023–2025، حيث انخفض العدد إلى 1,107,032 في نهاية 2023 ثم إلى 1,056,632 في نهاية 2024 قبل أن يرتفع مجدداً إلى 1,151,969 في نهاية 2025، لكنه لم يعد إلى مستوى عام 2022. 

إنّ هذا النمط يشير إلى أن الطلب على تصاريح الإقامة في تركيا ليس طلباً دورياً مرتبطاً فقط بالظروف الاقتصادية، إذ إن الأعداد تتجاوز حاجز المليون في مختلف مراحل الأزمات والتعافي. 

كما أنه لا يمكن تفسير الانخفاض بعد عام 2023 بتراجع الطلب فقط، لأن أعداد طلبات الإقامة المقبولة من قبل رئاسة إدارة الهجرة ما تزال في مستويات تُقاس بالملايين، ومع احتساب الطلبات المرفوضة يتضح أن حجم الطلب الكلي في ازدياد بينما ينخفض المخزون النشط، وهو ما يعكس أن نظام الإقامة أصبح أكثر انتقائية وتشدداً في الفرز.

أما من حيث التركيب القومي، فتُظهر بيانات عام 2023 أن الجنسيات العشر الأولى بين حاملي تصاريح الإقامة تشمل تركمانستان وروسيا والعراق وسوريا وإيران وأذربيجان وأوزبكستان وكازاخستان وأفغانستان وأوكرانيا. 

وفي بيانات أغسطس 2025 تتصدر تركمانستان القائمة، تليها أذربيجان وروسيا وسوريا وإيران وأوزبكستان والعراق وكازاخستان وأفغانستان ومصر. 

توضّح هذه المقارنة وجود ديناميكيّتين أساسيتين؛ الأولى هو أنّ تأثير التحركات السكانية المرتبطة بحرب روسيا وأوكرانيا بدأ يتراجع مع الوقت، حيث إنّ الحضور الروسي والأوكراني الذي كان قوياً في بداية 2023 انخفض لاحقاً في 2025.

أما الثانية فهي أن وزن الدول القادمة من آسيا الوسطى والشرق الأوسط والدول المجاورة في نظام الإقامة في تركيا يحمل طابعاً بنيوياً، إذ إنّ استمرار تصدر تركمانستان وارتفاع أذربيجان واستقرار حضور إيران والعراق وأوزبكستان وكازاخستان يؤكد أن تركيا ليست مجرد وجهة سياحية قصيرة الأمد، بل مركز إقليمي للحركة السكانية والإقامة طويلة الأمد.

تصاريح الإقامة قصيرة الأجل

واستدرك الباحث التركي أنّ توزيع تصاريح الإقامة حسب الأنواع، والتي تمّ إصدارها حتى نهاية عام 2023، يبيّن أن تصاريح الإقامة قصيرة الأجل تمثل 57.7% من إجمالي الحاصلين على الإقامة، بإجمالي 638,764 شخصاً. 

بينما يبلغ عدد تصاريح إقامة الطلاب 161,426 بنسبة 14.6%، وتصاريح الإقامة العائلية 117,579 بنسبة 10.6%، في حين تصل فئة "أنواع الإقامة الأخرى" إلى 189,263 بنسبة 17.1%.

إنّ هذا التوزيع يظهر أن الفئة التي تحدد الحجم الحقيقي لنظام الإقامة في تركيا هي تصاريح الإقامة قصيرة الأجل. لذلك فإن أي تشديد في سياسات الإقامة يظهر أثره بشكل أوضح في هذه الفئة تحديداً. 

وتشمل الإقامة قصيرة الأجل مجموعة واسعة من أسباب الإقامة مثل السياحة، والأنشطة التجارية، وتملك العقارات، والعلاج الصحي، وطلبات الجهات القضائية أو الإدارية، إضافة إلى بعض حالات الإقامة المؤقتة أو الانتقالية.

وقد أدت هذه المرونة إلى جعل هذا النوع من الإقامة الأداة الأكثر استخداماً في إدارة الهجرة النظامية، لكنها في الوقت نفسه الأكثر عرضة للاستخدام خارج هدفها الأساسي، مثل إساءة استخدام خدمات الوساطة أو الاستشارات، أو القيام بعمل فعلي تحت غطاء السياحة. 

