هل تمثل تركيا تهديدا وجوديا لإسرائيل؟.. وماذا عن موقف الناتو؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في الشهور الأخيرة، يلاحظ تصاعد التنافس بين تركيا والكيان الإسرائيلي على أصعدة عديدة، سياسية وحتى اقتصادية.

يقول المعهد الإيطالي لتحليل العلاقات الدولية (IARI) في تقرير له: إن الخلاف بين الجانبين حقيقي ومتجذر في المسرح السوري وشرق المتوسط وإعادة رسم النظام الإقليمي ما بعد حرب غزة.

غير أن التقرير انتقد التعامل مع بعض المقالات الإعلامية والتصريحات السياسية الإسرائيلية الناقدة لتركيا، على أنها معبّرة عن تحول في العقيدة الرسمية لتل أبيب تجاه أنقرة.

السياق التاريخي

وأوضح المعهد أن التنافس بين إسرائيل وتركيا لا يقتصر على مرحلة غزة وحدها. فعلى مدى أكثر من عقد، تناوب الطرفان بين التعاون والجفاء السياسي والبراغماتية الاقتصادية.

وفي عام 2022، بدا الانفراج كافيا لإعادة السفراء واستئناف لغة الاستقرار الإقليمي، لكن تلك المحاولة كانت تقوم على أسس هشة، فكان هناك تباين حول القضية الفلسطينية، وعداء إسرائيلي تجاه علاقات أنقرة بحماس، وطموحات تركية في المشرق، وتنافس متصاعد على الملف السوري.

وتابع أن حرب غزة فجّرت هذا التوازن الهش؛ إذ وثّقت وكالة رويترز أولا القيود التركية على الصادرات في أبريل/نيسان 2024، ثم وقف التجارة الكاملة في مايو/أيار التالي.

ومنذ ذلك الحين، عاد الملف التركي إلى الحسابات الإسرائيلية بوصفه مشكلة متوسطة الأمد، تتمثل في قوة سنية كبيرة ديموغرافيا واقتصاديا، وتمتلك عمقا إستراتيجيا وصناعة عسكرية وامتدادا بحريا في المتوسط ودورا محوريا في شمال سوريا.

وأشار المعهد إلى أن صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية نشرت بين ديسمبر/كانون الأول 2025 ومارس/آذار 2026 سلسلة من المواد الإعلامية ترفع تركيا في سلّم التهديدات التي تتصورها إسرائيل.

ففي 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، وصف الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، غيورا آيلاند، في مقاله الافتتاحي تركيا صراحة بأنها "الجبهة الثامنة والأشد خطورة".

وأكد أن تركيا باتت "عدوا حقيقيا" منذ صعود رجب طيب أردوغان، وأن إسرائيل مطالبة بإعادة النظر في تموضعها الإستراتيجي تجاهها.

وفي 22 فبراير/شباط 2026، نقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين عدّهم أنقرة تهديدا محتملا جديدا، يحل تدريجيا محل إيران بوصفها القوة الإقليمية الساعية إلى تغيير موازين المنطقة.

كما وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، نفتالي بينيت، أردوغان خلال حملته الانتخابية بأنه "منافس متطور وخطير".

ورغم ذلك، رأى المعهد الإيطالي أن هذه التصريحات لا تكفي للقول إن ثمة موقفا رسميا إسرائيليا أو أميركيا يستهدف ضرب تركيا أو تغيير نظامها؛ إذ إن نشر صحيفة لمقالات ذات طابع إستراتيجي هجومي لا يعني صدور أمر تشغيلي من البيت الأبيض أو تبني المنظومة الأطلسية لهذا التوجه.

أسباب التحول

وأوضح المعهد أن هناك ثلاثة أسباب تفسر هذا التحول؛ أولها جغرافي-عملياتي، فبعد حرب غزة وبعد إضعاف المحور الإيراني جزئيا، تعود سوريا لتكون الفضاء الرئيس للاحتكاك غير المباشر.

وتمتلك تركيا عمقا إقليميا وقواعد وقدرات اعتراض وعلاقة متميزة مع ديناميكيات شمال سوريا، فيما ترقب إسرائيل بقلق متزايد محور هاتاي-حلب ومنطقة الجولان-جبل الحرمون.

وثانيها سياسي-بنيوي، فأنقرة ليست مجرد دولة ناقدة لإسرائيل، بل قوة متوسطة ذات طموح قيادي إقليمي وحق نقض وورقة ضغط تجاه أوروبا وصناعة دفاعية متنامية وعضوية في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وفق التقرير.