لذلك فإن التحدي الأساسي أمام صناع السياسات لا يتمثل في تقليص هذا النوع من الإقامة، بل في إنشاء نظام أكثر تدرجاً يميز بوضوح بين الحالات منخفضة المخاطر والحالات عالية المخاطر.

وأشار الكاتب إلى أنّ الإحصاءات الرسمية المتاحة للجمهور لا تنشر بيانات سنوية منتظمة، بحيث توضح نسب القبول والرفض والتمديد والإلغاء لتصاريح الإقامة. هذا النقص في البيانات يجعل من الصعب متابعة تأثير السياسات بشكل مباشر.

ومع انخفاض المخزون الفعلي بعد عام 2022، وتراجع تصاريح الإقامة قصيرة الأجل، وفرض قيود على التسجيل في إسطنبول وبعض المناطق ذات الكثافة العالية، إضافة إلى تشديد الخطاب السياسي حول الفرق بين الدخول السياحي والإقامة الفعلية، يمكن الاستنتاج بأنّ نظام الإقامة أصبح أكثر صرامة وانتقائية، حتى لو لم تُنشر نسب الرفض بشكل واضح.

آثار تشديد نظام الإقامة

ولفت الكاتب النظر إلى أن تشديد تقييم تصاريح الإقامة له مبررات مرتبطة بالنظام العام. فَالاستخدام غير الصحيح لبعض الفئات؛ مثل السياحة أو تملك العقارات في أنشطة عمل فعلية، أو استخدام عناوين وهمية، أو التلاعب عبر شركات الاستشارات، أو التسبب في تجمعات سكانية غير مخططة، كلها عوامل قد تضعف قدرة الدولة على الرقابة. 

كما أن هذا التركز غير المنظم قد يسبب مشكلات في سوق العمل والخدمات العامة وإدارة المدن، لذلك فإن وجود نوع من الرقابة أو الفلترة في نظام الإقامة أمر ضروري.

لكن في المقابل، فإن التشديد الزائد قد يؤدي إلى نتائج عكسية: 

أولاً، قد يدفع هذا التشديد بعض الأشخاص الذين سيبقون فعلياً في تركيا إلى الوقوع في وضع "الهجرة غير النظامية"، وما يرافق ذلك من ضعف الشفافية الضريبية والاجتماعية، وزيادة مخاطر الاستغلال، وارتفاع العمل والإقامة غير المسجلة، وارتفاع تكاليف تطبيق القانون والإبعاد. 

ثانياً، قد يلجأ بعض القادمين من دول قريبة، حتى لو لم تكن لديهم حاجة حقيقية للحماية الدولية، إلى طلب اللجوء كخيار بديل للبقاء، مما يزيد الضغط على نظام الحماية ويؤثر على من هم بحاجة حقيقية إليه.

لذلك يجب أن يسعى نظام الإقامة إلى تحقيق توازن بين الأمن والانفتاح، وذلك من خلال منح تصاريح محددة المدة للأشخاص الذين يمكن التحقق من هويتهم، وتثبيت عناوينهم، وإثبات دخلهم، وتوفير التأمين الصحي، والالتزام بالمتطلبات المالية، مع إِبقائهم داخل إطار قانوني وواضح ومنظم بحيث يعزز الشفافية والالتزام.

مقترح إصلاحي: نظام إقامة قائم على المخاطر والمساهمة

يقوم هذا المقترح على فكرة إنشاء مسار قانوني منظّم  للإقامة، بحيث يمكن إدارته بسهولة، ويكون محدد المدة، وفي الوقت نفسه يحقق مساهمة مالية للنظام العام. 

إنّ هذا المسار مخصص للأجانب الذين لا يشكلون أي خطر واضح على النظام العام أو الأمن العام أو الصحة العامة.

وإنّ الفكرة الأساسية هنا هو أن نظام الإقامة لا يتحول إلى "حق تلقائي" لكل من يتقدم، بل يتم التعامل مع كل طلب على أساس تقييم المخاطر. أي أن كل شخص يتم تصنيفه حسب ملفه: هل هو منخفض المخاطر أم مرتفع المخاطر.

بناءً على هذا التصنيف، يمكن منح تصاريح إقامة قصيرة ومتدرجة لمدة 3 أشهر أو 6 أشهر أو 12 شهراً للأشخاص الذين تتوفر فيهم شروط أساسية، مثل إمكانية التحقق من هويتهم بشكل واضح، وأن يكون لديهم سجل دخول وخروج سليم، وألا يكونوا قد استخدموا وثائق مزورة، وأن يكون لديهم عنوان إقامة يمكن التحقق منه، وأن يمتلكوا تأميناً صحياً صالحاً، وأن يلتزموا بالالتزامات المالية التي تحددها الدولة.

كما أن هذه التصاريح لا تكون ثابتة بشكل دائم، بل يمكن تمديدها أو تجديدها لاحقاً، لكن ذلك يعتمد على تقييم شامل لوضع الشخص، وسلوكه خلال فترة إقامته السابقة، ومدى التزامه بالقوانين والأنظمة.

وأردف الكاتب التركي أن أحد أهم المقترحات في هذا النموذج، وهو أيضاً من أكثرها إثارة للنقاش، هو إدخال نظام "مساهمةٌ مالية" قانوني و واضح، يُضاف إلى الرسوم الحالية مثل رسوم طلب الإقامة، ورسوم البطاقة، والتأمين الصحي.

هذا المقترح لا يعني فرض رسوم عشوائية، بل يعتمد على تجارب دول أخرى وعلى سياسات الهجرة المقارنة، خاصة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

في هذه الدول، لا تُعد الإقامة مجرد إجراء إداري فقط، بل هي أيضاً خدمة عامة تتطلب موارد مالية لإدارتها، وبالتالي يتم تمويل جزء من هذه الخدمات من خلال رسوم أو مساهمات.

على سبيل المثال، في فرنسا يتم فرض رسوم تقارب 225 يورو على تصاريح الإقامة المؤقتة أو متعددة السنوات، بينما يدفع الطلاب حوالي 75 يورو فقط. هذا الفرق يعكس اختلاف نوع الطلب، وفي الوقت نفسه يساعد في تمويل إدارة الهجرة.

وفي ألمانيا أيضاً تختلف الرسوم حسب نوع الإقامة ومدتها؛ فتصاريح الإقامة لمدة تصل إلى سنة تبلغ حوالي 100 يورو، وإذا كانت المدة أطول من سنة تصبح حوالي 110 يورو، أما عمليات التجديد فتبلغ حوالي 93 يورو، بينما تصاريح الإقامة الدائمة قد تصل إلى ما بين 113 و147 يورو.

هذه الأمثلة توضح أن فكرة وجود مساهمة مالية في نظام الإقامة ليست فكرة جديدة أو استثنائية، بل هي ممارسة موجودة في العديد من الدول.

بناءً على ذلك، يقترح هذا النموذج نظام مساهمة تدريجيا، بحيث تكون مثلاً 150 يورو للإقامة لمدة 3 أشهر، و300 يورو لمدة 6 أشهر، و500 يورو لمدة 12 شهراً. هذه الأرقام تبقى ضمن نطاق معقول عند مقارنتها بالممارسات الدولية.

إنّ المهم هنا أن الهدف ليس تحويل الهجرة أو الإقامة إلى نشاط تجاري أو مصدر ربح، بل الهدف هو تغطية التكاليف الإدارية الفعلية الناتجة عن إدارة هذا النظام، وجعل هذه التكاليف واضحة وشفافة.

لكن، تحدّث الباحث عن نقطة أساسية جداً في هذا المقترح، وهي أن الأموال التي يتم جمعها يجب ألا تذهب إلى الميزانية العامة بشكل غير مخصص، بل يجب أن تكون مخصصة بشكل مباشر لإدارة الهجرة فقط. 

بمعنى آخر يجب أن تكون هناك ميزانية مخصصة تُستخدم فقط لتحسين قدرات إدارة الهجرة، مثل تطوير أنظمة التكنولوجيا، وتوظيف الموظفين، وتحسين خدمات الترجمة، وتسهيل إجراءات الطلب.

واستدرك الباحث التركي أن واحدة من أكبر المشاكل في نظام الإقامة الحالي هي وجود فجوة كبيرة في المعلومات بين الأجانب والإدارة، وهذا يؤدي إلى ظهور سوق من الوسطاء أو “المستشارين” الذين يساعدون في تقديم الطلبات، وأحياناً يتم استغلال هذا الوضع بفرض رسوم مرتفعة جداً، أو استخدام وثائق غير صحيحة، أو تقديم معلومات مضللة.

لذلك يقترح هذا النموذج إنشاء مكاتب حكومية موحدة، تكون هي الجهة الوحيدة التي يتم من خلالها تقديم طلبات الإقامة. هذه المكاتب تكون تابعة للدولة، وتقدم خدماتها بعدة لغات، وتكون واضحة وسهلة الوصول.