وهذا الأخير تحديدا هو ما يُعقّد الملف -وفق التقرير- إذ إن تركيا ليست كحزب الله أو حماس، بل فاعل حكومي متشابك مع الدوائر الغربية لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى تغيير معادلات المتوسط والشرق الأوسط.

وثالثها اقتصادي-صناعي، فتركيا تتفوق على إسرائيل من حيث عدد السكان والناتج المحلي الاسمي، بينما تحتفظ إسرائيل بتفوق واضح في الدخل الفردي والكثافة التكنولوجية والتكامل العسكري مع الولايات المتحدة.

وتُفرز هذه الفجوة تنافسا غير متكافئ -وفق التقرير- أنقرة تستمد ثقلها من حجمها الإقليمي، وإسرائيل من تفوقها التكنولوجي وخبرتها العملياتية.

الملف التجاري

ولفت المعهد إلى أن القطيعة الاقتصادية ينبغي قراءتها بدقة؛ فبحسب رويترز، كانت التجارة الثنائية قد بلغت 6.2 مليارات دولار عام 2023.

فيما أشار "بنك إسرائيل" إلى أن الصادرات التركية نحو إسرائيل كانت تُمثّل 6.3 بالمئة من وارداتها، في حين لا تُشكّل الصادرات الإسرائيلية نحو تركيا سوى 2.5 بالمئة من صادراتها.

وقد خلص البنك المركزي الإسرائيلي إلى أن الحصار كان له أثر محدود على الأسعار والإمدادات، بفضل تنويع الموردين. وعليه، فإن ورقة التجارة هي في الأساس رسالة سياسية، لا أداة لخنق الاقتصاد الإسرائيلي.

وانتقل التقرير إلى مسألة الناتو، مؤكدا أن المادة الخامسة من معاهدة الحلف تُلزم الحلفاء بالمساعدة لكنها تترك لكل منهم اتخاذ "ما يراه ضروريا"، أي أنه لا توجد آلية تلقائية موحدة ولا ترجمة حتمية لحرب شاملة.

ففي سيناريو الاحتكاك الإسرائيلي-التركي، فإن الخطوة الواقعية الأولى ستكون على الأرجح التشاور السياسي بموجب المادة الرابعة، لا تفعيل المادة الخامسة، بحسب تقييم المعهد.

وأضاف أن الحديث عن الاتحاد الأوروبي أيضا في غير محله؛ إذ تُطبَّق المادة 42(7) من معاهدة الاتحاد بين الدول الأعضاء، وتركيا مرشحة وشريك لا عضو، ما يعني غياب أي التزام أوروبي دفاعي تلقائي تجاهها.

واستدرك المعهد بأن المتغير الأكثر إلحاحا اليوم ليس تغيير النظام في تركيا، بل الهشاشة السياسية في إسرائيل نفسها.

فقد كتبت وكالة رويترز في يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2026 أن حكومة نتنياهو تبقى مكشوفة سياسيا، مع استطلاعات تُظهره خاسرا في انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2026، فضلا عن عودة محاكمة الفساد إلى الواجهة بعد انتهاء حالة الطوارئ المرتبطة بالحرب مع إيران.

وخلص المعهد إلى أن إعادة تشكيل المشهد السياسي الإسرائيلي عبر صناديق الاقتراع أو الضغوط الائتلافية أو الاستنزاف القضائي أكثر احتمالا في المدى القريب من أي ضغط أميركي لإسقاط أردوغان.

وأكد أن تركيا حتى الآن لم تتحول إلى تهديد وجودي بالمعنى الذي تعاملت به إسرائيل تاريخيا مع الملف النووي الإيراني.

وختم بأن أكثر السيناريوهات ترجيحا في المدى القريب هو تنافس مُدار بتوتر عالٍ دون مواجهة عسكرية مباشرة. أما توصيف تركيا بـ"التهديد الجديد" فيرى المعهد أنه يخدم ثلاثة أغراض في آنٍ واحد.

الأول إعطاء إسرائيل إطارا لأولوياتها الإستراتيجية في مرحلة تراجع الخطر الإيراني المباشر، والثاني إيصال رسالة لواشنطن مفادها أن المشكلة في المنطقة لا تنحصر في إيران، والثالث تحويل الأنظار عن الضغوط السياسية الداخلية التي يواجهها نتنياهو نحو تهديد خارجي أسهل في التسويق الإعلامي.