إنّ الفكرة هنا هي تقليل الاعتماد على الوسطاء الخارجيين، وجعل العملية بالكامل داخل إطار رسمي واحد.

حتى لو كان هناك بعض الدول التي تستخدم مكاتب أخرى مثل مكاتب كاتب العدل لتسهيل الإجراءات، فإن الأفضل هو أن تبقى العملية داخل مكاتب حكومية متخصصة، لأن ذلك يسمح بدمج كل مراحل الطلب في مكان واحد.

في هذه المكاتب تتم جميع الخطوات بشكل متكامل، مثل حجز الموعد، وفحص الوثائق، وتسجيل البيانات البيومترية، وإجراء مقابلة قصيرة إذا لزم الأمر، وشرح الرسوم والمساهمة المالية، وتوضيح التأمين الصحي، وفي بعض الحالات يتم توجيه الشخص إلى مسار تصريح العمل إذا كان مناسباً.

هذا النظام يقلل من الغموض بالنسبة للمتقدمين، ويزيد من وضوح الإجراءات، وفي الوقت نفسه يضعف شبكات الوساطة غير الرسمية التي تستغل المعلومات غير المتكافئة.

وأشار الباحث إلى أنّ نظام المساهمة المالية يمكن أن يساعد في توفير مصدر تمويل مستقر، لتوظيف موظفين متخصصين داخل إدارة الهجرة، خصوصاً في الفروع المحلية.

فَحجم العمل في هذا المجال كبير جداً، لأنه يشمل معالجة الطلبات، والترجمة، والتحقق من البيانات، والرد على الاستفسارات، وإدارة مراكز الاتصال، وغيرها من المهام. لذلك فإن وجود موظفين مدربين ومتخصصين في هذا المجال ضروري، لتحسين جودة الخدمة وتقليل التأخير.

لكنّ المهم هنا هو أن هذا التمويل يجب ألا يكون مؤقتاً أو يعتمد على مشاريع خارجية، بل يجب أن يكون جزءاً من ميزانية مستقرة ودائمة للمؤسسة. وهنا تأتي أهمية المساهمة المالية لأنها يمكن أن توفر مصدر تمويل مستمر.

خلاصة

وأضاف الباحث أن أي إصلاح في نظام الإقامة يجب أن يراعي بشكل دقيق مبادئ حقوق الإنسان، ومبدأ التناسب، وسيادة القانون. فالتشديد المفرط قد يؤدي إلى دفع الأشخاص إلى أوضاع غير قانونية، بينما فرض رسوم مرتفعة بشكل غير عادل قد يؤدي إلى تمييز بين الفئات المختلفة.

لذلك يجب ألا يكون نظام المساهمة المالية جامداً، بل يجب أن يأخذ في الحسبان القدرة المالية للأشخاص، وكذلك العمر، والحالات الخاصة، ووضع الأسرة.

كما يجب توفير إعفاءات أو تخفيضات لفئات معينة؛ مثل الطلاب، والأطفال، والأسر، بالإضافة إلى الأشخاص الذين يحتاجون إلى حماية دولية.

ومن المهم أيضاً التأكيد أن هذا النظام لا يجب أن يستخدم لتقييد حق اللجوء أو تقليله، بل فقط لتنظيم الإقامة للأشخاص الذين لا يحتاجون إلى حماية دولية.

إن نظام الإقامة في تركيا أصبح أكثر انتقائية بعد عام 2022، لذلك فإن المشكلة الأساسية ليست في وجود الطلب، بل في كيفية إدارة هذا الطلب بطريقة أكثر تنظيماً ووضوحاً واستدامة.

لهذا، يجب أن يكون هناك نموذج إصلاحي يتضمن ثلاثة عناصر رئيسة مترابطة: نظام إقامة تدريجي قائم على تقييم المخاطر، ومساهمة مالية قانونية ومخصّصة لتمويل إدارة الهجرة، ومكاتب خدمة حكومية موحدة تقلل من الوسطاء وتزيد الشفافية.

هذا النموذج يمكن أن يساعد في تقليل الإقامة غير النظامية، وتخفيف الضغط على نظام اللجوء، وتقليل الاستغلال في سوق الوساطة، في الوقت نفسه تعزيز قدرة الدولة على إدارة ملف الهجرة.